الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الوافد الجديد

بقلم : ايناس عادل مهنا - سوريا
للتواصل : [email protected]

فمن سيكون تعيس الحظ الذي سيرتبط بكائنٍ كناديا ؟
فمن سيكون تعيس الحظ الذي سيرتبط بكائنٍ كناديا ؟

 
أسمها ناديا يا سيدي ... ناديا علوان.

قصيرةٌ هي ذاتُ شعرٍ أسود مجعد ، تمشي فتهتز الأرض من وطئ قدميها الغليظتين ، ناهيك عن أكوام الشحوم التي تتكدس على معدتها غريبة الهيئة فتتماوج وتترجرج كهاتف نوكيا قديم ! تجاوزت الأربعين منذ قرون ! ولم تكن قد تزوجت بعد حينما انتقلت إلى الشقة المواجهة لشقتها ، فمن سيكون تعيس الحظ الذي سيرتبط بكائنٍ كناديا ؟ كائنٍ أبعد ما يكون عن مواصفات البشر، بوجهٍ كقطعة عجين مخمرة بنتوءاتها والتواءاتها ، أنفٌ غليظٌ مدبب وعينين غائرتين تختفيان خلف وجنتين غليظتين ،

هي كائنٌ سليط اللسان لا يكف عن السب والشتم بكلمات أنا وكرجلٍ أخجل عند سماعها ،

ناديا علوان وما أدراك ما هي !  كائنٌ ينوح ليلاً على أنغام موسيقى يائسةٍ وبائسةٍ وتحسب كأنها ستنتحر بين لحظةٍ وأخرى لكنها تفاجئك نهارًا حينما تخرج بكامل أناقتها وضعها بين قوسين رجاءً فما يخرج كتلةٌ مبهرجةٌ من الأخضر والأصفر والأحمر فوق برميلٍ من الجيليه ! كانت ناديا تعيش وحيدة ، اللهم إلا حبها لتلك المخلوقات الفضولية التي تموء باستمرار ليلاً نهاراً مطالبةً بقطعة جبنٍ أو لحم ، تعشق القطط حد الجنون وأجزم أن في منزلها ما يقاربُ الثلاثين قطاً ما بين أبيضٍ وأشقرٍ وأسود، يتقافزون أحياناً إلى شقتي فأصابُ بالجنون لأني أعاني حساسيةً من وبر القطط ، فأحمل القط الوديع بقبضتي بعدما أتدرع بقفازي المطاطي ، ادفع باب شقتي وأركل القط البائس فأسجلُ هدفًا خارقاً على باب دارها.

تفتح ناديا الباب وتهديني ما لذ وطاب من القذف والشتائم وهي تحتضنُ القطَ البائس بين يديها الغليظتين حتى يكاد يضيع بين أصابعها ، أتطلع فيها باستغراب و أوصد الباب متجاهلاً سبابها الرَطِب .

وأكره حياتي ومسكني من نواحها وبكائها المثير للأعصاب المتزامن مع مواء القطط وكأنها تمارس طقوس استحضار أرواح جميع أموات القطط كلما دقت الساعة العاشرة ليلاً ! ألعن ساعة انتقالي لهذا المنزل بل ولهذا الحي الغريب الذي يسمونه حيُّ السيدة ، أخرج للتسكع خارجاً حتى تهدأ من نوبة جنونها الليلية فأعود لأحظى ببضع ساعات من النوم.

و صباحاً كنتُ أحاول أن أحادث أهالي الحي بشأن إزعاجها المستمر لكن ما إن أشتكي حتى يصم الجميع آذانهم متجاهلين احتجاجي ! بل ومتجاهلين الحديث عنها دون أن أفهم السبب ! هي مسكينة ، هذا ما يقوله الجميع !.

***

ذاتَ ليلةٍ وعندما تجاوزت الساعة العاشرة بقليل لم أسمع صوتَ نواحها المعتاد ! فاجأني الأمر و خرجت من الدار لأستطلع فلربما تكون قد أسلمت الروح لبارئها وأراحت الحي وأراحتني ، كدت أن أخرج لولا أيقنت صوت خطواتٍ تقترب وبعدها قرع جرس بابها ، خطوت قليلاً أتلصص من وراء بابي فتدلى فكي ببلاهة مما رأيت وسمعت ، ومن برأيك قد دخل منزلها بهذا الوقت ؟ حسن العرجا !.
وحسن يا سيدي هو أحد سكان الحي ، بل من أجمل رجال الحي ، شابٌ اسم على مسمى كما يقولون ، بهي الطلعة بشوش الوجه ، لكنه وكما اسمه تماماً يعاني من عرجةٍ خفيفةٍ بساقه حينما يسير لذلك كان سكان حينا الأفاضل يلقبونه بذلك اللقب ، وطبعاً حسن لم يأتي لشقتها ليلاً كي يسألها عن أحوالها ويطمئن على صحتها إن لاحظت ذلك !.

كان الشيطان فعلاً خليلي في الليلة الماضية حتى أني لم أستطع النوم لكثرة تفكيري بهاذين الاثنين. امرأةٌ تفوقه سناً وقبحاً ، شمطاء كساحرة ، بدينةٌ كباخرة ، ما له بها ! أم طمعاً بنقودها ؟.

وبعد شهرٍ جاءها زائرٌ آخر ! وبعدها رجلٌ آخر و آخر ! وطبعا حينها لم أكن على درايةٍ أن كلٌ منهم كان يأتي بذات الليلة والساعة من كل شهر ! ولم أكن قد فطنت إلى أن حسن العرجا وبعد دخوله إلى دارها لم يخرج أبداً ! بل وكل من كان يزورها لم يكن ليخرج ! وسكان الحي فجأةً لم يعودوا يعرفون من هو حسن العرجا وكأنه مُسح من قاموس أدمغتهم ! بل والغريب أن عائلة حسن وبعد بضع أيامٍ من اختفائه اقتنوا قطاً أليفاً ليعيش بينهم ، ولأجل المصادفة كان قطهم يعرج على ساقه !.

في يومٍ تعيسٍ كحظي كنت قد خرجت إلى العمل حينما فتحت باب شقتها وتطلعت بي نظرة طويلة مع ابتسامةٍ شريرة ! والله يا سيدي كانت كشيطانةٍ تبتسم ولم أدر لما انتاب جسدي قشعريرة من نظراتها تلك ، تجاهلتها و هرولت أهبط درجات السلم بتوتر أبسمل وأحوقل وكأنني رأيت مارداً من مردة إبليس ! هل تشك أني أراقبها والتقط الصور لوافديها ؟.

شغل تفكيري هذا الأمر طوال اليوم لكن لو كانت كذلك لن تبتسم أبداً ، ستخجل بأفعالها الشنيعة ، لقد زاد الحد فعلاً عن المقبول ، صرتُ أفكر جدياً بفضحها أمام خلق الله وليكن ما يكون.

ذات ليلةٍ قررتُ أن اقترب أكثر لأعرف أكثر و يا ليتني ما عرفت يا سيدي ! يا ليتني ما اقتربت ولكن الآن لا وقت للندم فما جرى قد جرى وفات الأوان على التراجع.

عندما غادرت لتبتاع بعض الحاجيات قبل مجيء عشيقها ، حاولت التسلل إلى شقتها من خلال شرفتها المتقاربة من شرفتي ، و لحسن الحظ أن الطرف الثاني من عمارتنا يطل على طريق جانبي يخلو من المارة تقريبًا ، بل ويطلُ على مقبرةِ الحي.

حسمت أمري و قفزت إلى دراها ، تجاهلت ألم كاحلي الذي التوى ونهضت ، فتحت باب الشرفة وخطوت داخل الشقة والأدرينالين يتدفق في عروقي ، كان المكان يعبق برائحةٍ غريبة جداً ! قبيحةٍ نفاذةٍ كرائحة الموتى ألا بد وأنها رائحة القطط ألا لعنة الله على القطط ! شغلت الكشاف أديره بأرجاء الصالة ، القطط في كل مكان ! منهم من ينام على الأريكة ، منهم من يتدلى فوق التلفاز ، ما هذا الجنون الذي تعيش فيه ؟ خطوت أكثر فقابلتني بعض القطط تموء وتنفخ كالأفاعي تريد طرد هذا الدخيل ، تراجعت خطوتين إلى الوراء بذعرٍ حقيقي وأنا أعب الهواء عباً برئتي قبل أن أركل واحدةً بعنفٍ فتتراجع بألم وأكمل أنا طريقي متجاهلاً مواء البقية ، كانت نظراتهم مخيفة جداً ، جديةٌ زيادة عن اللزوم ، وكأنهم مجموعة شياطين تقوم بحراسة دارِ سيدها ! تحدق بي بنظرات وكأنها تريد تحذيري من شيء ما ، كدت أن أخطو خارجاً من الصالة لولا انقض عليّ ذلك القط الأسود ذو العينين الزرقاوتين الغريبتين فأوقعني أرضاً وبدأ بغرز مخالبة الحادة على وجهي وكأنها سهامٌ من نار ، تعالت صرخاتي وأنا أحاول اقتلاع هذا المسخ عني حتى نجحت و رميته بكل ما أوتيت من قوة ليرتطم بالحائط بعنف ، كانت الدماء تغرق وجهي والألم يجتاح كياني ، أعماني الغضب لدرجة أني نهضت من مكاني وخطوت تجاه القط الملقى على الأرض وهويت بقدمي عليه حانقاً مغتاظاً مراتٍ ومرات ، نظراته التي حدق بي فيها بهذه العتمة ، التماع عينيه الزرقاوتين وحدتهما ، ومواءه وكأنه الشيطان فعلاً كانت كافيةً لأتراجع ولكنني فضولي ، فضوليٌ زيادةً عن اللزوم.

قبضتُ على المصباحِ بعصبية وحمدت الله على أنني القاطن الوحيد بهذه العمارة عدا ، طبعاً جارتي المخبولة محبة القطط ، وتابعت عبر الرواق متجاهلاً المواء الذي أصبح كموسيقى رتيبة يصور خلفية المشهد ، طردت تلك الكائنات الطفيلية من عقلي و وصلت إلى المطبخ يا سيدي وإذا بي أسمع صوت تكة المفتاح ، يا ويلي لقد عادت ! تسابقت رعشةٌ قوية بجسدي ، انقبض قلبي ، تواترت ضرباته بعنف و وحشية ، جريت و وقعت أرضاً ، ثم نهضت وأكملت الجري حتى ولجتُ أول غرفةٍ تصادفني ، سمعت صوت انفراج الباب وخطواتها اللعينة تقترب تنادي على قططها .

- بسبس... يا صغاري .
انزلقت من فوري تحت السرير ألهث انفعالاً وخوفًا وقرفًا وصدمة ، شعرتُ بكتلةٍ مشعرةٍ بجانبي التفتُ استطلع فابتسمَ لي ذلك القطُ الذي أبرحته ركلاً منذ لحظات ! ودققت النظر فيه ، أنه هو فعلاً ، انتصب الشعر في جسدي والقط رغم جراحه يبتسم بمكر، اقسمُ لك يا سيدي أنه كان يبتسم بتشفٍ واضح وكأنه يقول لي لقد حذرتك ولم تستمع ! صوتُ صرير باب الغرفةِ ينفرج على مصراعيه قبل أن تدلف ناديا إلى الداخل وتجلس بكافة ثقلها على السرير الذي انحنى وكاد أن ينكسر فوقي  ، اللعنة ! ساقيها الغليظتين باتتا أمام وجهي فحجبتا عني الرؤية ، صوت أنفاسها المتثاقلة المتصاحبة بحشرجةٍ خفيفة شبيهٍ بصوت غرغرة القطط جعلت قلبي ينقبض من الهلع ! نهضت مجدداً وبدأت تتهيأ لاستقبال الوافد الجديد على ما يبدو ، أشحت بنظري ليس خجلاً أو عفة ، لكني لا أريد تشويهاً بصرياً لعقلي عن جسد المرأة.

القطُ الأسود اللعين ما زال يطالعني بازدراء و يحتك بجسدي مصدراً صوت غرغرةً لعينة في حين ارتدت ناديا فستاناً أسوداً لم يزدها إلا قبحاً ، وتبهرجت كعادتها بألوانٍ لا أعرف كيف جمعتها سوياً ثم حدث ما توقعته تماماً ! طُرق باب دارها فموعدها الليلي قد حانت لحظته ، نهضت ناديا لترحب بالزائر ثم اقتادته مباشرة إلى الصالون ، تناهى إلى مسامعي ضحكاتٍ و تمتماتٍ تصدر منهما ولم أفقه فيها حرفًا ، تشجعتُ وخرجتُ بحذرٍ أحاول التلصص ، وكانت تعرض عليه إحدى القطط بمبلغٍ محترم ، إذاً فهي تتاجر بالقطط ! وبذات الوقت كانا يتسامران بانسجامٍ أثار غثياني ، المجنونة جهزت له سهرةً على أضواء الشموع تليق بشهريار لكي تبيعه قطة ما هذا الجنون ؟ الغرفةُ كانت مجهزةٌ بإتقانٍ كبير يبدو أنها غرفة غرامياتها المعتادة أو تجارتها الغريبة ، لم أفهم حقاً  لكن مهلاً هل هم فاقدوا البصر أو البصيرة ؟ ألا يرونها ؟ ألا يدركون قبحها ؟ أم هم يسايرونها لحين إتمام الصفقة ؟ لست أدري حقاً ، لست أدري !.

كان الرجل مفتوناً يا سيدي ، عاشقاً وكأن نظراته يهديها لملكةٍ متوجةٍ على عرشِ الجمال بل وكأنه يتعبد ب فينوس ! والقطة تموء وهي على حجره بوداعة ، لست أفهم حقاً ما الذي يجري ، أخرجت هاتفي بهدوء وبدأت بالتقاط الصور وضحكةُ خبثٍ ارتسمت على محياي ، سأهددها إما أن تدفع لي من أموالها مبلغًا محترماً أو ستكون هذه الصور بين يدي الكبير والصغير بهذا الحي ، و وسط تبحري بأفكاري الخبيثة وانشغالي عنهما مزقت أذناي أصوات صرخات وخبطاتٍ عنيفة ، أقفلت الهاتف وعاودت التحديق لأتراجع مذعوراً ...لقد ....لقد مزقت ناديا الرجل يا سيدي ! بساطورٍ كبيرٍ فصلت رأسه وهي تقول بفرحٍ واضح : أهلاً بك في عالمِ ناديا أيها الوغد ، صارت تقهقه وتنادي :

- تقدموا يا صغاري فحان وقت انتقامكم المعتاد . 
تجمدت الدماء في عروقي ، جف حلقي وكأنني غارقٌ بين رمال الصحراء الحارقة ، انتهت ناديا والدماء تلوث جسدها ، في مشهدٍ غريب انصاعت لمطلبها و التفّت القطط حول جثة الرجل و صاروا يطوفون بانتظام وسط مواء غريب جداً ، مهيب وكأنهم يرتلون تراتيل الموت على جسده الذي بات ينتفض ، شغلت ناديا موسيقى عالية وتعالى معها مواء القطط ، اهتز بدني بعنفٍ وقرف ، و ما زالت القطط تطوف وجسد الرجل ينتفض والدماء تتنافر منه ،  تتنافر من عنقه المقطوع ، تقدم قط ليلاصق الجثة التي ما تزال تنتفض وتعالى صوته وكأنه عواء الذئاب.

هذه الموسيقى الغريبة والمواء الرتيب والبكاء.
البكاء ! ليس صادراً من ناديا بل من خلفي !
استدرت بتلقائية لأدرك تلك الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل تنظر بعينيها الزرقاوتين إلى الداخل تهز رأسها ، أنا أعرف هذه الفتاة ! متأكدٌ من ذلك ، رأيتها بمكانٍ ما لكني لا أذكر أين رأيتها ! كانت تحدق بي وتبكي بقهرٍ واضح ، بل والجنون أن لها ذيلاً أسود ، اللعنة على هذا اليوم ما الذي يجري هنا بحق الله ! وخطوات ناديا تقترب ، تقتربُ ببطء وإصرار ، باتجاه الباب وتبتسم للفتاة على ما يبدو.

ناديا لا تنظر باتجاه الفتاة اللعينة بل تنظر باتجاهي ، تقدمت مني بهدوءٍ وثقة ، تراجعت بخطوات بطيئة قبل أن أعدو بجنون ولكن باب المخرج باتَ بعيداً جداً ، بعيداً لدرجة أني أركض وأركض ولا أصل إليه ، حتى دخلت تلك الفتاة ذات الذيل الأسود إلى غرفةٍ فانزلقت خلفها لا أعرف كيف وصلت لها ولا أعرف أصلاً كيف صارت الفتاة أمامي فجأةً ،

وكانت ناديا كذلك بداخل الغرفة لكنها تمزق حسن العرجا ،  ومشهدٌ قديمٌ لحسن وهو يمزق قطة ، تطعن رجلاً آخر وكان الآخر قد طعن قطعة ، وتحرق آخر كان قد أضرم النار في قطةٍ و راقبها وهي تتلوى أمامه فيضحك ، والآن قد تعالت عليه ضحكات القطط في مشاهد متلاحقة متسارعة وكأنني أشاهد عرضاً سينمائياً متسارع اللقطات ، القطط تتراكض وتقفز من حولي ، تدور وتضحك ، شعرتُ بدوارٍ يزلزل كياني فاستندت بكفي على الحائط لأشهق شهقاتٍ متتاليةٍ وكأن الروح تسلب مني ، ولا أدري لماذا تذكرت منذ عامين حينما قتلت إحدى القطط بساطورٍ قديم لأنه أزعجني بمواءه  ، مادة لزجة جعلتني انتفض فزعاً من ذكرياتي ، رفعت يدي لأدرك أنها اصطبغت بلون الدماء التي تملئ هذا المكان ، والقط ذو العين الزرقاء الدامعة يتطلع فيّ ويهز رأسه والفتاة اختفت ، ففهمتُ الأمر أخيرًا ، الفتاة هي ذاتها القط الأسود الذي غرز مخالبة بوجهي ، ذات القط الذي ركلته ، ذات القط الذي كان يحتك بي و أنا تحت السرير ، وذات القط الذي كان يموء تحت نافذتي منذ عامين قبل أن أمزقه بساطوري .

اللعنة إن كان ما أفكر به صحيحاً ! ناديا الآن ورائي مباشرًة تمشي بهدوء و روية وتخاطبني بصوتٍ ناعمٍ جميل شعرتُ بأنه يزلزل كياني بنشوى لم أحسها سابقاً ، صوتها كان غريباً لا يمت لها بصلة : أهلاً بالوافد الجديد" تقولها بنعومةٍ ورقة.

تراجعتُ بذعر بضع خطوات من الصدمة وتسمرت بعدها كالأبله فما تمثل الآن أمامي بفستانٍ اسود فاتن ليس بناديا ، إنها فينوس يا سيدي ، ملاكٌ رقيق يمشي فتهتز بي الأرض من جمالها الساحر ، بالتزامن مع اهتزاز ذيلها الأبيض .

تقول بصوتٍ ناعسٍ خلب لبي : هذا هو قانون ناديا أيها الوافد ، قانونٌ يدفعك دفعاً إلى قدرك المحتوم ، ولم أصحو من سكرتي إلا حينما هوت بثقل ساطورها ليرتطم بالحائط بجانبي مباشرةً فيحدث فجوة كبيرة صارت الدماء تتنافر منها كشلال ، وناديا الفاتنة الرقيقة ما زالت تضحك وتتقدم بإصرار وأنا محاصر لا مجال للفرار القطط باتت تقترب كذلك مني وهي ترتل كلماتها التي بت أفهمها ، صرت أفهم مواء القطط  ! الانتقام ، الانتقام ، رددتها القطط بلا كللٍ أو ملل ، التصقت ساقاي بالأرض بخضوعٍ غريب ، ركعت أمامها محدقاً بهذا الجمال المتجسد أمامي والقطة السوداء اقتربت مني وصارت تحتك بجسدي وتغرغر قائلةً بصوتٍ شيطاني : أهلاً بك في جسدي " حتى هوت ناديا من جديد بساطورها وهي تتبسم بفتنة !.

مياااو...!.
 
******

مياااااو...!!

أدركُ تمام الإدراك أيها القاطن العزيز بشقتي السابقة أنك لم تفقه كلمةّ مما أخبرتك ، فمهما تعالى صوتي لن تستطيع فهم مواء القطط ! و لربما ظننتني جائعاً لتقحم أمام أنفي قطعةً من البسكوت الخاص بك ظناً منك أني سآكلها وأنت تبتسم ببلاهة وتدلك فروة رأسي ، لكن ما أنا موقنٌ منه أنك ستفهم قريباً ، قريباً جداً حينما ينتابك الفضول مثلي من تصرفات ناديا الغريبة لتستطلع الأمر ، و حينها فقط وإن كنت مذنباً في حق قطةٍ لعينة ! ستصبحُ قطاً من قطط ناديا علوان ، قطاً لربما تُعرضُ صورتك على الأنترنت ليشتريكَ تعيسُ الحظ مثلي ...

فأهلاً بك من وافدٍ جديد.
 
 النهاية ......

تاريخ النشر : 2020-02-17

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر