الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ليلة مع الأموات

بقلم : ناصر - الصومال
للتواصل : [email protected]

رأيت على الأرض الجزء السفلي لجسد بشري أو ما شابه ، عاري تماماً ، يلمع كأنه مدهون بالزيت
رأيت على الأرض الجزء السفلي لجسد بشري أو ما شابه ، عاري تماماً ، يلمع كأنه مدهون بالزيت

 
قبل البدء بسرد هذه القصة ، يجب أن أنوه بأن الله سبحانه وتعالى جعل في الموت حكم و عبر لا تُحصى ، على أن يتدبرها أهل العقل والتقدير!
الشيء الآخر هو أني لا أدعي الشجاعة أو ما سواها ، ولا أريد أن أعلق الأسباب على شماعة الحظ !.
 
حسناً ، لنبدأ.
نحن الآن في منتصف عام ٢٠٠٥م بالتحديد في شهر مايو ، كنت قد انتقلت إلى مدينة أخرى حديثاً بحكم ظروف العمل.
 
وجدت مسكناً متواضعاً عبارة عن غرفة نوم استأجرتها لأسكن مع أهل البيت الذين كانوا عبارة عن إمرأة كبيرة في العمر لا أطفال لها تعيش معها قريبة لها مراهقة ، حمام مشترك ، وطالما أني لا أطبخ إذاً لا حاجة لي في المطبخ ، هذا جيد.
 
مرت بضعة أسابيع من الروتين اليومي ، حيث كنت قد أنشئت بعض الصداقات على مستوى العمل والجيران ، خاصةً جيران السكن حيث كان الجميع ينصحني بأن أنتبه للمرأة العجوز وأن أهتم بها ، بحكم أن الفتاة كانت كثيرة الخروج والغياب ولم تكن تهتم لأمرها ! لذلك وبطبيعة الحال نشأت علاقة مودة بيني وبين المرأة العجوز، حيث كانت تبحث عني أو تسأل إن تأخرت في العودة ، أو تفاجئني بوجبة حين أعود ، و بالمقابل أشتري لها احتياجاتها في طريق العودة ، أو أن أطمئن عليها قبل النوم ، وهكذا.
 
المهم ، في صبيحة يوم حار ، ذهبت للعمل كالعادة بعد اطمئناني عليها ، محملاً بكل أنواع الأدعية.
فجأة وبدون سابق إنذار دخل زميل لي إلى مكتبي و أخبرني أن هنالك شخص يسأل عني ينتظر في مكتب الاستقبال ، غريب ! حسناً أنا قادم.
 
بعد لحظات توجهت إلى القاعة ، حيث أخبرني الشخص أن السيدة توفيت وأنه من الواجب علي أن أرافقه حالاً إلى البيت ، بحكم أن الجميع أصبح يعتبرني من أهلها ! أين الفتاة المراهقة ؟ لا أحد يعلم كالعادة .

فوجئت ، حزنت ، ثم فوضت أمري لله ، أخذت الإذن ثم رافقت الرجل إلى البيت ، كان هنالك الكثير من الجيران و الأهالي ، والغريب أن الجميع توجه إلي بالعزاء و أسئلة متنوعة مثل إن كانت المرحومة أوصت بشيء قبل موتها  أو مكان دفنها ؟ .
طبعاً لا إجابات !.

عندها تدخل كبار السن ، تشاوروا ثم أتى القرار قبيل العصر بأن يذهب الرجال للمقبرة حتى يتم تجهيز القبر، على أن يبقى كبار السن لإدارة الجنازة من البيت ، بينما تُنقل المرحومة إلى ثلاجة حفظ الموتى في المشفى المركزي إلى الصباح، الشيء المهم طبعاً أن يكون مع الميت مرافق يبقى قريباً من الثلاجة حتى يحرسها من الجرذان أو المخربين وما شابه.
 
بطبيعة الحال وقع الاختيار علي بحكم أني كنت الأقرب للمرحومة ، و كذلك لأني غريب على المنطقة ولن أنفعهم في الخارج !.
توكلت على الله واتجهنا إلى المشفى ، وصلنا بعد صلاة المغرب و بعد الإجراءات تم نقل الجثة إلى الثلاجة في تمام الساعة الثامنة مساءً.
 
المشفى عبارة عن مساحة واسعة تحتوي على مجموعة من المباني ذات الطابق الأرضي تتخللها ممرات مرصوفة وإنارة شاحبة متباعدة.
 أما الجزء الذي يعنيني يقع في آخر المشفى ، عبارة عن مبنى أرضي صغير بحجم غرفتين منعزل عن باقي المباني ، تقبع الثلاجة في إحدى الجهات مع ملحق لها يستعمل من قبل الحارس.

الثلاجة لها ستة أبواب ذات أسرة حيث يوضع الميت في وضعية النوم على الظهر ، ثم يقفل عليه. تستطيع أن تدخل أو تخرج من الغرفة لأن الباب الرئيسي ببساطة غير موجود ! أما الجرذان فحدث ولا حرج ، أحجامها هائلة ، وهي بالمناسبة تسببت في كثير من الأحيان بأضرار للجثث سيئة الحظ ، نعم ، هي جرذان تتغذى على الأموات ، وعليك إبعادها في حال رأيتها تحاول أن تتسلل إلى الثلاجة الغير باردة في بعض الأوقات بسبب عدم توفر البنزين للمحركات بشكل منتظم !.
 
المهم ، أخذت معطفي وهيئت موقعاً لي داخل الغرفة في مواجهة الثلاجة ، وضعت حصيرة ثم اتكأت على الجدار ، و وضعت كشاف صغير على الأرض بجانبي ، الظلام ، السكون، الوحدة حيث أن الحارس كان غائباً في شأن له ، التوجس ، كل شيء كان ضدي !.
 
عاد الحارس حوالي الساعة ١١ مساءً ، سلم علي وجلس معي قليلا حيث علمت منه أن الثلاجة فارغة إلا من مرحومتنا ، أي أنني سوف أقضي الليلة وحيداً ، إلا أذا وصل ميت آخر و معه مرافق ! قال هذا ثم أعلن أن موعد نومه قد حان ! كيف وأنت الحارس ؟ أخرسني بجواب جيد : لن يجدوا أحداً يأخذ مكاني لأنه لا أحد يرحب بالنوم مع الأموات ، فدعك منهم ! تصبح على خير.
 
الساعة ١٢ صباحاً ، تتلاعب بي الهواجس ، و أرمي بحجر صغير على أحد الجرذان المتسللة تجفل فتهرب.
أذكر أني خرجت لأمارس هواية التدخين خارج الغرفة حيث الجو خانق ، وبينما أستنشق السم  خُيّل إلي أني أسمع أصوات مجموعة من الناس تتحاور بصوت منخفض نوعاً ما ، صوت رجل وامرأتان بالتحديد ، والأدهى أن الصوت صادر من الغرفة ! أرهفت السمع  لا جدال ، الصوت صادر من الغرفة ، حاولت أن أفهم الحوار، ولكن الأصوات كانت متداخلة ، سريعة في أحيان و ثقيلة على الأذن في أخرى ، كأنك تستمع لشريط بالمقلوب على البطيء ! بقيت على هذه الحال لا أستطيع الدخول أو الاستعانة بأحد لفترة ، خاصة لأني كنت قد تركت الكشاف في الداخل ، جلست أفكر و أنا خائف ، ثم تذكرت أن الله تبارك وتعالى موجود وعليه يجب أن نتوكل ، ذهبت إلى مصدر ماء قريب ، توضأت ودعوت ربي، ثم انطلقت.
 
دخلت الغرفة على حين غرة ، وهنا أقسم أني ما أن وضعت قدمي داخل الغرفة حتى سمعت جلبة ذكرتني بالأصوات التي كانت تصدر عند دخول المدرس الفصل بشكل مفاجئ ! نعم صحيح ، نفس التحركات العشوائية ، الهمهمات، الضجيج..! ثم  لا شيء..! الإحساس بأن العشرات من العيون تراقبك في انتظار حركتك القادمة ! القشعريرة العنيفة تجتاحني ! قلبي يدق ألف دقة و قدماي لست أحس بهما !.
 
تذكرت أني سوف أكون المسؤول إن حدث شيء للجثة مما أعطاني شيء من الشجاعة.
ذكرت الله في نفسي ، ثم رفعت صوتي قائلاً: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، ثم تحركت إلى الداخل متوقعاً الأسوأ ، لم يحدث شيء ، الحمد لله.
توجهت إلى موقعي مهتدياً بالنور الضعيف الداخل من الباب ، وجلست ألهث.
بعد فترة غير بسيطة، وأنا أغالب النعاس سمعت صوتاً جعلني أضرب رأسي على الجدار خلفي ، كان صوت كأنه لجسد من عظم و لحم وقع من مكان عالي على الأرض ! وقع داخل أرضية الغرفة الصلبة ! قريباً من الثلاجة ، والأسوأ أني أسمع صوت لهاث و تنفس غير منتظم كأن صاحبه يختنق و بكل وضوح !.
 
كدت أن أنهض و أجري خارج الغرفة لا ألوي على شيء ولكن قدماي خذلتاني ، جلست أردد المعوذات بصوت خفيف وأنا أرتجف ! فجأة تذكرت الكاشف ، التقطته وصوبته ناحية الصوت على أن أركض في لحظة.
 
أتذكر أني أشعلت الكاشف ، كدت أن أصاب بالجنون ، حيث أولاً اختفى الصوت ، كل شيء هدأ كأنه لم يكن.
وفي لحظة  ضربة قوية على معدن الثلاجة من الداخل جعلتني أطلق صرخة مكتومة ، وأقف على قدمي ، و بينما أبحث برجلي محاولا ارتداء حذائي، حالت مني التفاته إلى موقع صوت السقوط ، هالني المنظر ! رأيت على الأرض الجزء السفلي لجسد بشري أو ما شابه ، عاري تماماً ، يلمع كأنه مدهون بالزيت ، يرقد على بطنه و الجزء الأعلى يختفي خلف جدار الثلاجة !.

شعرت بالصدمة ، الصداع ، ألم في العود الفقري لا أعلم له سبباً ، حرارة في كل جسدي ، الهلع ، البلبلة ، وما زاد الطين بلة أن الجسد تحرك و زحف ليختفي خلف جدار الثلاجة.
هنا فقط  تذكرت كم أنا وحيد ، كم أنا ضعيف ، كم أنا بعيد عن بني جنسي !.
و كأنني تحررت من كل شيء ، أطلقت ساقي للريح و أنا أردد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، تاركاً كل متعلقاتي ، حتى ابتعدت مسافة من المبنى !.
 
نظرت للساعة، إنها الثالثة والربع ، ما زال الوقت مبكراً على الفجر ، و لكن صممت على عدم العودة إلى الغرفة مهما كانت الظروف ، حتى يصل أحد ما أو تشرق الشمس ، و هذا بالتحديد ما فعلت !.
 
لا أعلم بعد كل هذه السنين ماهية الشيء الذي واجهته لأني لم أحكي لأحد عما حدث في تلك الليلة حتى لا يتهمني أحد بالجبن أو بأسوأ من ذلك خصوصاً وأني جديد في المنطقة !.
بالمناسبة  في كل مرة أذهب فيها إلى تلك المنطقة، أنتهز الفرصة لأزور قبر السيدة الطيبة وأدعو لها وللمسلمين.
 

تاريخ النشر : 2020-06-04

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر