الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

وحش الوينديجو بين الحقيقة والخيال

بقلم : هانا احمد - مصر
للتواصل : [email protected]

وحوش تواقة للقتل والتهام لحوم البشر
وحوش تواقة للقتل والتهام لحوم البشر

الوينديجو هو كيان خرافي في تراث واساطير الهنود الحمر فى منطقة البحيرات الكبرى فى كل من الولايات المتحدة وكندا ، الاسطورة تتحدث عن كيان غامض يتلبس باجساد البشر فيحولهم الى وحوش تواقة للقتل والتهام لحوم البشر! ..

ظهر اول ذكر لهذا الكائن فى الغابات الشمالية على ساحل المحيط الاطلسى عندما رآه بعض الصيادين و وصفوه بأنه مرعب. قالوا انه روح شريرة تقوم بالاستحواذ على الشخص ثم تقوم بالتلاعب بعقله وتدميره ، وجميع الحكايات التى قيلت عن هذا الكائن كانت مخيفة جدا ، وقد انتشرت سيرته على السنة الصيادين مما حدى بالبعض منهم إلى عدم الذهاب الى هذه الغابات مطلقا بسبب شعوره بالخوف.

الغريب أن هذه الاسطورة لدى قبائل الهنود الحمر تتشابه بعض الشيء مع الموروث العربي الاسلامي عن الجن وتلبسهم باجساد البشر ، والتلاعب بعقولهم ، خصوصا بالاماكن النائية والمهجورة والمقطوعة.

كان الهنود الحمر يربطون اختفاء الصيادين بهذا الوحش ، اعتقدوا انه اذا اختفى احد الصيادين فهذا يعنى ان الوحش استحوذ عليه ودمره ، والعديد من الناس كانوا متأكدين من وجود هذا الكائن وبأنه ليس اسطورة.

اذا اختفى احد الصيادين فهذا يعنى ان الوحش استحوذ عليه ودمره

اول ذكر لهذا الكائن من قبل الاوربيين كان فى القرن السابع عشر عندما قام بعض المبشرين الفرنسيين بكتابة ملاحظاتهم عن حياة واساطير السكان الاصليين (لهنود الحمر) أثناء زيارة لقبيلة الجونغ غوان ، الغريب في الموضوع أن اولئك المبشرين اختفت اثارهم تماما ولم يعرف مصيرهم لسنوات ، لذلك تم ارسال مجموعة جديدة من المبشرين ، مع سرية من الجنود للحماية ، الى نفس المنطقة للبحث عن المجموعة السابقة ، وظلت البعثة الجديدة تبحث في الغابات النائية الى ان وجدوهم ، وبحسب أقوال أحد افراد المجموعة : "انهم عندما وصلوا الى الغابة وجدوا اصدقائهم لكنهم كانوا قد تحولوا الى اشخاص اخرين ، كيانات مخيفة ، اصبحوا مرضى بالجنون والخوف والجوع وبعض الامراض الخطيرة التى اثرت على خيالاتهم وجعلتهم يعانون من جوع لا ينتهى ، ليس اى جوع ، بل الجوع للحوم البشر ، فكانوا يفترسون اي شخص يمر بهم ، وقاموا بالهجوم على الجنود الذين معنا ، وحاولوا ان يلتهمونا ، لذلك كان يجب ايقافهم ، وتم قتلهم من اجل وضع حد لجنونهم وخطرهم).

هذه تعتبر اول مقابلة للرجل الأبيض مع الوينديجو وتم تسجيلها فى كتاب (the jesuit relations) ، وكانت قبائل الهنود الحمر مصرة على ان هولاء المبشرين قد تحولوا الى كيانات الوينديجو المتوحشة ، وكلمة وينديجو في لغة هذه القبائل تعني (الشر الملتهم).

يرى السكان الاصليين ان الوينديجو اصلهم بشر عاديين ، اما كيفية تحولهم فهناك روايتين ،  الاولى تقول ان واحدة من القبائل القديمة كانت فى حرب شرسة مع قبيلة اخرى وكانت على وشك الهزيمة الى ان اتى احد المحاربين الشجعان وقرر ان يضحى بنفسه ويعقد اتفاق مع الشيطان مقابل ان تفوز قبيلته ، وبالفعل تحولت هزيمة قبيلته الى نصر ساحق ، لكنه ذلك المقاتل خسر روحه للشيطان ، وسيطرت على جسده الارواح الشريرة ، فقررت قبيلته التخلص منه بعد ان كان سبب انتصارهم فى الحرب ، وقاموا بنفيه إلى مكان نائي وقاحل لكى يكون وحيدا منبوذا.

قاموا بنفيه إلى مكان نائي وقاحل لكى يكون وحيدا منبوذا

الرواية الثانية: انه اثناء الحرب الاهلية بين بعض القبائل الامريكية القديمة كان المحاربون يعيشون فى وحدات عسكرية فى الصحراء ، ونتيجة بعض الظروف القاهرة انقطع الغذاء لمدة ثلاثة ايام عن هؤلاء المحاربون فأصابهم جوع شديد ، وقد صبروا على جوعهم باستثناء محارب واحد كانت لديه الجرأة لفعل اكثر شيء جنونا واثارة للرعب ، ففى احدى الليالي واثناء نوم الجميع انفرد بأحد رفاقه وهجم عليه وقام بقتله والتهامه بمنتهى الوحشية ، ويبدو أنه تلذذ بتلك الوجبة فقرر أن يستمر بأكل لحوم البشر ، لاعتقاده أنه يمنحه قدرات خارقة مثل السرعة الفائقة والقدرة على قراءة الافكار والشفاء الفورى من الجروح والامراض.

ولكي يواجه السكان الاصليين هذا الكائن الخارق فقد استخدموا السحر الاسود فسببوا له لعنة ابدية ، وهذه اللعنة لها العديد من الاشكال والمحاور حسب القصص والروايات المختلفة ، اولها هو شكل الوينديجو ، فلقد قلنا سابقا ان شكله قبل التحول كان بشري عادي ، ولكن بعد هذا تغير شكله بالكامل ، وللتوضيح يوجد له العديد من الاشكال فى الاساطير القديمة ، فمثلا هناك قبائل وصفته بانه مخلوق نحيف للغاية وجسمه من الثلج وشفاف وانيابه صفراء بارزة وكبيرة وحجمه يزيد مع كل شخص يقوم بالتهامه ويمكن ان يصل طوله الى طول الاشجار الفارعة.

صياد ماهر يتلاعب بضحيته
جزء اخر من اللعنة هي عدم قدرته على الشبع ، وهذا يفسر جوعهم المستمر ومدى تفانيهم فى محاولة اصطياد البشر بكل الطرق الممكنة وجوعهم الابدى هو الذى يحركهم لاصطياد بشر اكتر والتهامهم بشكل متوحش ، وبسبب جوعهم المستمر فظهورهم دائما يكون مرتبط بالفترات الشتوية الطويلة ، وبسبب ذلك تقوم القبائل بطقس سنوى لكى يحميهم من كائنات الوينديجو عن طريق بعض الشعائر الدينية والرقص حول النار.

بالنسبة للصيادين فقد وصفوا الوحش بأنه مخلوق طويل مثل الشجرة ونحيف وله اسنان حادة ومخالب طويلة وعيون مضيئة ولسانه طويل وجسده مغطى بالشعر ويسمع اقل الاصوات من على بعد كيلو مترات كما ان رائحته كريهة جدا تشبه رائحة الجثث. أما عن نزعته الخارقة للصيد فقد قالوا بأن (الوينديجو صياد ماهر فى النهار ، لكنه صياد لا يصدق فى الليل).

الوينديجو في الحقيقة لا يعيش في الاساطير فقط ، فهناك مئات البلاغات عند الشرطة الامريكية تصف رؤية هذا الكائن عند الحدائق والمحميات المعزولة ، وآخر مكالمة للابلاغ عن هذا الوحش انتهت بصراخ المتصل وانقطع الاتصال بعدها فجأة وعند البحث عنه وجدوه مقتولا بطريقة وحشية فى الغابة ، وقد ساهمت هذه الواقعة وغيرها في اثارة حالة من الرعب والفزع لدى السكان ، وكلما تنسى الحادثة تظهر حادثة جديدة اخرى ابشع من التى سبقتها لتؤكد للناس ان هذا الكائن المسمى بالوينديجو موجود بالفعل وليس مجرد اسطورة.

يعتقد السكان الاصليين لامريكا ان الوينديجو يتغذى على التائهين فى الغابات وانه يعيش فى الغابات المظلمة الصماء التى لا يوجد فيها اي شكل من اشكال الحياة وانه يتجنب الضوء فيقضى فترة النهار فى الكهوف او المناجم المهجورة كما انه يكون ملما بكل جزء من المنطقة التى يعيش فيها ولديه قدرة خارقة على تغيير الطقس باستخدام قوى السحر الاسود التى في الاساس هو تحت تأثيرها ، وانه ايضا يقوم بتعليق قطع من اللحم على الاشجار او يقوم بدفنها بعد ان يحفر باستخدام مخالبه الحادة بغرض بتخزينها فى حال اذا غابت عنه الضحايا لفترة طويلة.

بحسب اقوال السكان فأن الوينديجو لديه القدرة على التلاعب بالبشر والتأثير على عقولهم ، فالضحية التى غالبا ما تكون وحيدة وتائهة في الغابة تبدأ بسماع اصوات اقاربه واصدقائه ينادون عليه ، فيقوم بالبحث عنهم وكأنه مسحور حتى يصل الى نقطة معينة فى الغابة ينتظره فيها الوينديجو ولا يسمع عنه احد بعد ذلك. فهو في ذلك شبيه بأسطورة الغول والسعلاة العربية التي تقوم بتحويل نفسها الى هيئات واشكل مختلفة ، احيانا في صورة امرأة جميلة ، من اجل ايهام الضحية وجذبه ، ويكون ضحاياها عادة مسافرين يهيمون على وجوههم في الصحارى بمفردهم.

بعض الضحايا الذين استطاعوا الهرب من الوينديجو قالوا انه يستطيع التحكم فى الطقس بسهولة كبيرة وايضا يتحكم فى كوابيس الضحية وانه لديه القدرة على ايهام ضحيته بانها تحترق وتقول الاسطورة (لكى تستطيع قتل الوينديجو يجب عليك ان تحرقه بالنار او ان تخترق قلبه بوتدد من الفضة لأن جسده لديه القدرة على امتصاص جميع المعادن ما عدا الفضة).

سويفت رانر حاصرته الثلوج مع زوجته واطفاله

احدى القضايا المثبتة في المحاكم عن الوينديجو تعود الى بدايات القرن العشرين حيث تمت محاكمة رجل عجوز يدعى (جاك فيدلر) يبلغ 87 من العمر وكانت تهمته هي قتل امرأة. وخلال المحاكمة دافع الرجل عن نفسه مقدما اغرب تبرير لجريمته حيث قال أنه قتل ضحيته لأنها وينديجو ، وبدأ فى سرد القصة ، وقال ان الارواح الشريرة كانت قادمة للستحواذ عليها وتحويلها الى وينديجو فقرر التدخل وقتلها لينقذ الناس من شرها ، واكمل وقال انها لم تكن ضحيته الاولى وانه قتل 13 وينديجو آخرين ، وعندها تم الحكم عليه مدى الحياة وتوفى داخل السجن.

حادثة شهيرة اخرى عن هذه الكائنات تناولتها الصحف هي عن صائد يدعى سويفت رانر ، حاصرته الثلوج مع زوجته واطفاله عام 1878 فجاوعوا بشدة، ليقوم سويفت بقتل زوجته واطفاله الخمسة ويلتهمهم وينجو من الموت، ويلقى القبض عليه لاحقا ويحاكم ويعدم ، وبحسب صحف ذلك الزمان فأن سبب جريمة سويفت هو أن كائنات وينديجو تلبست بجسده ودفعته لارتكاب جريمته البشعة.

المصادر :

- Wendigo - Wikipedia
- Wendigo – Flesheater of the Forests

تاريخ النشر : 2020-05-13

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر