الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

سام.. جثة خزان المجاري المجهولة

بقلم : Omar35880 - ليبيا

جريمة مخيرة ضاعت خيوطها مع الزمن
جريمة مخيرة ضاعت خيوطها مع الزمن

رب صدفة خير من ألف ميعاد، ولكن هذه الصدفة لم تجمع بين حبيبين، بل جمعت الشرطة الكندية مع جريمة بشعة. كانت الجريمة ستظل مجهولة إلى الآن لولا أن زوجين أرادا أن يقتصدا في المال. فتح رجل خزان المجاري في مزرعته القديمة ليجد أمامه جثة، واكتشف المحققون أن صاحبها تم تعذيبه بوحشية قبل قتله. هذه قصة "سام الخزان"، إحدى أبشع الجرائم في تاريخ كندا.

الاكتشاف

المكان الذي عثر فيه على الجثة

بدأت القصة في بلدة تدعى توفيلد. تقع هذه البلدة في شرق وسط مقاطعة ألبرتا الكندية، وتبعد مسافة 70 كم شرق مدينة إدمونتون عاصمة المقاطعة. بلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة في تعداد عام 2016، وكان تعدادها 1,200 نسمة زمن وقوع الجريمة.

بدأت تفاصيل القصة في يوم ربيعي، وبالتحديد في 13 أبريل 1977، حيث احتاج زوجان، وهما السيد والسيدة تشارلي ومافيس ماكلاود، إلى مضخة جديدة لخزان المجاري في مزرعتهما، لكن بدل ان يشتريا واحدة جديدة قررا أن يستعملا المضخة الموجودة في الخزان الواقع في مزرعتهما القديمة (والتي تقع على بعد 13 كم خارج القرية) والتي هجراها قبل سنوات قليلة، بما أن تلك المضخة لا تزال بحالة جيدة.

الزوجان ذهبا لاخذ المضخة وفتح السيد ماكلاود الخزان القديم، لكنه استغرب عندما وجد فيه حذاءً وجورب، وعندما حاول رفع الحذاء رأى أنه متصل برِجل إنسان، وأدرك أن الأمر خطير.

اتصل الزوجان بشرطة الخيالة الملكية الكندية على الفور، والتي تولّت عملية إفراغ الخزان من المياه الراكدة، وقضت عدة ساعات تُفرغ المياه اللزجة والأوساخ مستخدمة مغارف المثلجات. وتمكنت من إخراج الجثة بعد عدة ساعات من العمل المضني.

التشريح والبحث

تم تعذيب الضحية قبل قتله

كانت جثة الضحية متحللة للغاية، وكان ملفوفا بملاءة سرير صفراء. تم وضع الجير الحي عليها ليسرّع عملية التحلل، على أن الجير تفاعل مع الماء وساهم بتجفيف الجثة وحفظ أجزاء منها بشكل جيّد نسبيا. لكن أهم ما رأوه هو أنه تم قطع أعضاء الجثة التناسلية، واستغرقت الشرطة عدة أشهر لتعرف إن كان صاحب الجثة رجلا أم امرأة.

اكتشف الأطباء الشرعيون أيضا أنه تم تعذيب صاحب بوحشية قبل مماته؛ إذ وجدوا آثار حروق على جسده وملابسه بفعل مشعل بيوتان وسجائر، وظهرت عليه آثار ضرب شديد. كما يظهر أيضا أنه كان مقيدا على سرير أثناء تعذيبه، حيث وجد الأطباء الشرعيون فراغا في آثار الحروق عند معصمه. ثم قام القاتل بقطع أعضائه التناسلية، ويحتمل أنه استخدم مقص تقليم اشجار كبير لهذا الغرض. في النهاية قرر القاتل إنهاء عذاب الضحية بأن أطلق عليه النار. استنتج المحققون دخول رصاصتين على الأقل من موضع الكسور: واحدة في الرأس، وواحدة في الصدر. وقام القاتل بحمل جثته إلى الخزان حيث رماه هناك برأسه أولا. ولا يزال موقع الجريمة الأصلي لغزا آخر في هذه القضية.

كانت الجثة متحللة لدرجة أن الشرطة لم تتمكن من جمع بصمات الضحية، ولكن لحسن الحظ فإن أسنانه وما عليها من حشوات ظلّت سليمة. أرسلت سجلات أسنانه إلى أكثر من ثمانمائة طبيب أسنان في طول البلاد وعرضها، ونشرت اوصافها في مختلف المجلات المختصة بطب الأسنان .. لكن دون أي نتيجة.

رأى الأطباء أن أسنان الجثة أجريت عليها أعمال طبية حديثا، وأنها على الأغلب أجريت في كندا. رأى المحققون أن صاحب الجثة كان مدفونا في الخزان منذ ثلاثة أشهر، وكان هذا مشكلة في حد ذاتها، إذ لم يبلغ أحد في المنطقة عن شخص مفقود خلال هذا الوقت، ما يعني أن أحدا لم يبحث عنه. ورجحت تحقيقات لاحقة أن مدة بقائه في الخزان كانت أطول مما تظن الشرطة.. وانها ربما امتدت لسنة كاملة.

أطلق عليه المحققون لقب "سام خزان المجاري" (Septic tank Sam)، ووصل هذا اللقب إلى الصحافة حيث أصبح معروفا به منذ ذلك الحين. كل من عملوا على القضية وصفوا الجريمة بأنها "انتقامية جدا" وأنها كانت "أبشع ما رأوه". قامت السلطات لاحقا بدفنه في قبر دون علامة في إدمونتون.

اعادة بناء ملامح الضحية في جامعة اوكلاهوما

في عام 1979 تم أخذ رفاته إلى جامعة أوكلاهوما، حيث عمل عليه العالمان الجنائيان كلايد سنو وبيتي غاتليف، واللذان كانا يعملان على تقنية حديثة في مجال البحث الجنائي وصنعا وجها طينيا بناء على تشكيل الجمجمة. كما تم أخذ رفاته مجددا في عام 2000 عندما قام الفنان الجنائي سيريل تشان بصنع وجه طيني آخر.

أصيبت القرية الصغيرة بالفزع، وقام الناس بتفحص خزانات المجاري في أملاكهم خوفا من أن يجدوا جثة بداخلها، وخشي الجميع من أن القاتل قد يكون جاره، وكذلك خشي أصحاب الأعمال من أن القاتل قد يكون أحد زبائنهم. قامت الشرطة بفتح تحقيق جديد حول القضية عدة مرات خلال العقود التي تلت، وذلك كيلا يهدأ بال القاتل، على أن التحقيقات لم تجمع سوى النزر اليسير من المعلومات.

زعم العديدون أنهم يعرفون سام وأن أوصافه تطابق قريبًا لهم اختفى في نفس الفترة، وأتت هذه المزاعم من مختلف أنحاء البلاد، حتى أن أحدها أتى من كاليفورنيا. لكن سجلات الأسنان استبعدت جميع المشتبهين. حاول رواد موقع WebSleuths.com المهتم بالجرائم حل القضية. وجدوا احتمالا قريبا في رجل يدعى إدوارد أركاند، وهو رجل من الهنود الحمر (أو الأمم الأولى كما يطلق عليهم في كندا) غادر منزله الواقع في بلدة كولمان في جنوب غرب ألبرتا في يونيو 1975، وعُثر على سيارته بجانب الطريق، ولم يره أحد مرة أخرى. تم استبعاده هو الآخر عن طريق الأسنان، إذ أن أركاند كان فاقدا ستة من أسنانه، بينما احتفظ سام بأسنانه كلها.

أوصاف الضحية

ما الذي جمعه المحققون حول هوية سام الحقيقية؟

- اعتقد المحققون في البداية أن سام كان رجلا أبيض، إلا أن الدكتور كلايد سنو خالف هذا الاعتقاد ورأى أنه من الهنود الحمر، وبنى هذه الفرضية على قواطعه المجرفية؛ حيث يكون باطن القواطع مقعّرا على شكل مجرفة، وهي خاصية جينية موجودة في العرق المغولي، ويشمل هذا شعوب شرق آسيا وجنوب شرق آسيا والسكان الأصليين في الأمريكتين. كان شعره بنيا ويبلغ طوله بين 165-170 سم ويستخدم يده اليمنى. أظهر فحص الأسنان والعظام أيضا أنه عانى من مرض شديد وغير محدد في سن الخامسة.

- لم يطابق سام أيا من تقارير المفقودين في ألبرتا، فيحتمل بذلك أن يكون من خارج المقاطعة. يعتقد المحققون أنه أتى من إحدى المحميات الهندية بحثا عن عمل، ولا يستبعدون أنه أتى قبل فترة قصيرة من موته أو أن توفيلد كانت محطة في رحلته، ولهذا لم يكوّن أي معارف ولم يفتقده أحد.

- كان سام يرتدي عند موته قميص عمل أزرق من علامة ليفي، وبنطال جينز أزرق، وحذاء بني مقلد عن علامة كلاركس والابي، مما يوحي أنه كان عاملا يدويا في مجال الزراعة أو البناء.

- رأى المحققون في البداية أن عمره يتراوح بين 24-32 سنة مع أرجحية كونه بعمر 28 عاما، ولكن الدكتور سنو خالف هذا الاعتقاد أيضا ورفع سنه المحتملة بين 26-40 سنة بأرجحية أن يكون بعمر 35 عاما.

- يُعتقد أن القاتل كان من السكان المحليين للمنطقة، بما أنه كان يعرف أن المزرعة مهجورة، حيث كان يأمل أن تبقى الجثة لسنوات دون أن يكتشفها أحد، هذا إذا تم اكتشافها أصلا.

- قد يكون دافع الجريمة انتقاما من فعل جنسي شنيع ارتكبه سام جعل القاتل يعاقبه بوحشية، وهو ما قد يفسّر قطع أعضائه التناسلية. يرى المحققون أن أغلب احتمال هو أنه كان متحرشا بالأطفال وتم ضبطه بهذا الفعل، ولكن توجد احتمالات أخرى كأن يكون لوطيا أو أنه مارس الجنس مع زوجة أو ابنة القاتل. لا يستبعد المحققون وجود دافع عنصري للجريمة أو أنه كان متورطا في تجارة المخدرات.

الأمل

 
محاولة جديدة لاعادة بناء ملامح الضحية

لا يزال سام إلى الآن (نوفمبر 2019) مجهول الهوية. ورغم التطور الذي حققته العلوم الجنائية في العقود الماضية، فإن العامل الذي يقف ضدهم هو الزمن؛ إذ مضت أربع عقود على الحادثة وأغلب من يعرفون سام (ومن بينهم القاتل) إما ماتوا أو يقتربون من الموت. هناك أمل وحيد الآن هو الحمض النووي، إذ أقرت الحكومة الفدرالية الكندية قانونا بإنشاء قاعدة بيانات تجمع معلومات الحمض النووي للمفقودين. سُمّي هذا القانون "قانون ليندسي" على اسم ليندسي نيكولز، وهي فتاة في الرابعة عشرة اختفت دون أثر في كولومبيا البريطانية عام 1993. وكان من المفترض تأسيس قاعدة البيانات في بداية عام 2019، ولكن تأجل الأمر.

يرى الرقيب المتقاعد إد لامرتس من الشرطة الكندية، والذي كان في مسرح الجريمة وقت اكتشافها، أنه لا يوجد أي أمل في حل القضية رغم إنفاق الشرطة الكندية أكثر من مليون دولار عليها، ويرى أن الأمل الوحيد هو أن يحسّ القاتل بتأنيب الضمير ويعترف بالجريمة على فراش موته.

المصادر :

- The Farmhouse Murder of Septic Tank Sam
- Septic Tank Sam - Wikipedia

تاريخ النشر : 2019-12-03

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : kabbos
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر