الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حريق لندن الكبير

بقلم : نور الهدى الاخضرية - الجزائر

لكل مدينة عريقة ماض سحيق مليء بالكوارث والماسي فلا تخدعنا المناظر الخلابة الموجودة اليوم
لكل مدينة عريقة ماض سحيق مليء بالكوارث والماسي فلا تخدعنا المناظر الخلابة الموجودة اليوم

سنسافر اليوم إلى عاصمة الضباب لندن ، مدينة يرغب الجميع بزيارتها لجمالها ونظافتها وتنظيمها ، لكن هل يا ترى يعرف الجميع كيف كانت لندن قديماً ؟ حسناً اليوم سنعود بالزمن إلى منتصف القرن السابع عشر و تحديداً إلى عام 1666 م ، حيث عرفت لندن أوضاعاً جعلت منها قنبلة تنذر بالانفجار ، فخلال صيفين متتاليين كانا ممطرين بغزارة تلاهما صيف حار جداً وجاف و قد زادت الحرارة من شدة الروائح الكريهة فقد كانت لندن مدينة مكتظة بالسكان حوالي نصف مليون نسمة والتمديدات الصحية غير موجودة والقاذورات تملئ الأحياء،
كانت أحياء مدينة لندن مكتضة و ممتلئة بالقاذورات

أما بالنسبة للبيوت فقد كانت عبارة عن أكواخ خشبية مغطاة بالقش الجاف ومتقاربة فيما بينها والشوارع ضيقة ، وكثرة استعمال البارود والفحم جعل الجو خانقاً لا يُحتمل ، لذى فضّل الأغنياء العيش في الريف لهوائه النقي والهدوء ، أيضاً بينما انتشرت العشوائيات في ضواحي لندن في ظروف مزرية ، هكذا كانت عاصمة الضباب خلال القرن السابع عشر .
 
 أسباب الحريق :
 
كما أشرنا سابقاً فإن لندن تتكون من أكواخ خشبية والبيوت تعتمد على الشموع والحطب في الطبخ والتدفئة ، كما أن كثرة استخدام التبن والفحم والبارود كلها أدت إلى كارثة كادت تقضي على المدينة ، كما زادت حرارة الجو في المساعدة على ذلك ، هذه الكارثة هي حريق كبير استمر ثلاثة أيام كاد يمحي المدينة من الوجود ، بداية الحريق في ليلة الأحد 2 سبتمبر1666 م كان الخباز توماس فارينو والذي يقطن في شارع بادينج لين قد أوى إلى فراشه هو وعائلته ، وقد كان يسكن في منزل يحتوى على فرنه الذي يعمل فيه أيضاً على غرار أصحاب الحرف الأخرى الذين يسكنون في منازل تضم متاجرهم و ورشهم ، لكن فجأة اشتعلت النيران في فرن توماس و بدأ زحف النيران بسرعة كبيرة ، فالمنزل مصنوع من الخشب ومغطى بالقش ، فاحترق المنزل وحوصرت عائلة توماس في أعلى المنزل ، لكنهم استطاعوا الفرار عن طريق التسلق إلى المنزل المجاور فقد كانت المنازل متقاربة ، لكن احدى الخادمات لم تستطع التسلق فوقعت وكانت أول ضحية لحريق لندن الكبير ،

ابتدأ الحريق من فرن توماس و انتشر بين اكواخ الخشب بسرعة

وقد هرع الجيران للمساعدة و حاولوا إطفاء الحريق بكل الوسائل المتاحة ، لكن الحريق كان قد انتشر بسرعة كبيرة ، و بعد حضور رجال الإطفاء وعدم قدرتهم على السيطرة على الحريق رأوا أنه لا بد من هدم بعض البيوت لمحاصرة النار ومنعها من الانتشار ، لكن السكان اعترضوا بشدة و اُستدعى عمدة لندن ، لكن العمدة تردد في اتخاذ قرار جاد للسيطرة على الحريق الذي كان يزداد انتشاراً واتساعاً وقد زادت شدة الرياح في سرعة انتشاره كما ساعدت البيوت الخشبية وكثرة المخازن و الورشات في إذكاء النار أكثر فاكثر و رغم المحاولات الحثيثة لإخماد الحريق لكن دون جدوى ،

كانت وسائل الأطفاء بدائية و غير فعالة 
 
ففي يوم الأثنين انتشر الحريق ليصل قلب مدينة لندن ، و ما زاد الطين بلة هو انتشار شائعات بين السكان الخائفين والمذعورين بأن مجموعة من المهاجرين هي من أشعلت النار لإحراق المدينة وقد اشتبه الفقراء وسكان العشوائيات في الجالية الفرنسية والهولندية باعتبارهم أعداء لإنجلترا خلال الحرب الإنجليزية الهولندية التي كانت ما زلت مستمرة آنذاك ، وهذا ما جعل السكان الخائفين يقومون بالاعتداء على المهاجرين بعنف ومنهم من أُعدم دون محاكمة أيضاً ، رغم استمرار الحريق في الانتشار فبحلول يوم الثلاثاء كانت النار قد وصلت إلى كاتدرائية القديس بولس والتي هرب اليها الكثير من السكان رغم أنها كانت قيد الترميم ومليئة بالخشب فاشتعلت فيها النيران بسهولة وأصبحت النيران قريبة من بلاط الملك تشارلز الثاني في وايت هول ،

رسمة توضح انتشار النار بشكل مرعب في مدينة لندن 

فبالرغم كل الجهود المبذولة إلا أن ضعف الوسائل وبدائيتها عطل الجهود ، كما أن انتشار السكان الهاربين مع عرباتهم المحملة بممتلكاتهم في الشوارع الضيقة عرقل عملية الإخماد أكثر فالازدحام كان شديداً جداً ، كما انتشرت عمليات نهب وسرقة مغتنمة فرصة الفوضى وهروب السكان من منازلهم التي تهددها النيران ، أما الأغنياء فقد هربوا إلى الأرياف القريبة من لندن ، وقد استغل الناقلون الأزمة و رفعوا الأسعار بشكل جنوني لنقل الأفراد وممتلكاتهم خارج منطقة الخطر ،

شهدت لندن موجه نزوح كبيرة فقد حمل
الناس ما استطاعوا حمله و فروا هاربين

أما الفقراء فقد أقاموا مخيمات وافترشوا الشوارع بعد أن فقدوا كل ممتلكاتهم ، كل هذا والنار ما زالت مشتعلة حيث وصلت إلى الأحياء الغنية فهرب الأغنياء وأصحاب البنوك محملين بأكداس القطع الذهبية ، كما التهمت النيران مصالح ومرافق الدولة كمراكز البريد والكنائس عدا المنازل والمتاجر .
 
إخماد الحريق :

ومع وصول الحريق إلى حامية برج لندن عملت هذه الأخيرة على نسف مساحات واسعة من البيوت القريبة لخلق حواجز من النيران من شأنها أن تحول دون تقدمها أكثر ، كما عرفت درجات الحرارة انخفاضاً محسوساً ساعد في عملية الإخماد ،

حتى برج لندن و الكاتدرائية لم يسلما من الحريق 
 
وأخيراً مع نهاية يوم الثلاثاء كانت النيران قد أُخمدت مخلفة خسائر كبيرة الخسائر والدمار خلف حريق لندن الكبير ما قيمته مائة مليون جنيه ، فقد دمر 13500 منزل و87كنيسة و 44نقابة تجارية ومصلحة الجمارك وبورصة التجارة وكاتدرائية القديس بولس ، كما خسر السكان كل ممتلكاتهم وتجارتهم وأعمالهم ،

خريطة توضح انتشار النيران باللون الأحمر 

لكن الغريب في الأمر أن عدد الوفيات قُدّر آنذاك ب 8 أشخاص فقط وهذا ما يصعُب تصديقه نظراً لحجم الحريق الهائل ومخلفاته ، ما جعل المارخين في دراسات حديثة يؤكدون أن العدد أكبر من ذلك بكثير ، حوالي المئات أو الألاف ، ففي ذلك الوقت لم يتم تسجيل الوفيات في المناطق العشوائية وسكان الطبقة الوسطى.

 من أشعل الحريق ؟

إلى حد الأن لم يُعرف السبب الحقيقي للحريق ، فبالرغم من أن الحريق بدأ من فرن الخباز توماس إلا أن الفاعل كان مجهولاً ، و لأنه لا بد من كبش فداء لإسكات السكان الغاضبين فقد أتهم الخباز توماس الساعاتي الفرنسي روبرت هوبرت والذي كان قليل الذكاء بأنه هو من أشعل الحريق لأنه يعمل جاسوس لدى البابا ما أدى إلى اعترافه بإشعاله للحريق ثم أُعدم شنقاً في 28سبتمبر1666 م ،

تم اعدام الساعاتي الفرنسي روبرت هوبرت
بتهمة اشعال حريق لندن 

لكن المحير والطريف في الأمر هو أن الساعاتي روبرت هوبرت لم يكن موجوداً في لندن أثناء الحريق بل دخل لندن بعد يومين من إخماد الحريق.
بالنسبة للهولنديين فقد رأوا أنه عقاب الهي لأن الإنجليز أحرقوا قرية هولندية أثناء الحرب بين هولندا وإنجلترا .

مخلفات الحريق :

من أهم مخلفات الحريق هو إعادة بناء لندن بنفس الطريقة القديمة رغم المشاريع الجديدة المقدمة لإعادة البناء لكن نقص العمال والأموال منع ذلك ، كما أُقيمت محكمة الحريق للنظر في خلافات المستأجرين وأصحاب الأراضي حول من يقوم بإعادة البناء ، كما شجّع الملك السكان على الهجرة من لندن والاستقرار في الضواحي .
أذن لكل مدينة عريقة ماض سحيق مليء بالكوارث والماسي فلا تخدعنا المناظر الخلابة الموجودة اليوم.
 
 

تاريخ النشر : 2020-06-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر