الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

التضحية القاتلة: علماء اختاروا الموت جوعاً برغم كثرة الطعام حولهم

بقلم : متابعة موقع كابوس - العراق

هل كان تصرفهم صحيحا اثناء تلك المحنة العظيمة
هل كان تصرفهم صحيحا اثناء تلك المحنة العظيمة

تعتبر مدينة لينينغراد الروسية ( سان بطرسبرغ حالياً ) ذات وضع استراتيجي مهم باعتبارها عاصمة سابقة لروسيا وأيضاً كعاصمة رمزية للثورة الروسية وأهمية المدينة العسكرية كقاعدة رئيسية لإسطول بحر البلطيق السوفييتي وقوتها الصناعية التي تضم العديد من مصانع الأسلحة ، ونظراً لتلك الأهمية كان الاستيلاء على لينينغراد في الحرب العالمية الثانية أحد الأهداف الاستراتيجية الثلاث لعملية بربروسا الألمانية ( وهو الاسم الرمزي الذي أُطلق على عملية غزو الاتحاد الاتحاد السوفييتي ) وكان من الواضح أن هدف هتلر هو تدمير المدينة وقتل سكانها .

حصار لينينغراد Siege Of Leningrad

المضادات الروسية اثناء الحصار

في عام 1941 كانت القوات العسكرية الألمانية بالتعاون مع القوات الفنلندية تسعى لتطويق لينينغراد مع المواظبة على فرض حصار وبالتالي قطع جميع الاتصلات مع المدينة ومنعها من تلقي أي امدادات ، وعلى الرغم من مشاركة فنلندا في الحصار إلا أن مهمتها تتضمن بشكل رئيسي استرداد أراضيها التي احتلها الاتحاد السوفييتي وبذلك فإن معظم مشاركة فنلندا كانت دفاعية فقط .

كانت الغذاء هو سلاح الالمان الرئيسي ضد المواطنين الروس ، فحسب دراسات قام بها علماء ألمان أشارت إلى أن لينينغراد سوف تتفشى فيها المجاعة خلال أسابيع قليلة ، وبذلك تم ابلاغ السكان المدنيين في لينينغراد بالخطر وسارعوا لتعبئة أكثر من مليون مواطن لتشييد وبناء التحصينات والعديد من خطوط الدفاع على طول محيط المدينة لصد القوات الألمانية القادمة من الشمال والجنوب وتم انشاء الحواجز الخشبية والأسلاك الشائكة والخنادق المضادة للدبابات التي تم حفرها من قبل المدنيين .

راهن الالمان على استسلام المدينة جراء الجوع
قاتل المدافعون السوفييت حتى الموت لكن القوات الألمانية واصلت تقدمها نحو لينينغراد بعد انسحاب القوات السوفييتية من الجبهة الشمالية الغربية وكان لهذا التقدم تأثير لإنشاء مواقع حصار بهدف عزل لينينغراد من جميع الاتجاهات ، كانت خطة هتلر هي قطع جميع طرق امدادات المواد الغذائية إلى المدينة التي يبلغ مجموع سكانها 3 ملايين نسمة ، أعلن هتلر في خطاب ألقاه في ميونخ عام 1941 قائلاً : ( يجب أن تموت لينينغراد من الجوع ) .

ومع تدفق الجيش الألماني إلى المدينة استمر القصف المدفعي العنيف مدمراً المصانع والمدارس والمستشفيات ومنازل المدنيين ، تم إجلاء جزء من السكان لكن العديد منهم قُتل خلال الغارات الجوية وتوفي آخرون بسبب الجوع والبرد القارص أثناء محاولتهم الفرار من المدينة ، كان من المستحيل دفن الجثث أو احصاء أعداد القتلى في ظل الظروف القاسية المتمثلة في القصف المستمر من قبل القوات الألمانية .

قام الألمان بتطويق لينينغراد بالكامل وقطع جميع الامدادات إلى المدينة وأصبحت معظم الخدمات العامة مهجورة ، وخلال فترة الحصار كان فصل الشتاء يسجل فيه أعلى نسبة الوفيات بين السكان ، وبسبب نقص امدادات الطاقة من النفط والفحم تجمد عشرات الآلاف من المدنيين حتى الموت ، كان خيار الطاقة الوحيد هو قطع الأشجار واستخدامها كحطب للحصول على التدفئة .

تم تدمير أنابيب المياه وبدأ السكان بمحاولة للحصول على مصادر للمياه عن طريق الحفر تحت الأرض الجليدية ، كانت وسائل النقل والسكك الحديدية تم تدميرها بالكامل نتيجة للقصف الجوي والمدفعي العنيف والذي أدى بدوره أيضاً إلى قصف وحرق مستودعات الطعام الرئيسية التي تحوي كميات هائلة من احتياطات الطعام المخزنة مثل الحبوب والدقيق والسكر بالإضافة إلى مخازن الطعام الأخرى ، كان وضعاً مأساوياً لدرجة أن السكر كان يتدفق من المستودعات عبر الأرضيات إلى التربة المحيطة مما أدى بالسكان اليائسين إلى حفر الأرض المتجمدة في محاولة لاستخراج السكر .

عانى المدنيون بشدة جراء القصف والجوع والبرد القارص

استمر القصف والحرائق في جميع أنحاء المدينة دون توقف لعدة أشهر باستخدام أنواع مختلفة من القنابل الحارقة والمتفجرات ، كان حصاراً عسكرياً طويل الأمد استمر حوالي 900 يوم والذي اعتبر من أكثر الحصارات بشاعة في التاريخ الحديث ، جاع مئات الآلاف من السكان وتجمد آخرون حتى الموت في الشوارع أثناء محاولتهم السير لبضعة كيلومترات إلى أكشاك توزيع الطعام في طقس تصل درجة الحرارة فيه إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر ، عندما نفذت احتياطات دقيق الشعير في المدينة اضطر السكان إلى استخدام بدائل أخرى مثل تناول نشارة الخشب والشوفان المخصص للخيول ، وبدأ الناس بتجريد ورق الجدران وإزالة المادة اللاصقة المصنوعة من نشا البطاطا وغليها بالماء لصنع الحساء ، كما قاموا بغلي الجلود القديمة وتناولها ، دفعت المجاعة الناس إلى أكل حيواناتهم الأليفة والطيور ولجئوا إلى حديقة الحيوان واستهلاك لحوم تلك الحيوانات ، دفع الجوع الشديد البعض إلى أكل جثث الموتى التي تم الحفاظ عليها بسبب انخفاض درجات الحرارة وقاموا ببيع فطائر اللحم المصنوع من لحم بشري مفروم وبدأت ظاهرة أكل لحوم البشر منتشرة بشكل واسع بعد استنفاذ جميع مصادر الغذاء وكانت الجثث التي تم احضارها للمقابر مفقودة .

التضحية القاتلة

أثناء حصار لينينغراد كان هناك مجموعة من علماء النبات الروس مختبئين داخل إحدى البنايات في المدينة مع مخزون هائل من البذور التي قاموا بتهريبها ونقلها من محطة بافلوفسك التجريبية التابعة لمعهد الصناعة النباتية قبل وصول القوات الألمانية إلى لينينغراد ووقوع محطة بافلوفسك في أيدي الألمان واستيلائهم عليها ، لما لتلك المحطة من أهمية كبيرة كمحطة تجارب زراعية وأحد أكبر مستودعات التنوع الجيني للمحاصيل الزراعية في العالم واحتوائها على مجموعة ثمينة من البذور والنباتات الصالحة للأكل بمقدار 220.000 من أنواع النباتات المختلفة .

معهد الصناعات النباتية اليوم .. وصور بعض العلماء الذين مانوا جوعا داخله

خاطر العلماء الروس بحياتهم وحبسوا أنفسهم داخل قبو البناية من أجل انقاذ هذه الكميات الهائلة من البذور وللحيلولة دون وصول القوات الألمانية إليها وكذلك حمايتها من الناس الجياع الذين يجوبون الشوارع بحثاً عن أي شيء يأكلونه ، كانت تضحية وقراراً مستحيلاً اتخذه هؤلاء العلماء بأن لا يأكل أحد منهم أو يلمس كنز البذور الذي بحوزتهم ، تم توزيع العلماء البالغ عددهم 12 عالم على مخازن الطعام لحراستها على مدار الساعة ، كانت الظروف التي وجدوا أنفسهم فيها صعبة للغاية بسبب القصف على المدينة وتحطم زجاج النوافذ مما زاد من برودة المكان لم يكن هناك فحم ولا حطب لاشعاله والحصول على التدفئة كان القبو بارداً ومظلماً قاموا بحرق الصناديق الفارغة والأوراق والكارتون التي جمعوها من المباني المدمرة.

مع استمرار الحصار زادت معاناة العلماء بحيث لم يكن من السهل التعامل مع جوعهم وتواجدهم فوق منجم ذهب من البذور من جهة ومع وازعهم الأخلاقي الذي يحتم عليهم حماية بنك البذور في حين كان هناك مئات الآلاف من الناس يموتون من الجوع في الخارج ، بمرور الأيام والأسابيع زاد نحول أجسادهم وأصابهم التعب والهزال الشديد وبالرغم من ذلك لم يتجرؤوا ليتناولوا حبة واحدة من البذور وبدؤوا يموتون من الجوع واحداً بعد الآخر ومن هؤلاء العلماء الكسندر ستشوكين Alexander Stchukin المتخصص في الفول السوداني والذي توفي على طاولة كتابته ، وعالم النبات ديمتري ايفانوف Demitri Ivanov عالم النباتات الطبية وُجد ميتاً من الجوع وهو محاط بآلاف العبوات من الأرز التي كان مسؤولاً عن حمايتها ، والعالم جورجي كليير Georgi Kriyer .

الأساب التي دفعت العلماء لهذه التضحية

قد يُنظر إلى أفعال هؤلاء العلماء بأنها تتسم بالأنانية والظلم الشديد عندما حرموا أنفسهم والناس الجياع من هذا الكم الهائل من الطعام والذي كان بمقدورهم انقاذ حياتهم وحياة الكثيرين من الموت جوعاً ، لتبرير أفعالهم كان العلماء يرون أن فكرة التخلي عن البذور غير واردة وكان من المستحيل التفريط بها لصالح السكان لعدة أسباب من اهمها أن السكان سوف لن يستخدموا البذور لزراعتها بل سوف ينقضون عليها ليأكلوها لسد جوعهم ، ولأن زراعة البذور تستغرق عدة أشهر لتنتج الثمار وما فائدة الانتظار طوال هذه المدة الطويلة اذا كان الناس الجياع يموتون في غضون أسابيع قليلة ، وعند تخلي العلماء عن البذور فإنهم بذلك سوف يتجنبون موت بضعة آلاف من الناس لمدة أسبوع أو أكثر لكنهم كان لديهم هدف أنبل وأسمى من ذلك حسب رؤيتهم وهو زراعة تلك البذور لانتاج الغذاء لتخليص أعداد أكبر من الناس الجياع تقدر بالملايين في أنحاء روسيا من المجاعة والموت .

صورة لعائلة اثناء المجاعة الكبرى في الهند 1876 .. لعل معظمنا لم يرى مجاعة في حياته .. لكن المجاعات كانت تحدث كثيرا في السابق

استخلص العلماء تلك الفكرة من تجارب سابقة مأساوية خاضها الاتحاد السوفييتي بين عامي 1932 - 1933 عندما أساء الاتحاد السوفييتي إدارة مزارعه إلى حد مروع مما أدى إلى انتشار المجاعات عبر أوكرانيا وقتلت الملايين من الناس بما سمي بالهولودومور The Holodomor المشتقة من to kill by starvation (القتل عن طريق المجاعة) ويشار إليها بالمجاعة الكبرى أو الإبادة الجماعية الأوكرانية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ أوكرانيا وكانت جزء من المجاعة السوفييتية الأوسع التي أثرت على المناطق الرئيسية المنتجة للحبوب في البلاد ، يعتقد بعض العلماء أن المجاعة خُططت من قبل ستالين للقضاء على حركة الاستقلال الأوكرانية بينما يجادل بعض المؤرخين في وصفها بأنها إبادة جماعية .

وانطلاقاً من تلك الحقبة المظلمة في تاريخ الاتحاد السوفييتي آمن علماء النبات الروس بأنه يجب أخذ كافة الاحتياطات والتدابير اللازمة من تخزين البذور والغذاء تحسباً لأي طاريء في المستقبل لزراعة البذور والقضاء على المجاعات التي تهدد أرواح الملايين من السكان ليس في روسيا فحسب بل في جميع أنحاء العالم ، أدت تلك التضحية بحياتهم في سبيل حماية المستقبل الزراعي للبشرية والحفاظ على بذور العلم للأجيال القادمة وقد استفادت العديد من الدول من تلك المبادرة منها الولايات المتحدة الأمريكية التي أنتجت العديد من المحاصيل الزراعية اليوم نتيجة تكاثر مع أصناف البذور التي أنقذها العلماء الروس .

تضم المحطة في الوقت الحاضر 325.000 عينة من البذور بما في ذلك أكبر مجموعة من بذور الفاكهة في العالم ، لم يتم العثور على مثيل لهذه المجموعة في أي محموعات علمية أخرى .

نهاية الحصار

نجح الروس اخيرا في فك الحصار الخانق

في السابع والعشرين من يناير عام 1944 انتهى حصار لينينغراد بعد جهد مشترك من قبل الجيش وأسطول بحر البلطيق الروسي لتوجيه الضربة النهائية للقوات الألمانية حيث اضطروا إلى التراجع والأنسحاب خارج المدينة وتمكن الجيش الاحمر الروسي من فتح معبر بري حيوي للمدينة للحصول على الامدادات التي تشتد الحاجة إليها ، قتلت القنابل والرصاص أعداد كبيرة من الناس بينما فتكت المجاعة بارواح العديد منهم ، تشير التقديرات إلى أن اعداد القتلى في هذا الحصار أكثر من الخسائر البريطانية والامريكية مجتمعة في الحرب العالمية الثانية أو بعبارة أخرى ان حصار لينينغراد أودى بحياة أكثر من اعداد ضحايا قصف مدينتي هامبورغ ودريسدن الألمانيتين ووضحايا هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين .

بحلول نهاية الحصار أصبحت لينينغراد مدينة أشباح فارغة تضم الآلاف من المنازل المهجورة والمدمرة حيث قام الجيش الألماني بسرقة المنازل في ضواحي المدينة ونهب المقتنيات الثمينة لقصور قياصرة روسيا قبل تدميرها وسرقة العديد من المعالم التاريخية ونقل كميات لا تحصى من الأعمال الفنية إلى ألمانيا .

في فبراير بدأ الناجون بالعودة إلى لينينغراد ، كانت البنية التحتية للمدينة مدمرة وبدؤوا بإصلاح وإعادة إعمار الصناعات والمدارس والمستشفيات المدمرة ورغم ذلك تسببت انفجارات الألغام الأرضية التي خلفها الالمان في مقتل الآلاف من المواطنين العائدين ، تسببت الخسائر الاقتصادية والبشرية بأضرار لا تحصى للمواقع التاريخية والمعالم الثقافية للمدينة ولا يزال الكثير من الضرر مرئياً حتى اليوم ، تسبب الحصار بصدمة كبيرة لعدة أجيال بعد الحرب .

العالِم الذي انقذ البشرية من المجاعة يموت جوعاً

نيكولاي فافيلوف .. دار حول العالم جامعا بذور النباتات

كان بنك البذور الذي مات علماء النبات وهم يحرسونه الأول من نوعه تم تأسيسه عام 1926 من قبل نيقولاي فافيلوف Nikolai Vavilov الذي يعتبر من اهم علماء النبات والوراثة في روسيا وأكبر مستكشف للنبات في العالم ومن الجدير بالذكر انه لم يكن ضمن مجموعة العلماء الذين حرسوا بنك البذور ، ولد عام 1887 لعائلة تجارية في موسكو وكان مهووساً في سن مبكرة بإنهاء المجاعات في كل من وطنه روسيا والعالم بعد تكرار فشل زراعة المحاصيل الزراعية وتوفير الغذاء في بعض القرى الريفية الفقيرة ، لذلك كرس حياته لدراسة وتحسين البذور مثل القمح والذرة ومحاصيل الحبوب الاخرى التي تدعم سكان العالم ، تخرج فافيلوف من معهد موسكو الزراعي وسافر إلى أوروبا لدراسة مناعة النبات وكان استاذاً في كلية الهندسة الزراعية في ساتاروف في روسيا .

قام الكاتب غاري بول نبهان Gary Paul Nabhan بكتابة سيرة فافيلوف في كتابه (من أين يأتي طعامنا) Where Our Food Comes From واشار بان فافيلوف بدأ بجمع البذور من جميع أنحاء العالم منذ عام 1916 وبكميات كبيرة جداً بحيث لم يستطع أي شخص آخر جمعها في تاريخ البشرية ، كان بافيلوف من بين العلماء الذين توقعوا اختفاء التنوع الوراثي (أي اختفاء انواع من النباتات ) وادراك التأثير الكارثي المحتمل الذي سيحدث على انتاجنا الغذائي ، سافر بافيلوف عبر جميع القارات وزار 64 دولة لجمع أصناف النباتات وعينات من المحاصيل الزراعية وكان من أوائل العلماء الذين استمعوا إلى المزارعين التقليديين واستطاع أن يتعلم 15 لغة كي يتمكن من التحدث مع الفلاحين البسطاء وتعليمهم أسس الزراعة الحديثة والتأكيد على اهمية تنوع البذور في حقولهم الذي سوف ينتج محاصيل غذائية متنوعة للحصول على صحة افضل للإنسان وعلمهم كيفية مكافحة الآفات الزراعية وتكيف النباتات مع المناخات المختلفة ، كان فافيلوف يحلم بمستقبل تتمكن فيه العلوم الزراعية من انتاج نباتات متنوعة تنمو في أي بيئة وبالتالي إنهاء المجاعات حول العالم .
بعد السفر عبر مئات الرحلات والتي تقدر بحوالي 115 رحلة استكشافية قام فافيلوف بتأسيس محطة بافلوفسك التجريبية The Pavlovsk Experimental station كجزء من معهد الصناعة النباتية الذي يقع في بافلوفسك في لينينغراد .

تروفيم ليسينكو العالم الانتهازي الذي تسبب في موت الملايين بالمجاعة

لم يكن هناك الكثير من العدل في زمن ستالين عندما تم الإعلان عن عالم شاب متخصص في الزراعة يدعى تروفيم ليسينكو طور تقنية زراعية جديدة من شانها انقاذ الامة من المجاعات تنطوي على اخضاع المحاصيل الزراعة للبرودة الشديدة من أجل اجبارها على الزدهار في الربيع وتعرف باسم المعالجة بالبرد Vernalization لم تنتج هذه العمليات سوى محصول غذائي بشكل هامشي وليس باضعاف بثلاث أو اربع مرات كما ادعى ليسينكو ، كان ليسينكو انتهازياً سياسياً وسرعان ما نال إعجاب ستالين بدعم من وسائل الإعلام السوفييتية التي بالغت في نجاحاته وقمعت اخفاقاته ، استخدم ليسينكو نفوذه السياسي لقمع الآراء المعارضة لنظرياته وسجن منتقديه وتهميشهم وشجب أي شخص يحاول معارضة اساليبه ، ومنذ عام 1934 - 1940 تحت تحذيرات ليسينكو وبموافقة ستالين تم سجن أكثر من 3000 عالم من علماء الاحياء والوراثة أو طردهم أو إعدامهم لمحاولتهم انتقاده .

قام ليسينكو بتطوير حركة علمية زائفة تدعى الليسينكووية Lysenkoism وهي حملة سياسية ضد علوم الزراعة المبنية على أسس علمية ، قام بافيلوف بانتقاد مفاهيم ليسينكو ونتيجة لذلك تم القاء القبض على بافيلوف عام 1940 بينما كان في رحلة استكشافية إلى أوكرانيا وتم الحكم عليه بالإعدام وفي عام 1943 خفف الحكم إلى السجن عشرين عاماً ، لم يكن أحد يعرف مكانه حتى علماء معهد الصناعة النباتية لم تكن لديهم فكرة عن وجود رئيسهم أثناء حراستهم لبنك البذور ، توفي بافيلوف في السجن بظروف غامضة لكنه كان من الواضح أنها مرتبطة بأجواء السجن القاسية حيث أشارت الوثائق الطبية انه تم إدخاله إلى مستشفى السجن قبل أيام قليلة من وفاته وتشخيص حالته بالتهاب الرئة والضمور فضلاً عن الضعف العام لكن السبب المباشر للوفاة هو تراجع نشاط القلب ويؤكد بعض المؤلفين أن السبب الفعلي للوفاة هو الجوع .

توفي فافيلوف العالم الذي علم البشرية أهمية التنوع الزراعي بعدما أمضى خمسين عاماً من حياته وهو يحاول القضاء على المجاعات ولسخرية القدر يموت فافيلوف من الجوع في أحد سجون ستالين .

قبو سفالبارد العالمي للبذور Svalbard Global Seed Vault

مدخل قبو سفالبارد او قبو يوم الحساب كما يسمونه على اساس انه سيكون الامل الاخير للبشرية لو حلت كارثة بيئية عالمية

يقدر الخبراء أنه تم فقدان أكثر من نصف أنواع الطعام في العالم خلال القرن الماضي بسبب تغير المناخ الذي قضى على عدد غير قليل من أنواع النباتات ، ومن المتوقع أنه في عام 2045 سوف يصل عدد سكان العالم إلى تسعة مليارات نسمة ويقول أحد الخبراء أنه من المهم مضاعفة الانتاج الغذائي لمواكبة الطلب بالنظر إلى التحديات التي يفرضها التعير المناخي والتحول المستمر للأمراض ، وقد أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى إيجاد طرق لزيادة انتاج الغذاء دون تفاقم الأمراض التي تنتج من خلال وفرة الزراعة الصناعية بعدما أصبح العالم يعتمد بشكل متزايد على الحلول التي تستخدم التكنولوجيا بشكل واسع ، ومع ذلك فان أفضل الطرق لتأمين مستقبل الغذاء يعتمد على الحفاظ على الأطعمة المزروعة محلياً في الماضي والتي تكون مخزنة في بنوك للبذور مثل قبو سفالبارد العالمي الذي يقع في جزيرة سبيتسبيرغن في النرويج على بعد 1300 كيلومتر جنوب القطب الشمالي في كهف تحت الأرض ، يحوي القبو على مساحات قادرة على استيعاب ما يقرب من 4.5 مليون نوع من أصناف البذور ، يعتبر القبو بوليصة تأمين عالمية ضد الكوارث النباتية بحيث من الممكن إعادة تشغيل وإنتاج الغذاء في أي مكان على الأرض بعد حدوث كارثة إقليمية أو عالمية .

على الرغم من وجود 1400 بنك للبذور حول العالم إلا أنها تقع في دول غير مستقرة سياسياً أو مهددة بيئياً كما حصل في السنوات الأخيرة عندما تم تدمير بعض البنوك الجينية الوطنية بسبب الحروب والصراعات الأهلية .

تم افتتاح القبو عام 2008 وخلال العام الاول تم تخزين حوالي 400.000 عينة من البذور وفي عام 2013 ارتفع عدد العينات إلى 770.000عينة ، تم بناء القبو بعمق 120 متر داخل جبل من الحجر الرملي واعتبر القبو مثالياً بسبب افتقاره إلى النشاط التكتوتي Tectonic Activity وهي ظاهرة حدوث تغيير في تركيب القشرة الأرضية وكذلك وجود الجليد الدائم التجمد الذي يساعد على الحفاظ على القبو .

يتم تعبئة البذور في عبوات خاصة واحكام اغلاقها لاستبعاد الرطوبة ، يوفر الفحم الطاقة لوحدات التبريد التي التي تخزن البذورعند 18 درجة مئوية تحت الصفر ، يتم تمويل البناء من قبل الحكومة النرويجية ودفع التكاليف الانتاجية من قبل النرويج والصندوق العالمي لتنوع المحاصيل ويأتي التمويل الأساسي للصندوق من منظمات مثل مؤسسة بيل وميليندا غيتس ومن مختلف الحكومات من جميع أنحاء العالم .

*****

اخيراً عزيزي القاريء هل تتفق مع علماء النبات بما قاموا بفعله من حرمان الناس الجياع من الطعام ؟ واذا كنت تعارضهم ما هو البديل لتأمين مستقبل غذائي للبشرية في حال وقوع كارثة طبيعية أو حدوث مجاعات بأسباب تتعلق بتغير المناخ أو غيرها .

المصادر :

- The Scientists Who Starved to Death Surrounded By Food | Amusing Planet
- SCIENTISTS DIED GUARDING SEEDS DURING WWII - Sun Sentinel
- How Nikolay Vavilov, the seed collector who tried to end famine, died of starvation | The Splendid Table
- Preparing for the Apocalypse: Svalbard Global Seed Vault | Amusing Planet
- The Russian Scientists that starved to death in a room full of food
- The men who starved to death to save the world's seeds Russia Beyond
- Effect of siege on Leningrad - Wikipedia
- Nikolai Vavilov - Wikipedia

تاريخ النشر : 2020-08-11

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر