الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الكسندر سيلكيرك – الرجل الوحيد على الجزيرة

بقلم : نور الهدى الاخضرية - الجزائر

بعد مرور الشهور الأولى بدأ الكسندر يتأقلم مع حياته الجديدة
بعد مرور الشهور الأولى بدأ الكسندر يتأقلم مع حياته الجديدة

في هذه الأيام الكثير منا يعاني من الملل وعدم وجود شيء لفعله بسبب البقاء في البيت بسبب جائحة كورونا ، فرغم وجود الأنترنت والتلفاز والكتب إلا أن شكوانا لا تنتهي ، لكن تخيل عزيزي القارئ أن تكون وحيداً في مكان بعيد بدون أي شيء ، فكيف يا تُرى سيكون ردة فعلك ؟ في الحقيقة أنا سأموت من الرعب والملل في نفس الوقت ، لكن هناك من وضعه القدر في مكان كهذا ، فكيف كان حاله يا تُرى ؟ إنه البحار الاسكتلندي الكساندر سلكيرك الذي أتخذ قراراً سرعان ما ندم عليه فيما بعد ، فما هو هذا القرار وكيف ندم عليه ؟ تعالوا لنتعرف على قصة هاذا البحار في هذه المقالة.

 وُلد البحار الكسندر سلكيرك عام 1676 م ، و هو تاريخ مفترض في أقليم فايف في قرية على شاطئ البحر ، كان الأبن السابع لصانع أحذية ، و قد ركب البحر عام 1695م و كان في 19 سنة هرباً من مشاكل عائلية حيث رافق جماعة من القراصنة ثم عاد بعد ست سنوات إلى قريته ، لكنه ما لبث أن اختلف مع أخوته وغادر البيت للمرة الثانية و أبحر عام 1703م بعد انضمامه للقبطان دامبير في رحلة لمطاردة القراصنة في البحار الجنوبية ، ثم انتقل إلى سفينة سينكي بورتس كربان.

تمثال لسيلكيرك ينتظر الإنقاذ وهو مكسو بجلد الماعز، نحتت من قبل توماس ستيوارت بيرنيت 1885

 أصبح الكسندر بحاراً و سرعان ما أصبح رئيساً للبحارة في احدى السفن الحربية عام 1704 م ، كانت هذه السفينة تجوب البحار في المناطق الجنوبية على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية حيث توقفت عند أرخبيل خوان فرنانديز ، والضبط في جزيرة ماس تييرا لتتزود بالمياه ، وهناك نشب خلاف حاد على ظهر السفينة بين الكسندر وبين قبطان السفينة توماس سترادلينغ و في نوبة غضب أتخذ الكسندر قراراً متسرعاً سرعان ما ندم عليه أشد الندم ، حيث طلب من قبطان السفينة تركه مع حاجياته في الجزيرة لأنه قرر البقاء فيها ، لكن عند استعداد السفينة للرحيل تراجع الكسندر عن قراره لكن الوقت كان قد فات على التراجع فقبطان السفينة رفض عودته اليها وغادرت السفينة تاركة الكسندر وحيداً على الجزيرة و معه بعضاً من المتاع منها حقيبة البحارة خاصته ،

 
 غادرت السفينة تاركة الكسندر وحيداً
على الجزيرة و معه بعضاً من المتاع

و بعض الملابس والبطانيات ، و بندقية و بارود ، و صندوق طلقات نارية ، قداحة من حجر الصوان ، كيس من التبغ ، سكين و بلطة و أبريق لغلي الماء ، وأيضاً كتاب الإنجيل وكتاب أناشيد ، هذا كل ما كان مع الكسندر وهو يشاهد السفينة تغادر تاركة إياه في هذه الجزيرة الموحشة ، لكن رغم ذلك كان لالكسندر أمل في مرور سفينة سان جورج بقيادة القبطان دامبير ، فكثير من السفن تتوقف في بعض الجزر للإصلاحات أو للراحة و التزود بالماء ، لكن انتظاره طال كثيراً حتى نسيه الكسندر نفسه ولم يعد يفكر فيه.

الحياة في الجزيرة :

كانت جزيرة ماس تييرا ذات مساحة 19كلم طولاً و7،5 في أقصى عرض لها و تبعد عن ساحل الشيلي ب650 كلم ، وكانت الأيام الأولى لالكسندر شديدة القسوة مليئة بالخوف والحزن والاسى على حاله ، فخلال الثمانية الأشهر الأولى حاول بكل الطرق أن يتأقلم مع الحياة الجديدة في الجزيرة ، لكن ذلك كان صعباً جداً ،

خريطة لجزيرة ماس تييرا حيث عاش
 الكسندر سلكيرك  وحيداً بسنوات

كان كل يوم يجلس على الشاطئ يتأمل البحر والآفق حتى مغيب الشمس على أمل مرور سفينة ، وبعد مغيب الشمس يبدأ الأسوأ فسماع أصوات الحيوانات ليلاً كان يجعله لا ينام و يموت من شدة الرعب والخوف ، فالسكون و صدى أصوات الحيوانات كان لا يُحتمل و يزيد من وحشة الظلام والوحدة والعزلة ويذكره بمأساته ، أما خلال النهار فكان يسير مخاطباً نفسه أحياناً ويبكي أحياناً أخرى حتى كاد أن ينتحر .

 الحياة الجديدة :

بعد مرور الشهور الأولى بدأ الكسندر يتأقلم مع حياته الجديدة واستعاد شجاعته وتعود على الوحدة والسكون فقد قام ببناء كوخين الأول ينام فيه ويقرأ وينشد أناشيده ، والثاني يخزّن طعامه الذي يجمعه فيه حيث قام باصطياد السلاحف و أكلها حتى مل من أكلها ، كما قام باصطياد الماعز الموجود في الجزيرة وصنع من جلودها سروالين خاطهما بواسطة مسمار ، كما استعمل عظامها كأدوات ، وجعلها كأصدقاء له تؤنسه في وحدته ، كما صادق كلاب البحر أيضاً.

قام ببناء كوخين و سكن في أححدهما و كان يقرأ كتاب الأناشيد 

أما بخصوص التدفئة أو النور فكان يوقد النار من خشب شجرة الفلفل ذو الرائحة الجميلة ، و رغم افتقاده لبعض الضروريات مثل الدواء والحبر والورق والملح والدقيق وكذا مشروب الروم الذي يحبه إلا أنه استطاع أن ينوع في غذائه فاصطاد الجمبري و جمع جذور النباتات و أكل لحم الماعز وقطف البرقوق البري ، وهكذا استطاع أن ينقذ نفسه من الجوع ، وصنع لنفسه أدوات تساعده في حياته اليومية ، كما صنع سكيناً من الأحزمة المعدنية لبرميل.

كان الكسندر يشعل النار لطرد الحيوانات المفترسة
و أملاً في أن تراه السفن المارة بالقرب من الجزيرة 
لكن حياته لم تخلو من المنغصات و أكبر إزعاج لالكسندر كانت الفئران ، فقد كانت تدخل كوخه وتعض قدميه وملابسه وتأكل طعامه ، إلى أن استطاع تربية بعض القطط التي تركتها بعض السفن سابقاً فتوالدت وتكاثرت وقضت على الفئران ، وعندما لا يكون لالكسندر عمل يقوم به كان يقرأ في كتاب الأناشيد و الإنجيل ليؤنس نفسه ، و قد جعلته الوحدة والعزلة أكثر تديناً من ذي قبل ، و قد كاد أن ينسى لغته لبقائه وحيداً فقد نسي بعض معاني الكلمات.
وهكذا مرت الأيام والشهور والسنين بالكسندر .

الانقاذ:

 استمر حال الكسندر في الجزيرة على نفس المنوال ، لكن في يوم 31 يناير1709 م وصل القبطان وودز روجر قبطان باخرة ديوك إلى جزر خوان فرنانديز ، وما أن حل المساء حتى شاهدوا إشارات ضوئية من جزيرة ماس تييرا ، فاعتقدوا أنها سفينة راسية هناك ، لكن بعد أن تفقدوا الأمر صدموا بمنظر الكسندر الذي كان مرعباً فعرفوا بقصته

صدم البحارة من منظر الكسندر
الذي تحول الى رجل غابة 

و قد وجدوا صعوبة في فهم كلامه لأنه كان قد نسي الكثير من المفردات ، وأخذوه معهم بعد أن قضى  4 سنوات و أربعة أشهر في تلك الجزيرة ، و قد جعل ربان السفينة وليام دامبير الكسندر زميلاً له وأعطاه سفينة انكريز لقيادتها في مارس من نفس السنة و وصلوا إلى إنجلترا في عام 1711 م.

 عاد الكسندر إلى وطنه سليماً لكن منهكاً ، لكنه سرعان ما تعود على لبس الأحذية ونطق الأحرف بسلاسة ، وفي العام التالي نشر القبطان روجرز كتابه " رحلة حول العالم " الذي كان سبباً في شهرة الكسندر سلكريك ، كما روى قصة الكسندر كاتب المقالات ريتشارد ستيل في صحيفة الإنجليزي عام 1713 م ،

عاد الكسندر إلى وطنه سليماً لكن منهكاً
 
وهنا لا بد من ذكر الكاتب دانيال ديفو الذي بنى قصته المشهورة عالمياً المسماة روبنسون كروزويه على أحداث قصة الكسندر ، فقد كانت حياة الكسندر ملهمة لدانيال في كتابة روايته ، واليوم في أرخبيل خوان فرنانديز توجد جزيرة باسم روبنسون كرزويه وجزيرة ماس تييرا أصبحت تُعرف بجزيرة سلكيرك ، وقد توفي الكسندر عام 1721 م بمرض الحمى الصفراء.

تم تأليف كتاب يحكي قصة الكسندركما كانت
قصته ملهمة لكتابة رواية روبنسون كروزو
في الأخير لكل من يعاني الوحدة والملل عليه أن يشكر الله لوجود الناس معه على الأقل ، فالحديث مع الناس نعمة قد لا نعرف قيمتها إلا عند فقدانها. و أنتم أعزائي القراء ما رأيكم في الوحدة والعزلة هل تتحملونها ؟.

المصادر : 

تاريخ النشر : 2020-07-07

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر