الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

أوراق الزمن الأسود

بقلم : مؤنس نورالدين بدرالدين - لبنان

ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته
ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته


العُمر هو أوراق ، وللزمن أوراقه وألوانه ، يقولون بأن الألوان تأتي من الأبيض ، لكن هناك ألوان سوداء تأتي من الأسود وتصبغ الأيام بلونها ، منذ صغرنا والزمن الأسود يلاحقنا قصفاً وتهجيراً ، ثم تنتقل الغيمة السوداء إلى بلد آخر ثم تعود إلينا كما تعود فصول السنة ، انعكاس اللون الأسود خلق عندي قصة ، قصة لم تأتِ من العدم ، بل حدثت مع أشخاصٍ أعرفهم ، جمعتهم في منزل واحد منزلهم هو قصة أسميتها "أوراق الزمن الأسود" ، حيث في وقت ما شعرت بأني زياد ، وفي وقت أخر كُنت والده ، أحياناً كُنت زوج ليلى الخفى ، لكن وإن غيّرت فيها الأسماء والأماكن تبقى القصة مرآة لحياتهم تعكس حظهم السيء .

                               ***

كان زياد في العشرة من عمره ، كان جالساً إلى طاولة الطعام عندما حضنته والدته من الخلف ، قالت له : لقد وضعت لك الطعام في حقيبتك لكي لا تنساه ، أطالت فترة احتضانه فقال لها : أمي أنا ذاهب إلى المدرسة وليس إلى الحرب ، سأعود بعد الظهر ، لماذا أنتِ مضطربة هكذا ؟ فكّرت في نفسها ، صحيح ، لماذا أنا مضطربة ؟ هذه سنته السادسة في المدرسة وليست الأولى ، لماذا اليوم لا أطيق فراقه ؟ ربما كانت والدتي على حق عندما كانت تقول : ألن تنجبي المزيد من الأطفال ؟ ولدٌ واحد لا يكفي .

أوصلت أبنها إلى الباب على غير عادتها ، وضعت يدها على رأسه وكأنها تعطيه بركاتها ، بقيت تنظر إليه وهو يبتعد ويبتعد ، بعد أن غاب عن نظرها دخلت دون أن تغلق الباب ، وكأنها تستعجل عودته.

بعد ساعات أمضاها زياد في الدراسة ، بدأ ومن خلال شقّ الباب الواسع الذي يكشف الممر الواقع بين الصفوف يرى مجموعة من الأساتذة يتشاورون بجدية وكأنهم يقرّرون أمراً هاماً ، وكأن القرعة وقعت على أحد الأساتذة لكي يقوم بمهمّة ما تبدو وكأنها مهمّة صعبة ، أنطلق هذا الأستاذ باتجاه صف زياد ، كاد أن يصل إلى الباب لكنه تراجع ، ثم أتى ناظر المدرسة ، اقترب من الباب ثم تراجع ، اقترب ناظر آخر من الباب ثم تراجع ، أخذ زياد يفكر هل هو المقصود بهذه النظرات ؟ من شق الباب هنالك فقط خمسة أشخاص مرئيين هو واحد منهم ، ماذا يريدون منه ؟ إنه لم يفعل شيئاً ، لماذا لا يقتربون أو يكلمونه ؟ ربما ليس هو المقصود ، ولكن مع اقتراب الناظر ، وعندما دعاه إلى الخروج معه ، تأكد بأنه هو المقصود ، ذهب مع الناظر كان ينظر إليه منتظراً أن يقول له ما حدث ، الصمت كان سيد الموقف ، ثم قال له الناظر : إنه القدر ، عليك بأن تكون رجلاً ، لقد توفيت والدتك بحادث سيارة ، لم يستوعب الموضوع ، ذهب راكضا باكياً إلى المنزل ، أراد أن يشكي همه إلى والدته التي ظن بأنها تنتظره ، كان الشارع خالياً وبارداً ، بصعوبة استطاع أن يتذكّر الطريق إلى منزله ، شعر وكأنه يرى هذه المشاهد للمرة الأولى ، وصل إلى المنزل ، لم يكن منزله يبدو كما اعتاد أن يراه ، أحس بأن كل شيء تغيّر ، حتى أوراق الأشجار في المدخل كانت ترسل حفيفاً حزيناً يضاهي حزن الصغار عند فقدان أهلهم .

هناك الكثير من النساء ، بصعوبة شقّ طريقه إلى الداخل وسط حشد الباكين ، كان يسمع أصواتاً تقول : مسكين لقد تيتّم باكراً ، أخذ ينظر حوله متسائلاً أين هو هذا اليتيم ؟ شق طريقه إلى المطبخ ، كان يظن بأنه سيجد أمه تضع اللمسات الأخيرة على الغداء كالعادة ، كان يظن بأنها ستقول له بأنهم يكذبون ، كان بحاجة إلى حضنها ، إلى لمسة حنانها ، المطبخ كان خالياً منها ومن رائحة طبخها ، إحساس غريب لم يشعر به من قبل ، إنه غريبٌ في منزله ، ما هي إلا ساعات حتى قامت الجنازة ، كان يسير كالمشلول ذاهباً لوداع أمه ، في المقبرة كان يرتجف كورقة في مهب الريح ، ألن تخاف أمه في الظلمة لوحدها ؟ هل إذا مات الآن سيكون معها ؟ كان والده ما زال في الطريق إلى المنزل من الخدمة لذلك كانت الأنظار مسلطة عليه ، كان يريد أن يصرخ ، أن يقول سئمت لعبتكم المخيفة ، أين تخبؤون أمي ؟ عشرات الأسئلة بقيت بدون أجوبة . كان والده قد وصل إلى الجنازة متأخراً ، عادوا إلى المنزل ، ضجيج ، أحاديث وجموع تفرقت مساءً . الأن هو لوحده مع والده في المنزل ، كان والده جالساً على كرسيه محدودب ظهره ينظر إلى الأرض ، والده الجندي القاسي يبدو محطماً فما سيفعله هو ؟ لم يسأله والده إن كان يريد أن يأكل ، لم يتكلم معه ، غلبه النعاس ، ذهب إلى غرفته لينام دون مرافقة من والدته لتغطيه .

تكوّر على نفسه ، ثم أزاح الغطاء عنه ، أراد أن يجبر والدته على القدوم لتغطيه كما كانت تفعل كل مساء ، ولكي تمد يدها لكي تتحسس رأسه في حنو وعطف لكنها لم تأتِ ، فعل كما كانت تقول له أن يفعل ، تخيّل صوتها بالقرب من أذنيه يقول له كما كانت تقول عندما يخاف من اللاشيء : لا تخف من شيء فأنت رجل، لفّ الغطاء جيّداً حول جسمك لكي لا تمرض ونم .

في اليوم التالي ذهب و والده لزيارة القبر ، كانت الشمس على وشك الغروب ، كانت المقبرة خالية وصامتة ، قبورها تشع بضوء غريب ، ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته ، شعر بأنه يكبر ، شعر بأن الطفل يغدو رجلاً عند وفاة والدته .

استيقظ صباحاً ، ظن بأنه مر بحلم مزعج ، ظن بأن والدته ستكون قد استيقظت ، سيبحث عنها في المطبخ ، يا له من كابوس مزعج سيرويه لها ، لكن المنزل كان بارداً خالياً إلا من أبيه الذي لم يترك كرسيه ليلاً .

لا ، لم يكن يحلم ، هذه حقيقة قاسية عليه أن يعتادها ، ظن في نفسه : هذا كابوس مزعج ، قد أكون ما زلت نائماً وأحلم ، عندما أستيقظ سينتهي الكابوس .

تخيّلها قادمة إلى المنزل تبتسم له تقبله وتقول : ها أنا عدت من السوق ، هل تأخرت عليك ؟ هل ضجرت لوحدك ؟ هل أنت جائع ، ما هذا الذي في وجهك ، هل تعاركت مع أحد ؟ اذهب وغيّر ملابسك الوسخة .

في اليوم التالي استيقظ ليجد نفسه وحيداً في المنزل ، إذن لا شيء سيغيّر واقعه ، تذكّر بأن والده يذهب باكراً إلى الخدمة ، ثم فكّر : ثلاثة أو أربعة أيام في الخدمة وأنا لوحدي ! أخذ يبحث عن أقصوصة أو أية تعليمات تخبره ماذا يجب أن يفعل ، لم يجد شيئاً ، أحس بالضياع ، أراد أن يسمع أية تعليمات "مزعجة" من والدته ، أن يسمع صوتها الملائكي يصدح في أرجاء المنزل ، لكنه الآن لوحده ، خاطب نفسه قائلاً : عليك أن تعتمد على نفسك . ذهب إلى المطبخ ونظر حوله ، فتح الثلاجة وأخرج منها بيضاً مفكراً : لا بأس بالبيض المقلي ، وضعهم في السخان وحرّكهم قليلاً ، أراد أن يحمل السخان إلى الطاولة ، صرخ وقفز ، لقد أحرق قليلاً يده فهو لم يستعمل قطعة قماش ليمسك بالسخان . وضع يده تحت الماء البارد ليخفّ الألم ، أراد أن يشكو همه لأحد ما ارتدى ملابسه ، حمل كيساً من الثلج بيده ، وذهب إلى المقبرة ، خاطب قبر والدته قائلاً : أمي لقد أحرقت يدي ، ألن تقبّليها لتشفى ؟ لم يجاوبه سوى الصدى ، تابع طريقه إلى مدرسته . قبل الوصول تذكر بأنه نسي الطعام بسبب الألم ، قال : لا بأس ، سأكل على الغذاء .

شعر في المدرسة بأنه غريب ، نظرات الشفقة كانت تزيده حزناً لكنه لا يريد العودة إلى منزله البارد حيث لم يعد يوجد من سيحضنه ، المنزل بلا أم ليس بمنزل .

بعد المدرسة عاد إلى المنزل جائعاً ، ركض باتجاه المطبخ منادياً " ماما " ثم انتبه أنها لم تعد معه ، عاد خائباً باتجاه الكنبة ، استلقى عليها ، غلبه النعاس ونام .

عندما استيقظ وجد نفسه في العتمة ، خاف ، بحث عن زر الإنارة ، أضاء الغرفة ، منذ ثلاث سنوات وصديقه الدبدوب على سطح الخزانة ، أنزله وأجلسه إلى جانبه ، شعر بالطمأنينة ، لا أحد يقوى على صديقه الدبّ ، أكل البيض المقلي بارداً ، أخذ معه الدبدوب ، دخل إلى غرفته ، صنع من غطاءه ما يشبه الخيمة ، قال للعبته : نحن هُنا بأمان ، حضن دبدوبه تحت الغطاء بكي قليلاً ثم غفى .

أصبح انطوائياً أكثر فأكثر ، لم يعد يعني له العالم الحقيقي شيئاً ، أخباره كلها يقولها فقط للعبته ، شخصيات ألعاب الكمبيوتر هم أصدقاؤه ، ذات يوم وهو عائد من المدرسة كان شارداً كالعادة ، سيارة مسرعة تقف ، سائقها ينزل منها و يدفعه قائلاً : عليك أن تسير على الرصيف ، الدفعة القوية تفقده توازنه ، يقع في الوحل يتمزق سرواله عند الركبة وتترك الوقعة جرحاً في ركبته ، يتابع سيره مُبتلاً إلى المنزل ، يغسل رجله يلفّها بخرقة ممزّقة ، يغيّر ملابسه ، يحاول رتي بنطاله ، لقد كان يراقب والدته عندما كانت تصّلح ملابسه أو ملابس والده ، لكنه ينكز أصبعه بإبرة الخياطة ، يشعر بالألم والبرد ، يحاول إشعال المدفئة ، يتذكر الحرق بالمقلاة ، يغيّر رأيه ، يحضن دبدوبه ليشعر ببعض الدفء ، يتكوّر على نفسه ، تتملكه الحمّى ، يزوره طيف والدته في المنام ، تقول له : طفلي المسكين لا أستطيع أن أعبر لك بالكلمات عن حبي لك ، أو عن الأسى في قلبي لأنني لن أكون إلى جانبك وأنت تكبر ، لقد رسب قلبي في أول امتحان ، من دفعك إلى الوحل قتلني ، إن لله طرقه وأفكاره لرعايتك أفضل من طرقي وأفكاري ، عش حياتك لأقصاها ، أنا مضطرّة للرحيل ، سيرعاك الله ، سأراقبك من فوق وسأحبك إلى الأبد .

يعود والده من الخدمة ، تسرّه عودته فهو على الأقل لم يعد لوحده ، لكن وجود والده كان تقريباً كعدمه ، كان يجلس على الكرسي وكأنه ملتصق به ، لم يكن يتكلّم أو يفعل شيئاً ، أراد زياد الخروج للعب ، سار على مهله ، انتظر أوامر والده ، لم يسمع شيئاً من الجُمل المعتادة : لا تخرج أو لا تتأخر ، أصبح خارجاً في العالم الواسع دون أي إرشادات ، أوامر والده التي كانت تزعجه لم تعد تزعجه ، إنه يريد أن يسمعها ، يريدها بشدة ، الحرية المطلقة التي حصل عليها فجأة أخافته ، لم يعتد على اتخاذ القرارات بنفسه .

ذات يومٍ وهو عائد من المدرسة تبعه كلب متشرد ، كان يتوقّف عن السير فيتوقف الكلب ، يسير من جديد فيتبعه ، ابتسم ، مرر يده بنعومة على رأس الكلب ، أخذ الكلب يهز ذيله علامة سرور ، وصلا إلى باحة المنزل ، أراد الكلب الدخول فقال له زياد : لا ، أنت ستبقى في الخارج وأنا سأحضر لك الطعام ، سأدعوك وحيد فأنت مثلي وحيد .

أصبح وحيد رفيق زياد في مشاويره ، كان زياد ينظر إلى جاره وهو يغسل سيارته فيغسل كلبه بذات الطريقة ، يمتطيه أحياناً لبضعة أمتار ثم يقفز عنه ، كان الكلب لا يتذمر ، كان الكلب يشعر بوقت خروج زياد من المدرسة فيذهب إليه ليلقاه عند منتصف الطريق ، عندما حاول ولدان ضرب زياد بسبب خلاف بسيط بينهم ، أتى وحيد من اللامكان ، انقض كالصقر على واحد منهم ، أوقعه أرضاً وبدأ ينبح في وجهه وهو ينظر

إلى زياد منتظراً أوامره ، لكن زياد طلب منه ترك الولد ، هرب الولدان ولم يحاولا أبداً مضايقته من جديد .

كان يقف مساءً خارج المنزل عندما بدأ يسمع الأمهات تنادي من تخلف من أولادهن للدخول إلى المنازل ، نظر ناحية باب منزله ، هو لا أحد يناديه ، وضع يديه على أعينه لكي يخفي دمعه قائلاً لنفسه : سأدخل لوحدي ، لن يناديني أحد .

مرت سنة ، ذات يوم دخل والده إلى المنزل مع إمرأة غريبة وقال له : تعرّف عليها ، هذه ستكون أمك الجديدة ، قال : أمي لا بديل لها ، لن تجد إمرأة كأمي ، هل نسيت جمالها ، رقّتها ، ضحكتها ، عطفها ؟ أطرد هذه المرأة فوراً ، هذه ساحرة شريرة استحوذت عليك ، الإجابة كانت صفعة قويّة من والده على وجهه الصغير ، ركض خارجاً ، وصل إلى المقبرة أخذ يخاطب والدته قائلاً : سيسرقون مكانك في المنزل ، إمرأة شريرة تخطف أبي ، يقول بأنها ستكون أمي ، لا تصدقي ذلك ، أنتِ وحدكِ أمي و لن أستبدلك بأمهات الأرض مجتمعات ، كان الكلب إلى جانبه يصدر صوتاً حزيناً وكأنه يريد أن يقول له : ما يحزنك يحزنني ، بسبب موقفه من المرأة ساءت معاملة والده له ، المرأة أصبحت زوجة أبيه ، حاولت التودد له ، ازداد نفوراً منها ، كانت تعد له طعامه ، تكوي له ملابسه ، المنزل أصبح نظيفاً كما كان في السابق . نفوره منها لم يخفّ ، إن سألته إلى أين ، أجاب : لستِ أُمّي فلا تسألي ، إن سألته إن كان جائعاً أجاب لا دخل لكِ في الموضوع ، كانت تشعر بالأسى من أجله ، لكنها لم تجد الطريق إلى قلبه .

عندما أصبح عمره أربعة عشرة عاماً ، كان شقيقه الجديد من زوجة أبيه قد أصبح في الثانية من العمر ، كان يحبه ويرعاه سراً ، ويتظاهر بكرهه أمام والده وزوجته ، كانت زوجة الأب تتظاهر بأنها مشغولة عن أبنها ، وتراقب بطرف عينها زياد وهو يلاعبه فتبتسم ، لقد كانت تعلم أن زياد يختبئ خلف شخصية قاسية زائفة ، لكن حقيقته أطيب بكثير ، لم تكن بحاجة لأن تبذل جُهداً لمعرفة طينته الحقيقية الرائعة .

ذات يوم كان يتنزه مع كلبه بعد مغيب الشمس ، سيارة داخلها فتاتان تتوقف ، تسأله إحداهن : لماذا أنت وحيد وحزين ؟ أجاب : أنا حزين ؟ نعم حُزنك أخفى الشمس ، هل لديك وقت للسهر ؟ نحن ألآن بمزاج رائع ، إنه عيد ميلاد ليلى الثامن والعشرون . تردد في البداية ، نزلت ليلى من السيارة ، سألته عن اسمه وعرّفته بنفسها ، ألا تريد أن تحضر عيد ميلادي ؟ لا أحب أن أرى شخصاً حزيناً يوم عيدي ، تردد أولاً ، لكنه تحت إصرار الفتاتين وافق بخجل وصعدا هو وكلبه إلى السيارة ، في الحفلة كانت الأضواء والموسيقى خافتة ، المشروبات على الطاولة ، وضعت أمامه " ليلى " كوب من العصير ، البنات بدأن بالمزاح ، زياد أنت شب لازم تشرب ويسكي ، تجاوبهم ليلى ضاحكة : دعوا البطل وشأنه ، عن طريق الخطأ مد يده إلى كأس ويسكي ، أحس بمرارة الطعم وبصق ما شربه فوراً ، أحس بنعاس ، قالت له ليلى : سأوصلك إلى منزلك ، ألتفتت إلى المدعوين قائلة : تابعوا الحفل سوف أعود ، في الطريق أسند رأسه إلى كتفها وغفى ، أيقظته بحنان عندما وصلا إلى شارعه ، أوصلته إلى أمام منزله ، كان والده يقف في الشبّاك ينتظره ، فور دخوله وبصوتٍ قاسٍ سأله : أين كُنت ؟ من هي هذه الفتاة ؟ من أين تعرفها ، ولماذا رائحتك مزيج من الدخان والويسكي ؟ لم يصدق والده أنه لم يدخن ولم يشرب وإنه كان مدعواً إلى عيد ميلاد رائع وبأنه ولأول مرة ينسى حزنه لساعة واحدة .

في الليل عاد إليه الحُلم المخيف بعد أن كان قد غاب عنه بضعة أيام ، هذا الحلم لم يأتي من الفراغ ، لقد كان يلهو ذات يوم بسكين والده الحربية ، نسي السكين خارج المنزل ، عندما عاد والده و وجد السكين خارجاً ، غضب غضباً شديداً ونادى زياد ، خرج زياد من المنزل ، شاهد السكين في يد والده ، فهم بأن موقفه صعب ، بدأ يجري لكن والده جرى خلفه ، كاد زياد أن يسبق والده لكنه شعر بأن جسمه يتلاشى من الخوف ، سقط على ركبتيه ، لم يعرف والده أن زياد وقع من الخوف بل ظن بأنه توقف من التعب ، ضربه ، لم يشعر زياد بالألم لكن بالذهول ، لم يستوعب كطفل ما حدث ، لم يرتكب جرماً يوازي هذا الغضب ، من يومها و زياد يحلم كل ليلة بأن ثلاثة غوريلات عملاقة يلحقن به ويتلاشى في ذات المكان ولا يتمكن من الهرب ، أصبح يخاف أن يغمض عينيه فيتعرض للحلم ، كان يصحى من الحلم خائفاً ، ينادي والدته ، كان والده عندما يكون في المنزل يمنعها من أجابته قائلاً : لا تدلعيه كثيراً ، أريده أن يصبح رجلاً ، لم يعرف أبداً بأنه السبب في كوابيسه .

مرت أيام ولم ير زياد ليلى ولو بالصدفة ، عصراً كان يسير على الطريق الذي كان يسير عليه يوم الحفلة ، كان وجوده ليس صدفة ، لقد أراد رؤية صديقته الوحيدة ، مر وقت ليس بالقصير ، قبل أن يقرر أن يبحث عنها ، رآها قادمة بسيارتها تتوقف وتصرخ زياد أصعد اشتقت لك يا صغيري ، وصلا إلى مطعم ، جلسا على شرفته ، طلبت طعاماً ، أهتمت به وأطعمته كأنها والدته ، لكنها طلبت منه نزع سدادتي تنكات البيبسي ، أرادت أن تُشعره بأنّه شاب يُعتمد عليه ، سألته عن سر الحزن في عينيه ، لماذا لا يضحك ؟ لماذا يسرُد دائماً و بما ؟ سرد لها قصته وكيف يعيش ، علّقت قائلة : أنا أحب الكتابة ، سأكتب فيما بعد قصّة حياتك سأسمّيها أوراق ألزمن ، سأترك الكلمة الأخيرة إلى أن تكبر سنختارها معاً ، ( في داخلها شعرت برجفة ،

لماذا عقلها اختار كلمة " ألأسود " والعنوان : أوراق الزمن الأسود ).

في طريق العودة توقفت أمام محل خلوي ، اشترت له جهاز مع خط ، حفّظت رقمها عليه ، قالت له : احتفظ به إنه لك ، سأتصل بك في أوقات فراغي وأنت اتصل بي في أي وقت تحتاجني فيه ، أصبح لدينا الآن وسيلة للاتصال ، لن تفقدني أو أفقدك .

علاقتهما توطّدت أكثر فأكثر ، أخذ يشعر وكأن والدته أرسلت له ليلى ملاكاً من السماء ، وليلى كانت تعطف عليه ، تحب فيه صمته وصدقه وبؤسه ، لكن بعد كل لقاء كان يصطدم بوالده بعنف ، والده يريد إبعاده عنها ، وهو يزداد تعلّقاً بها .

كانا يسيران قرب محلات للملبوسات ، وقع نظره على جاكيت أعجبته ، أصرّت "ليلى" على شراءها له ، أخذها إلى المنزل خائفاً ، كان خوفه في مكانه ، مزّقها والده وضربه ، تدخلت زوجته لمنعه عن ضربه وسألته لماذا هذه الحدة ؟ أجاب : ألم تسمعي ب "ليلى" صاحبة الفيلا ؟ المرأة ذات السمعة السيئة ؟ زياد صديقها الآن ، كيف أخلّصه منها لا أدري ، أجابت زوجته : لم يُثبِت أحد شيء سيّء بخصوصها ، لا أحب توزيع الاتهامات دون أي إثباتات ، أجاب أب زياد : إنها تعيش برفاهيّة وهي لا تعمل ، من أين حصلت على مالها ؟ ولماذا الغموض في حياتها ؟ أجاب زياد : ليلى أروع وألطف وأرق إنسانة ، ليتك تزوجتها ، لو كنت أنا من يختار لك زوجة لكنت اخترتها هي زوجة لك .

أجاب الأب : لا ، إنها سيئة ولا أريدك أن تقابلها . انتهى النقاش كالعادة من دون نتيجة .

ليلى كانت متزوجة سراً من ثري عربي ، أعطاها الفيلا ومالاً ، لم يكن يلتقيها إلا نادراً وزواجهما كان سراً لأنه متزوّج من إمرأة أخرى ، من هنا بدأت الإشاعات ، كانت محبة للحياة ، سهرة السبت كانت عامرة دائماً في فيلتها ، بعد اختفاء زوجها كثرت مشاويرها فظلمها الناس .

ذات يوم وبينما هما جالسان في مقهى على رصيف الشارع ، دخل والده شتمها ودفعها أرضاً ، لا شعورياً صرخ زياد : أمي ، و وقف لإنقاذها ، دفعه والده ثم جره معه خارج المقهى ، كان هناك الكثير من الناس ، شاهدوا ما حدث دون أن يتدخلوا ، لا أحد يريد أن يتدخل في مشاكل عائلية ، دفع أبو زياد بأبنه إلى السيارة وأخذه معه إلى المنزل .

افترقا ، بعد ما جرى من مهزلة في المقهى لم تعد تتصل به ، وهو كان يخجل من الاتصال بها ، كان يخاف عليها من والده ، لكنه كان ينظر إلى الخلوي وينتظر معجزة اتصالها ، بدورها كانت فور عودتها إلى المنزل كل مساء ، تبحث بين الأرقام التي لم تجب عليها ، ربما زياد اتصل وكان بحاجة لها .

اختفت الابتسامة عن وجهه ، فقد شهيته للأكل ، عاد إلى الانزواء ، لم يعد يكلم سوى كلبه .

كان والده يراقبه ، يشعر بالأسى لأجله ، لم ينسى عندما زياد نادى ليلى بكلمة " ماما " كانت عفوية وتعبّر عن نوع صداقتهم ، هل ظلمها ؟ هل تسرّع بالحكم عليها ؟ حتى زوجته لامت تسرّعه ، لا يستطيع أن يرى زياد يذبل أمام أعينه ، إنّه ابنه وكل ما يريده هو حمايته.

اقترب منه وقال له : إن أردت أن تتصل بها اتصل ، راقب خطواتك وأنا سأراقبك بدوري ، لم يصدق زياد ما سمعه ، ذهب إلى غرفته واتصل بها فوراً ، لأنه يلهث ظنت أنه في مأزق ، قالت له : ما بك ؟ هل أنت في مأزق ؟ هل والدك يزعجك ؟ زياد ، تكلم بسرعة أرجوك ، أجاب : لا ، هو من سمح لي بالاتصال بكِ .

سألته إن كان يستطيع الخروج ؟ أجاب طبعاً . وصلت إلى طرف الشارع حيث كان ينتظرها ، ذهبا في نزهة ، بدأت كلامها بجملة : اشتقت لك يا صغيري ، أجاب : أنا أيضاً كبيرتي ،  زياد بالمقهى ناديتني أُمي ، رغم الموقف الذي كنت فيه سرّني سماع هذه الكلمة منك ، أحبّ أن تناديني دائماً بهذه الكلمة ، حياتي معقّدة ، لا أعتقد بأنّه سيكون عندي ابن غيرك ، عند عودته إلى المنزل كان يحمل بيده لعبة كبيرة ، قالت له سهى ( زوجة أبيه ) هل عُدت للألعاب ؟ أجاب لا هذه هدية من ليلى إلى شقيقي عماد .

منذ أن حصل على الخلوي بدأ بالتصوير ، التقط صوراً جميلة ، كانت النموذج عنده ليلى ، التقط لها مئات الصور ، وعشرات الصُور لشقيقه عماد عندما يكون على سجيّته ، أرادت ليلى أن تجعله ينمّي موهبته ، أهدته كاميرا حديثة ، أخذها معه كيفما سار ، أحبّ أن يصوّر كلّ ما يجري من حوله ، كان يقول : الزمن والمشاهد لا يتكرران ولكن بالصور نكررهما مراراً .

لكي يستطيع الذهاب والعودة من المدرسة بسهولة ، اشترت له ليلى دراجة هوائية ، أحب زياد الدراجة ، أحبها لأنها هدية من ليلى ، لكن عند خروجه من المدرسة لم يجدها ، فقدانه لدراجته أحزنه كثيراً ، شعر بأنه لم يحافظ على هدية أحبها من شخص يحبه كوالدته.

ذات يوم كانت الشرطة تصادر الموتوسيكلات الغير شرعية ، أحب أن يصور المشهد ، إحدى المُصادرات تمّت بخشونة ،

شاهده الشرطي يُصوّر ، ظنّ بأنّه يستهدفه بسبب خشونته مع المعترضين ، طلب منه أن يعطيه الكاميرا ، رفض زياد ، طلبها مرّة ثانية ، أجاب زياد : هذه هدية ثمينة لن يلمسها أحد ، تداول العسكري في الأمر مع الضابط ، قال له الضابط : أحضرها بالقوة ، هجم العسكري على زياد ، شجّعه أمر الضابط له ، لكمه في صدره وأخذ الكاميرا . شعر زياد بالضعف ، دخل إلى مقهى التسلية الذي يقع خلفه وجلس على كرسي ، صاحب المقهى الذي يعرف زياد و والده اتصل بوالد زياد وأخبره عن الموضوع ، أتى والده مسرعاً وعلِم من هو العسكري المذنب ، هجم عليه كالصاعقة قائلاً : تريد أن تلعب دور "رامبو" معه ؟ تعال العب دور "رامبو معي ودفعه بقوة ، فصل العسكريون بينهما ، استرجع أبو زياد ألكاميرا ، دخل إلى المقهى أعطاها لزياد الذي كان يحاول أن لا يبكي ، قال له : لنذهب إلى البيت ، عند وقوفه شعر بدوار ، بصق دمّاً ، أراد التمسك بكم سترة والده لكنه لم يستطع الوصول إليها ، فسقط أرضاً .

اتصل صاحب المقهى بالإسعاف ، وصل المسعفون بسرعة ، قال لهم صاحب المقهى : انتبهوا لصدره ، فاللكمة أصابته هناك ، وصلوا إلى المستشفى ، صورة الأشعّة أظهرت ضلعاً مكسوراً وجرح في الرئة ، قال الطبيب : مُجرّد وقت ويشفى ، لا شيء خطير ، لكنه بالطبع سيبقى هُنا .

بقي والده جالساً على الكرسي بقربه طوال الليل ، في اليوم التالي ظهراً وبعد أن سألت عنه ليلى في كلّ الأماكن ، لم يردّ على هاتفه لأنه لا يحمله ، علِمت " ليلى " بما حدث وأتت إلى المستشفى ، أتت خائفة ، دخلت بكامل أناقتها ، بعطرها ونظارتها السوداء ، تحمل ورداً وعلبة من الشوكولاتة .

دخلت الغرفة ، نظر إليها أبو زياد بأعين تعِبة ، قالت : سلامته ، لنضع النقاط على الحروف ، أنت والده وأنا بمثابة والدته ، أجاب أعلم ، الناس تظلم أحياناً ، المجتمع قاس يا أبنتي ، عليكِ أن تكوني قوية لتتعايشي معه .

قالت له ليلى : بأماكنك أن تذهب لترتاح قليلاً وسأكون مكانك أثناء غيابك ، أجاب : زوجتي سهى ستأتي بعد قليل لتأخذ مكاني ، ولكني سأذهب الآن وأترككما تتحدثان ، شكراً لكِ .

ذهب أبو زياد ، روى لها زياد بصوت ضعيف قصته ، قالت له : كان يجب أن تعطيه فوراً الكاميرا وأنا أشتري لك غيرها ، لا تجازف بحياتك أو تترك نفسك للأذية من أجل شيء نستطيع شراءه بسهولة. أجاب : أنا لا أحب التنازل عن أشيائي بسهولة ، خاصةً وأن الكاميرا هي هدية ، هدية منكِ.

أربعة عشر يوماً في المستشفى ، أصبحت ليلى صديقة للجميع ، لم يمرّ يوم واحد دون أن تزوره ، "عماد الصغير كان يصرّ على القدوم كل يوم لرؤية زياد ، وليأخذ الشوكولا من يد "ليلى ،  بعد أن فحص الدكتور زياد ورآه في صحة جيدة سمح له في الذهاب إلى البيت .

أصبحت ليلى فرد من أفراد العائلة ، كانوا يخرجون أحيانا معاً كعائلة واحدة ، كانت ليلى تهتم بالجميع ، إلى أن أتت لتزورهم ذات يوم حاملة معها حلوى قائلة : هذا دور" أبو زياد فقد أحضرت له الحلوى التي يحبها ، دمعت أعين سهى وركضت إلى غرفتها ، تبعتها ليلى ، طرقت الباب ودخلت من دون أن تنتظر ردها ، قالت سهى : لا تأخذيه مني ،" أبو زياد هو كل ما لدي ، لا أستطيع أن أدخل معك في منافسة فأنتِ أصغر وأجمل ، أجابتها ليلى : هل سمعتِ يوماً أغنية ( نحنا اللي ياما كتير ، فرشولنا الأرض حرير ، علشان نرضى في يوم يكونوا حبايبنا ؟ أجابت : نعم ، قالت لها : هذه الأغنية وُجدت قبل أن أولد ولكنّها تنطبق علي ، لست بحاجة إلى رجل متزوج ،" أبو زياد شقيقي الكبير ليس أكثر ، أطمئني ، وأنتِ الآن شقيقتي أيضاً ، لو أردت زوجاً لتزوّجت من جديد ، لدي مشاكل من زواجي السابق تكفيني ،  أطمئنت سهى ، ابتسمت وخرجا معاً من الغرفة لينضمّا إلى الباقين .

بينما كان زياد وليلى في طريقهما إلى منزله اعترضتهما سيارة غريبة في الطريق ، نزل منها مسلحان ، أنزلوهما من سيارتها وأمروهما بالصعود إلى سيارتهم ، حاول زياد المقاومة ، خافت عليه ليلى وصرخت : زياد ، لا تقاوم . وضع المسلحون غطاءً على رأس كلّ من زياد وليلى واقتادوهما إلى جهة مجهولة ، هناك قالوا لليلى : لنا مع زوجكِ مالاً وقد اختفى ، الآن أنتِ من سيدفع ، أجابت : لكني لم أره منذ أكثر من سنة ، وأنا لست قيّمة عل أمواله ولا أملك شيئاً منها . أجابوا : نعلم أنه أعطاكِ مالاً وأنكِ ورثتِ مالاً من أهلكِ ، ألآن أنتِ ستذهبين لأحاضر المال و الصبي سيبقى هنا ، إن بلّغتِ البوليس أو إن لم تعودي خلال ست ساعات سنقتله ، انطلقي ، بدأ العدّ العكسي .

اقتادوها مع غطاءٍ على الرأس إلى حيث أوقفت سيارتها ، قالوا لها : عندما تعودين إلى هُنا اتصلى بهذا الرقم لنزوّدكِ بالمعلومات عن كيفية تحركك . ذهبت إلى المصرف ، بعد تفكير ارتأت أن تخبر أبو زياد بالموضوع ، اتصلت به وأخبرته ، طلب منها المماطلة ، داخل البنك وهو سيتصرّف قائلاً لها : لا تخرجي من البنك قبل وصولكِ إشارة منّي ،  اتصل بالأجهزة الأمنية ، خلال عشر دقائق كانت السيارات جاهزة مع آلة تحديد الاتصالات ، وصلها اتصال يقول : ألآن بأماكنك الخروج .

طول الطريق كانت سيارات الأجهزة تراقب ، السيارة تبعد عن الأخرى حوالي أربعمائة متر ، سيارة تقول للأخرة : ورائك ، فتنطلق . وصلت " ليلى " إلى نقطة ألصفر ، اتصلت بهم قائلة : جاهزة مع المبلغ ، أعطوها تعليماتهم ، ذهبت إلى حيث التسليم ، قالوا لها : هاتي المال ، أجابت : الصبي أولاً ، أحضروا زياد و سلّموه لها ، أخذوا المبلغ وانطلقوا ، عادت بزياد إلى منزله ، ترحيب الجيران كان حاراً ، حملوه على الأكتاف ، قال والده : لو لم يؤكدوا لي أنّه سيكون بخير لما سمحت لهم بالقيام بالمطاردة ، بعد ساعة كانت العصابة بيدّ الأمن ، والمال أُعيد لليلى .

عيد ميلاد زياد الخامس عشر ، أصرت ليلى أن يكون في الفيلا ، وأن يكون مُميزاً ، رفاقه كانوا يتهامسون : لم نعلم أنه بهذا الثراء ، كنا نظنه شخصاً عادياً ، بالونات ، موسيقى ، مهرج ، ألعاب نارية.

بعدها بأيام كان زياد ورفاقه يلعبون لعبة على الموتوسيكل ، يسرعون ، يصعدون تلة صغيرة ، ثم يقفزون إلى الشارع ، كان الشارع فرعي ، قليلاً ما تمر فيه سيّارات ، كان أحدهم يُراقب لينبههم في حال مرور سيارة .

أتى دور زياد ، شيء ما جعل المراقب يسهو قليلاً عن مراقبة الشارع ، ربما أراد أن يرى كيف سيقفز زياد لذلك ركّز نظره عليه ونسي الشارع ، أسرع زياد صعوداً إلى التلة ، ثم قفز إلى الشارع ، سيارة مسرعة قادمة من العدم صدمته ، طار عالياً وسقط أرضاً مضرّجاً بدمائه ، ذهب في غيبوبة ، أتت سيارة إسعاف ونقلته إلى المستشفى ، مرت أيام وهو يرقد في المستشفى وجميع من عرفه يصلّي لأجله ، إلى أن حصلت معجزة ، فتح عينيه وقال : ليلى ، كانت ليلى في المنزل وسُهى كانت قرب زياد ، اتصلت سُهى بليلى قائلة : تعالي بسرعة ، زياد أفاق من غيبوبته ويريد أن يراكِ ، قفزت ليلى إلى سيارتها بسرعة ، سارت بأقصى سرعة نحو المستشفى ، قلبها كان يدقّ بعنف ، سترى زياد وهو بخير ، وصلت وتفاجأت بسُهى تبكي خارج الغرفة ، حضنت سهى ليلى وقالت : مات زياد ، أجابتها ليلى : لكن أنتِ قلتِ لي بأنه بخير وينتظرني ، أجابت سُهى : لقد قال لي الأطباء بأن هذه الحالة تحدث أحياناً قبل الموت ، كانت صدمة قاسية على والده وسهى وشقيقه الصغير ، الصدمة الأقوى كانت من نصيب ليلى ، في الجنازة كانت ليلى تخفي أعينها خلف نظارة سوداء ، لكنها كانت تمد يدها كل بضعة ثوانٍ لتمسح دمعتها قبل أن تصل إلى خدها ، كلبه كان يصدر صوتاً شبيهاً بالبكاء ومن الجلي أنه يعلم من هو الميت وبأنه لن يعود ، عند انتهاء مراسيم الجنازة رفض الكلب أن يترك القبر ، كانت ليلى تحضر له الطعام إلى جانب القبر ، بعد عدة أيام ، أحضرت له الطعام كالعادة ، لكنها وجدته ميتاً من الحزن ، لم يستطع " وحيد " أن يبقى وحيداً .

بعدها بأسابيع كانت دورية من الجيش تداهم أماكن فيها وجود محتمل لإرهابيين ، أحد الإرهابيين تمكن من الفرار باتجاه الشارع العام ، فوجئ بأنه محاصر ، حمل قنبلة و رماها باتجاه عربة الجيش ، مرت القنبلة من فوق العربة وسقطت على الرصيف حيث كان يقف مجموعة من الأولاد ، لم يتردد أبو زياد لحظة واحدة ، رمى بنفسه فوق القنبلة محتوياً الانفجار بجسده ومنقذاً في الوقت ذاته الأولاد ، هكذا استشهد بطلاً .

ذات مساء مر رجلان بجانب فيلا شبه مطفأة ، يلفّ بوابتها الرئيسية شريط أسود ، سأل أحدهم ألآخر : لمن هذه الفيلا ؟ أجاب الثاني : يقولون أنها لأمرأة حزينة لا ترتدي سوى اللون الأسود لا تحبّ كثيراً الاتصال بالعالم الخارجي ، مسكينة لقد فقدت ابنها وأخاها في فترة وجيزة .

داخل الفيلا حيث الإضاءة الخافتة ، كانت ليلى تطبع الأسطر النهائيّة للقصّة ، قطّتها كانت تراقبها بفضول ، تحاول أن تمسح لها الدموع المنهمرة على وجنتيها ، تدفعها برفق بيدها ، تكتب كلمة " النهاية " تسحب الورقة من الطابعة ، تضمّها إلى أوراق أخرى في مغلّف كُتِب عليه : أوراق الزمن الأسود .

في اليوم التالي وضعت ليلى المغلّف على الكرسي الذي إلى جانبها في السيارة وانطلقت باتجاه دار للنشر لنشر القصة ، كانت تراقب المتاجر والناس والسيارات ، تشعر وكأن كل شيء أصبح مختلفاً وليس كما عهدته ، توقفت على الإشارة الحمراء ، سيارة غريبة توقفت إلى جانب سيارتها ، رجل يصوّب ناحيتها مسدساً فيه كاتماً للصوت ، يطلق طلقة واحدة باتجاهها بكل احتراف تصيبها الرصاصة في رأسها وترديها قتيلة ، نقاط دمها الأحمر تتناثر على المغلّف الأبيض .

شاب كان يمارس هواية الجري ، شاهد بالصدفة ما حدث ، اتصل بالشرطة والإسعاف ، مد يده من الشباك ،

دعاه فضوله إلى فتح المغلّف ، قرأ على وجه السرعة بضعة أسطر ، أعجبته بداية القصة ، تأبّط المغلف وتابع ركضه ، بعد مرور بضعة سنوات قرر أن ينشر القصة ليشارك الناس فيها ، عندما سأله الناشر عن أسم الكاتب أجاب : الزمن الأسود.

في الشوارع القريبة تجول قطة مُهملة تتعرض للرفس أحياناً من بعض الخبثاء ، تموء مُطالِبةً بصاحبتها ، تنتظر أن تُربّت عليها يد صاحبتها الحنونة وأن تضع لها طعامها في صحنها .

أمام منزل كئيب يقف طفلٌ ينتظر ، يتساءل : لماذا طال غيابهم ؟ يريد من أبيه أن يضمه ومن أخيه أن يلعب معه كما كانا دائماً يفعلان .

في المقبرة القريبة حيث قبر زياد يتوسّط قبر والده وقبر والدته ، تجد خيال ذراعين يمتدا ليجعلا القبور الثلاثة تبدو كجسمٍ واحد مُتّحد .

الفيلاّ مطفأة نمت فيها بصورة مخيفة الأشجار والأعشاب فبدت كغابة .

زوجة أبو زياد في مطبخها تطبخ وترنّم أغنية تراثية حزينة .



 النهاية .........

 

تاريخ النشر : 2020-04-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
منى شكري العبود - سوريا
ميار الخليل - مصر
ساره فتحي منصور - مصر
مقهى كابوس
اتصل بنا
فيسبوك
يوتيوب
اين قصتي
عرض متسلسل
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
تعليقات و ردود (91)
2020-07-25 07:39:46
365138
91 -
مؤنس نورالدين بدرالدين
شكراً لكم ، فاطمة نحلة ، سميرة كوراني ، فاروق نشأت ، عباس شعيب
شكراً لكم ، زينب قديم ، ركان صالح ، طلال طقش
كلّ الشكر للصديقة المذوقة سناء فيرس على مداخلتها الجميلة
شكراً لكم ، ربيع قبيسي ، خضر مغربي ، مروى عباس ، أميرة بزي
شكراً لكم ، محمد إبراهيم ، قصّة حزينة ، ياسمين ، أحمد حرب
2020-07-16 16:51:39
363408
90 -
احمد حرب.
مدهشة ورائعة في حزنها ، قصّة تحفُر وتبقى في الوجدان
2020-07-11 15:19:50
362407
89 -
ياسمين
القصه رائعه وحزينه جدا أحسنت
2020-07-11 11:05:37
362364
88 -
قصة حزينة
القصة مؤثرة حقا ولكنها رغم انها مؤثرة الا انها معبرة
2020-06-28 04:44:20
360028
87 -
Mohamad Ibrahim
روعة ، في سموات الإبداع الكاتب يتربّع
2020-06-27 09:02:17
359859
86 -
Amira Bzeih
لا أجد تعليقاً بفخامة القصّة لذلك سأصمت احتراما لهذه الكلمات .
2020-06-26 15:46:32
359729
85 -
Marwa Abas
تحية حب وإعزاز لكاتبنا العزيز
2020-06-26 12:24:53
359695
84 -
Khodor Moghrabi
نص مؤلم لكنه بديع
2020-06-26 06:51:39
359664
83 -
Rabih Koubeissi
صوّر لنا الكاتب منطقة جميلة لكنها تختصر مصاعب الحياة ، شكراً
2020-06-25 15:00:06
359568
82 -
Talal Takach
كم هو محزن هذا الأبداع
2020-06-21 20:36:53
358837
81 -
سناء فيريس
القصة مؤثرة جدا.لقد ادخلتنا في دوامة زمنية سوداوية كئيبة.من الصعب عدم التاثر بقصة و احداث حزينة كهذه.و لكن بصراحة في البداية ظننت ان القصة ستكون لها نهاية سعيدة و لكنك فاجأتنا بنهايتها الدرامية الحزينة.
2020-06-21 05:33:23
358713
80 -
ركان صالح
الصور الحادة المدهشة والتكثيف والايجاز ، كل ذلك جعل من أحرفك قصّة عبقرية ، بوركت ايها المبدع
2020-06-20 08:01:48
358539
79 -
زينب قديم
لابد لهذا الليل الطويل من نهاية ، ولا بدّ للأوراق السوداء أن تنتهي
2020-06-19 06:49:13
358324
78 -
عباس شعيب
وكأن الريح التي عصفت بالشجر هي من كتبها لتغدو لوحة حزينة
2020-06-18 10:33:32
358169
77 -
سميرة كوراني
أجمع كلماتي لكي أعلّق فتعود لتتبعثر منحنية أمام روعة القصّة
2020-06-18 05:21:50
358133
76 -
فاطمة نحلة
حروفك تفوق اي تعليق قرات القصّة عدّة مرات لشدة الدهشة لحرف فوق الخيال
2020-06-17 13:23:43
358008
75 -
فاروق نشأت
كاتب كالضوء يأتي كل حين ، لينثر الكلمات بذوراً ، فتتفتح النباتات في نمو جديد ... جميل ما كتبت أيها المبدع
2020-06-05 03:56:02
355836
74 -
مؤنس نورالدين بدرالدين
ألمراهق الصغير : لقد شرحت أكثر من مرّة لماذا قصّتي هي بهذه السوداوية ، لأني جمعت مصير أشخاص أعرفهم في عائلة واحدة ، هذا يعني بأننا لو أخذنا مصير كلّ شخصيّة لوحدها لوجدنا هذا المصير يطابق قصّته الحقيقيّة ، لا أعلم لماذا الموقع يصرّ على عدم نشر الشرح لكني أحاول .
2020-06-04 07:25:00
355695
73 -
المراهق الصغير
لا أجد اكثر من ان اقول ان هناك نوع معين من التعاويذ السحرية مخبأة باحترافية داخل رواياتك عزيزي الكاتب فانت تخرجنا دون ان نشعر من العالم الذي نعيشه وتدخلنا داخل قصصك وكأننا نرتدي احدى نظارات العالم الافتراضي , ولاكن للاسف تلك التعويذة تزول دائمآ عند نهاية قصصك..فهي مأساوية أكثر من اللازم وتخرجنا منه وكأن أحدهم أيقظنا من هذا الحلم الجميل وخلع عنا تلك النظارة وطردنا منها بلا رحمة .
2020-05-22 05:04:04
353497
72 -
نورما رشيد
جبران لم يكن ليكتب أفضل منها
2020-05-20 12:06:12
353140
71 -
بسّام حويلا
أدخلنا الكاتب إلى عالم أردنا أن نبقى فيه أطول وقت ممكن ، ننتظر المزيد والمزيد من معجزات القصص
2020-05-18 02:32:55
352615
70 -
علي داوود
مدهشة . اكثر من راءعة
2020-05-16 17:21:37
352253
69 -
ماي حمادة
الكاتب بحاجة لمنتج لتخليد أعماله
2020-05-16 06:13:46
352183
68 -
مهى حسّون
أروع قصّة في القرن الواحد والعشرين
2020-05-15 06:07:28
351982
67 -
طلال شتوي
شعرت وكأني دخلت إلى داخل القصّة حيث العائلة والمنزل القديم ، حيث زياد وكلبه ، قريباً من قبر والدته ، قصّة وكأنها صُمّمت بالأبعاد الثلاث لكي تُدخلنا إلى داخلها .
2020-05-14 14:16:51
351867
66 -
سامر حوماني
ملحمة رائعة تصلح لمسلسل ضخم
2020-05-14 04:09:49
351815
65 -
حسين عبّود
يا لروعة هذه القصة ، إنها القمّة بلا منازع
2020-05-13 15:38:39
351679
64 -
هدى برجاوي
قصّة سوف يخلّدها التاريخ
2020-05-12 06:34:56
351426
63 -
فادي غندور
قصص كهذه تحبّب الناس بالقراءة ، شكراً للكاتب الكبير
2020-05-12 06:33:09
351425
62 -
فاطمة حسين
الفيلا المطفأة التي بدت كغابة ، جملة تحزن القاريء لأنها تعني الغياب الدائم لأصحابها
2020-05-12 06:29:33
351424
61 -
ليلى مرعي
ألكمال في الكتابة ،، عودة إلى زمن العمالقة
2020-05-12 06:27:51
351422
60 -
عامر القاسم
دخلت دون أن تغلق الباب وكأنها تستعجل عودته ، هذه لوحة فنّية ترسم مشاعر الأمّ ، قصّة رائعة
2020-05-11 13:07:43
351255
59 -
كريم حاج حسن
حزن يحاكي حزن البؤساء وكاتب يوازي فيكتور هيجو ، إنها قصّة العصر
2020-05-11 13:05:11
351254
58 -
فرح فياض
تقف الكلمات عاجزة بالتعبير عن روعة القصّة التّي عشت أجواءها
2020-05-11 13:03:00
351253
57 -
صفاء قانصو
قلم رائع ينزف دماً
2020-05-11 13:00:22
351252
56 -
فدوى حمادي
وكأن الكاتب اختصر أحزان البلدة في منزل واحد ، كاتب عملاق ، رهيب
2020-05-11 12:58:11
351251
55 -
حسين حسن
كان يسير كالمشلول ذاهباً لوداع أمه ، يا له من مشهد كئيب ، وكأن الأرض تسير معه
2020-05-10 14:35:16
351030
54 -
رانيا بركات
عندما أرى صورة جنديّ شهيد ، أتساءل هل هو أبو زياد ؟
قصّة رائعة لدرجة تجبرني أن أعيش داخل أحداثها
2020-05-10 14:32:11
351027
53 -
رانيا بركات
حتّى عندما أسير في الشارع وأرى هرّة مهملة أنظر إليها بفضول وأقول في نفسي : هل هذه هرّة ليلى ؟
2020-05-10 14:28:09
351025
52 -
دنيا بنجاك
وقفته ومناجاته لقبر والدته أبكياني ، تمنّيت لو كنت إلى جانبه لكي أحتضنه
2020-05-09 15:27:55
350840
51 -
كريم رحّال
أحزنتني القصّة واستمتعت بقرائتها ، مصير أبطالها مؤسف لكن واقعي يحدث أحياناً ، شكراً للكاتب
2020-05-09 15:13:43
350836
50 -
حسن حمدون
من روائع القصة القصيرة
2020-05-09 05:03:58
350782
49 -
كاتيا حايك
قصص مثل قصصك تعيدنا إلى زمن القراءة الجميل ، روعة ما بعدها روعة
2020-05-09 05:00:53
350781
48 -
أحمد آل غسّان
شعرت وكأنّي أسمع الأغنية الحزينة التي ترنّمها سهى
2020-05-08 14:08:13
350658
47 -
مؤنس نورالدين بدرالدين
أوراق الزمن الأسود هي أوراق كانت متناثرة ، هي قصّة حياة أشخاص حقيقيين تركوا بصمتهم في مدينتي ورحلوا عن هذه الحياة ، ما فعلته هو جمعهم في عائلة واحدة بالرغم من بعدهم عن بعضهم البعض في الواقع ، لم أسرف في السوداوية ( حسين سالم عبشل ) فعنوان القصّة يتكلّم عن محتواها ،، أردت تخليد أشخاص أحببتهم لذلك جعلتهم عائلة واحدة . في جعبتي أكثر من مئة قصّة معظمها حقيقيّة أو مستوحاة من الحقيقة ( ما عدا قصص الخيال العلمي ) شكراً لمن وضع تعليقاً على القصّة ، وأرجو من ( كوكو ) أن تعيد قراءتها سطراً سطراً لأنها منحوتتي الجميلة وسوف تجدين فيها عند كلّ قراءة جديدة شيئاً جديداً .
2020-05-08 13:26:26
350647
46 -
نور البشير
ترنّم أغنية تراثية حزينة ، أي أنّك تركت المجال لخيال القاريء ليختار الأغنية ، أنا أختار أغنية : مرمر زماني يا زماني مرمر
2020-05-08 08:32:39
350621
45 -
وسيم الخليل
شعرت بأني زياد ، كما قال فلوبير : مدام بوفاري هي أنا ،، وأنا أقول : زياد هو أنا
2020-05-08 08:27:56
350620
44 -
وسيم الخليل
كم أحب أن أعود طفلاً صغيراً لكي ألهو مع غاني في أزقّة قريته
2020-05-08 08:24:20
350616
43 -
سرور الراوي
عندما كنّا في المدرسة ولكي لا يشعر الطالب بالدينونية أمام المتفوّق ، كانوا يعفون المتفوّق من الإمتحان ، ولكي لا يشعر من ينشر قصصه بالدينونية أقترح بأن توضع قصصك في زاوية خاصّة بالعمالقة .
2020-05-08 07:40:48
350606
42 -
ناديا رشيد
يقول نزار قبّاني : الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان ، وجدت داخل قصّتكم كميّة من الحزن كافية لكي تجعل التماثيل تنطق ، قصّة رائعة فوق العادة
عرض المزيد ..
move
1
close