الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

طلاسم العشق

بقلم : ميار الخليل - مصر

بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة
بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة

 
ورقه بداخل زجاجه كُتبت عليها ما لم يستطع لساني النطق به أمام أحد و رميتها في البحر فرمت بها الأمواج إلى شاطئكم فقارئوها لعلكم تتعظون.
 
و ماذا لو خلق الله أمرأة أخرى بعد حواء ، ألم يكن يحق لأدم حبها ، أكان يكفي أنها من بدأت معه الحياه و أن القدر هو من أختارها له لعدم حب أمرأة أخرى ، ألا يحق لأي رجل الاعتراف بأن اختياره الأول لم يعد كافياً لاحتواء روحه ؟ .
 
المعضلة هنا أن النساء يخضعن الرجال لقوانين وضعت لهن ، فأن حبك لأخر ما هو إلا خروج عن النص و ذلك خيانة ، ولكن الحياه لم تضع كلمة خيانة في قاموس الرجال إنما حبه لأخرى ما هو إلا فطرة خُلق بها ، الأولى دائماً تجربة و الثانية إبداع ، الأولى هي النص الممل و الثانية هي جائزة خروجك عن ذلك النص ، الأولى تحفظ معها القواعد والثانية تكسرها معك ، تلك التي تأتي فتفك قيود مسئولياتك و توقظ شغف قتله الروتين .

تلك لم تكن أفكاري قط بل كانت لدي أراء شديدة نحو الرجال تصل إلى حد الاستهزاء بأن أبدية وجودهم لا نفع لها إلا للتكاثر ، و لكنه أتى بتلك الجاذبية ليهزم معتقداتي و يجعل مبادئي كالحرباء تتلون لتبرر علاقتي به ، لا أعلم كيف تسارعت الأحداث و وصلنا إلى ذلك الحد ؟ فقط ما أعلمه أنني رحلت يومها تاركه دمائه تغرق فستانها الأبيض و لا أدري من منا قتلته أولاً ؟.
 
- هل يمكن أن تصفي لي علاقتك بالمجني عليه يا أنسه لحن ؟.
بدأت حبات العرق النابعة من توتري تتجمع على جبيني و أجبت بنصف الحقيقة :
- كان قائد الفرقة الموسيقية التي أنا بها ، نظر إلي و كأن عيناه اخترقت عقلي و علم أنني أكذب فقال بشك :
- فقط ؟ أكان قائداً لفرقتك الموسيقية فقط ، ألم تجمعك به أي علاقه من نوع أخر ، صداقه مثلاً ؟.
- كنا نتبادل أطراف الحديث بين الحين والآخر و لكننا لم نكن أصدقاء مقربون.
أسند وكيل النيابة ظهره إلى كرسيه و بدأ يطقطق أنامله على المكتب و هو ينظر لي بوجه جامد و قال بهدوء :

- إذاً كيف تفسري تلك الرسائل الغرامية التي وجدناها على هاتفه مرسلة من رقمك الشخصي؟.
وقعت كلماته على أذني كالصاعقة و كأن لساني قد أنعقد و بدأت أوصالي ترتعد ، و لعنته بداخلي ألف مرة ، هذا الأحمق كيف يترك تلك الرسائل على هاتفه ، ألم يخف أن تراها زوجته ؟.
ليكمل وكيل النيابة حديثه قائلاً :
- الأن هل تودي أن تخبريني عن علاقتك "بالمايسترو" رامي شاهين بدون كذب هذه المرة؟.
 
بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة ، و ذكرياتنا تتجمع لأشاهدها أمام عيني و أسمع أنينها مختلطاً مع مراره شعوري بفقدانه ليصنعوا معزوفة حزينة أخرى تُضاف إلى معزوفات الفراق.
 
ما كان سؤاله ؟ علاقتي به ! و كيف لكلمات أن تصفها ؟ لقد كان مفردي الذي لا أجمعه أو يُقارن بشيء ، شمس لم تشرق إلا لأجلي ، كان يبتسم لي تلك الابتسامة المشرقة التي لن تراها في حياتك إلا مرة واحدة فيبعث السعادة بي و تنبت جذور الطمأنينة بداخلي ، ما زلت أتذكر لحظة وقع عيناي عليه ، كان أول أيامي في الأوبرا ، أحمل آلتي الموسيقية على ظهري و أخطو أولى خطواتي إلى تحقيق ما تمنيته في الربع قرن الماضي ،

و كان هو يعطينا ظهره ممسكاً بعصاه الأنيقة محركاً إياها كما لو كانت نغمات الموسيقى تتدفق بسلاسة من بين يديه ، توقف العازفين بعد إشارته بالانتهاء ليصفق المتدربين منبهرين بأداء الأوركسترا و هي مجرد بروفه ، و اسرعوا جميعاً إلى الشاب الذي يجلس على "البيانو"، أدهم عواد ذلك الاسم الذي تلألأ في سماء الموسيقي منذ بضع سنوات ، كانت حركات يديه الانسيابية على المفاتيح قادرة على نقلك إلى عالم أخر و إثارة أحاسيس الحزن أو السعادة بداخلك كيفما شاء ، بالإضافة إلى مظهره الجذاب ، و حضوره الظاهري الطاغي جعله فتنه لكل من رآه.

- هل حقاً عرضت عليك أميرة عربية الزواج منها ؟ سألت أحداهن ، فأبتسم أدهم لتظهر غمازتيه و تطيح بالقلوب أرضاً و رد ممازحاً :
- لقد تزوجت الموسيقي منذ سنوات و هي لن تسمح لي بالعبث مع أمرأة أخرى.
أتي صوت رامي الذي كان يتابع الحديث من الصف الأمامي و قال ساخراً :
- إن الموسيقي بريئة من زهدك بالنساء يا صديقي ، لتترك المتدربين الجدد يرونا ما لديهم لعلنا نكتشف أدهم عواد جديد.

نزل أدهم ليجلس بجانبه و بدأت آلة تلو الأخرى في العزف حتى أتي دوري ، جلست ممسكه " الكمان" بيدي و أنا أشعر بالتوتر والاختناق و كان الهواء أصبح ثقيلاً ، فخطأ واحد و يُقضى على حلمي أمام عيناي ، كنت قد اخترت أحد معزوفات "كلاس" التي شبهها البعض بالمسكرة ، أغمضت عيناي و بدأت بالعزف بنغمات متتابعة كثيفة ، و بعد دقائق من عزفي تلاشي توتري و بدأ جسدي يتمايل مع الموسيقي و كأنه أصبح جزءاً منها ، و قبل أن أنهي مقطوعتي سمعت صوت التصفيق لأفتح عيناي بعد انتهائي و أراه جالساً ينظر لي بوجهه الهادئ ، حييت جمهوري الصغير و نزلت تاركة مكاني لعازف أخر .
 
- ما الذي يفرق عازفاً عن أخر في اعتقادك ؟.
كنت أقف وراء الستار بعد انتهاء " البروفة " أستمع لبعض الألحان العشوائية و حديث بعض المتدربين مع العازفين القدامى لأسمع ذلك الصوت قادم من ورائي ، فنظرت لأراه ممسكاً بآلتي الموسيقية بيديه ، فرددت مبتسمة :
- التدريب المستمر و تعلم مقطوعات جديدة على ما أعتقد مايسترو.
أعطاني الاله و أشار لي أن أضعها في وضع الاستعداد للعزف ، و أقترب مني حتى أصبحت المسافة بيننا صغيرة جداً و تبدو حميمية ، فتراجعت إلى الوراء خطوة ، فقال بوجه جاد وملامح خالية من أي تعبير :

- التدريب مهم ، و لكنه ليس سر النجاح ، السر هو المزج.
- مزج ؟.
- الامتزاج بآلاتك الموسيقية ، كل حركة من أصابعك على زند الكمان ، كل انزلاقه للقوس يجب أن تحرر طاقتك الداخلية وتجعلك أنت وآلتك واحد.
مرت بنا ساعات و نحن نجلس نتحدث عن الموسيقي ، ثم تحولت إلى أيام ثم شهور ، كنا نرقص فيها على إيقاع لم يسمعه غيرنا ، حتى أتى ذلك اليوم الذي جلس فيه رامي بجانبي وأبتسم لي قائلاً :
- سأتزوج الشهر المقبل.

كنت أعلم أن خاتمه يزين يد فتاة أخرى قبل حتى أن يقابلني و أن تلك اللحظة أتية لا محالة ، و لكن كيف يخبرني بذلك بوجه مبتسم و كأنني سأسعد بأن أمرأة أخرى ستشاركني به ؟ وددت لحظتها أن أصرخ به " أيها الوغد ، كم مرة قلت لي أنك تحبني ، كم مرة أتيت لي ناقماً على أفعالها معك ، كم من مرة أحزنتك هي وأسعدتك أنا ؟ تلك الأحلام عن أوركسترا عظيمة خاصة بك ، ألم تشاركني إياها لأنها غبية ولا تستطيع قراءة نوته موسيقية ولا حتى فهم لغة الموسيقي ؟ في كل مرة كانت تشعرك بعجزك عن تحقيق مطالبها الساذجة كنت تجد قوتك معي ، لقد استغللتني كوغد حقيقي ، و لكنك الوغد الخاص بي ولن أتركك لأخرى أبداً.
ابتسمت له بهدوء ثم أعطيته ظهري مبتعدة وقلت
- أتمني لك زفافا سعيدا

****

- اذاً أنتِ تنفين إي علاقة لك بقتله ؟.
قالها وكيل النيابة وهو يفك أزرار أكمام قميصه و يثنيه إلى الأعلى ، فنظرت له بثبات و قلت بلهجه تشوبها السخرية :
- سيدي ، أنا لا أعلم حقاً لما تحققون معي ، هل أنا من طعنته في صدره أمام الناس ؟.
- أنني لا أبحث عن جاني بل أبحث عن سبب ، ما الذي يجعل فتاة تقتل زوجها ليلة زفافهم إلا اذا كانت اكتشفت خيانته مثلاً ؟.
- حتى و إن كان يخونها معي ، فهل ذلك شيء يعاقبني عليه القانون ؟.
قطع حديثنا طرقات على الباب أتبعها دخول رجل أدى التحية العسكرية ، ثم قال :
- نتائج الطب الشرعي سيدي.

أعطاها لوكيل النيابة ثم خرج ليستغرق الأخير في قراءتها عدة دقائق ثم نظر لي و على وجهه ابتسامة تحدي :
- هل تعتقدي أنه كان يخونها معك ، أم يخونك معها ؟.
- ما الفرق ؟.
- الفرق أن رامي كان ميت بالفعل قبل أن تطعنه زوجته.
بلعت ريقي بشيء من الخوف و سألت بصوت مرتعش :
- كيف ذلك و قد طعنته أمامنا جميعاً ؟.
- ذلك ما أود معرفته منك ، كيف قتلتي رامي شاهين ؟.

*******

كنت أمشي بذهن شارد في البهو الواسع لدار الأوبرا حتى سمعت صوت أدهم ينادي علي و هو يمشي بخطوات مسرعة تجاهي ، وأمام أعين الجميع الفضولية عرض علي إيصالي في طريقه ، في وقت أخر كنت لأرفض ، و لكن شعوري بأن رامي يقف على بعض أمتار ورائنا جعلني أوافق لعله يشعر بالغيرة.

مرت الأيام و قد توطدت علاقتي بأدهم الذي لم يستطع إخفاء حبه لي و قد اعترف بذلك أمام الأوركسترا بأكملها و هو يجثو على ركبتيه و يطلب مني الزواج منه ، و وافقت حتى أشعلت نيران غيرته أكثر و أكثر، كنت أعلم جيداً أن رامي لا يحبني كما يحب تلك الفتاة ، و لكنه أيضا، يكره وجودي مع رجل غيره ، ذلك الوغد الأناني كيف أحببته ؟.
 
و لكن ما لم أضعه في الحسبان كان صداقة رامي بأدهم ، و يبدو أنهما كانا صديقان إلى درجة جعلت رامي يتجنبني و كأنني لست موجودة ، و ذهبت خطتي أدراج الرياح بل أكاد أجزم أنني صنعت حاجزاً أشد صلابه بيني وبينه ، وغد شريف يخون أمرأته ولكنه يرفض خيانة صديقه.
 
كنت قد استنفذت كل محاولات التقرب من رامي والتي كان يواجهها دائماً بالرفض متحججاً بأن أدهم صديقه منذ الطفولة ولا يستطيع خسارته ، و لم يبقى على زواجه إلا بضعة أيام ، و هنا ظهرت (أم هلال) و من لا يعرفها ؟ أذا أردت عريساً لابنتك العانس فأم هلال لديها الكثير منهم في جعبتها ، إذا أردت من يعاونك في المنزل و يكون أميناً كالذئاب فأم هلال هي اختيارك الأنسب ، كانت تجلس القرفصاء على الأرض و تحكي لأمي أسرار نساء المنطقة جميعهم كما تحكي لهم أسرار بيتنا على ما أعتقد ، في ذلك اليوم جلست بجانبها على الأرض و سألتها ما أن كانت تعرف ساحراً حقيقياً ؟ فخبطت بيدها على صدرها وهي تشهق قائلة باندهاش :

- و ماذا تريدين من رجل كهذا يا أبنتي ؟.
- أريده أن يأتيني برجل أحبه ليتزوجني.
- ألست مخطوبة يا أبنتي ؟ إن كان لا يناسبك فالرجال على قفا من يستطيع أن يحمل ، فلما لا تجربين حظك مع رجل أخر و لا داعي لدخولك ذلك الطريق الأسود ؟.
- لم أسالك النصيحة بل سألتك إن كنتِ تعرفين واحداً أم لا ؟ و يبدو لي أنكِ لا تعرفين.
 
قلت تلك الكلمات بنفاذ صبر ، ولكنها عندما رأتني أدخل ورقة المائة جنيهات في جيبي سال لعابها و شدتني لأجلس بجانبها مجدداً ، و قالت و هي تشدها من بين أصابعي و تضعها في صدرها :
- و من قال إني لا أعلم ؟ أم هلال تعرف كل شيء ولكن وجب علي أن أنصحك حتى لا أحمل ذنبك ، غداً بعد صلاة العشاء سنذهب للشيخ عطيه.
 
بيتاً عادياً في أحد ضواحي مصر القديمة يظهر على أثاثه الحالة المتوسطة لصاحبه ، كانت هناك رائحه بخور غريبة ليس لها مصدر تملئ المكان ، و لكن بخلاف تلك الرائحة لم يظهر شيء مختلف أو مرعب بالشقة أو بالغرفة التي جلس بها الشيخ وراء مكتبه ، فتقدمت أم هلال و قبّلت يده ثم أخذتها المرأة التي أدخلتنا و خرجتا ، كنت أنظر حولي باستغراب فقاطع الشيخ عطية أفكاري و كأنه قرئها و قال بسخرية :

- تلك الأجواء العادية لا تنبا بأنني ساحر أليس كذلك ؟ كان يجب أن أعلّق رأس جدي على الحائط فوقي و أضع إضاءة حمراء خافتة و أصرخ في وجهك بـ " أشتاتا أشتوت".
فلتت مني ضحكة رغماً عني و قلت :
- أعذرني ، تلك أول مرة أذهب بها لساحر ، ولكن لا اعتقد أن طلبي سيكون صعباً على رجل مثلك ، لقد أحببت رجلاً ولكنه سيتزوج من فتاة أخرى الخميس القادم.
جلس في الكرسي المقابل لي و رد :
- و أنتِ تريدين وقف ذلك الزواج .
- ليس فقط إنهائه ، بل أريده أن يكرهها ، أن يبغضها كما يبغض المتعافي من النيكوتين رائحة السجائر ، و أن يأتي إلي راكعاً متذللاً طالباً عفوي و حبي.
 
******

دفنت وجهي بين يدي و بكيت بحرقة و أنا أردد :
- لم أقتله يجب أن تصدقني يا سيدي ، لم أكن أبداً لأؤذي رامي.
ارتشف وكيل النيابة من قهوته و قد ظهر على وجهه علامات التفكير العميق و قال :
- اذاً من فعلها برأيك ؟ من لديه الدافع لتسميم رامي في ليلة زفافه ؟.
نظرت له من بين دموعي و قلت بصوت متهدج :
- لا أعلم ، و لكنه ليس أنا ، لقد قلت لك لم أكن أبداً سأؤذي رامي.

****
 
بعد منتصف الليل بقليل و البيت كله يغط في نوم عميق ، دخلت إلى الحمام وأغلقته جيداً و خلعت ملابسي كلها كما أمر الشيخ ، و بدأت برسم تلك الحروف على جسدي التي كتبها لي الشيخ عطيه في ورقه وأعطاني نوع من الطباشير الأحمر كريه الرائحة لكتابتها ، و بعد انتهائي أشعلت شمعة و أطفأت الإضاءة و جلست أمامها على الأرض و قلبي يرتجف بين أضلعي و أشعر بأن شيء ما يراقبني و سينقض علي في أي لحظة ، و لكنني أكملت ، فغايتي تبرر أي وسيلة و تمحو أي خوف ، شبكت أصابعي ببعضها و أغلقت عيناي و بدأت في ترديد تلك الجملة مائة مرة.

- أقسمت عليك يا أبليس ، يا أبن مره ، يا ابن الطاغوت ، بالذي أخرجك من الجنة و أمرك بالسجود لادم فلم تسجد إلي يوم الوقت المعلوم ، أقسمت عليك أن تجيب قلب رامي أبن زينب لمحبة و طاعة و عشق لحن بنت فريدة العجل ، العجل ، الساعة ، الساعة.
 
بعدها أخذت ثلاث ورقات مقطعة بطريقة معينة وغير مسطرة ، مكتوب بداخلها طلاسم بخط يد الشيخ وأحرقتها ، انتهيت من تلك الأشياء اللعينة التي طلبها مني الشيخ واستحممت سريعاً و دخلت غرفتي ، و لكنني لم أنم تلك الليلة من الخوف.
 
في الصباح ذهبت إلى دار الأوبرا و أنا على أمل أن شيء قد تغير ، و لكن لا شيء ، لم تتغير معاملة رامي لي ولو قليلاً ، ما زال يتجنبني كما هو ، أسرعت إلى الشيخ و أنا غاضبة ، هل قام ذلك الدجال بالنصب علي ؟ أقسم أن أبلغ عنه فليس لدي شيء لأخسره ، دخلت مكتبه و الشرر يتطاير من عيناي بعد أن دفعت سكرتيرته بعيداً ، فشاور لها أن تخرج و تغلق الباب ورائها وابتسم لي ابتسامه فاترة و شاور لي أن أجلس فجلست و كنت علي وشك الحديث ليقاطعني قائلاً :

- أعلم أن السحر قد فشل.
فرددت بسخرية :
- هل فشل السحر أم لم يكن هناك سحراً من الأصل ؟.
لم يفقد وجهه الابتسامة و فتح درج مكتبة وأخرج نقوداً و وضعها أمامي و قال :
- خذي مالك فأنا لست دجالاً ، سأعذر جهلك ولن أحاسبك على ما قلتِ.
أرحت ظهري على الكرسي و قلت بطريقة أكثر تهذيباً :
- لماذا فشل السحر ؟ لقد فعلت ما أمرتني بالضبط.
كان يعد على مسبحته و هو ينظر لي دون أن يظهر على وجهه أي مشاعر و قال بلهجه تقريرية :

- لأننا لا نستطيع صنع سحراً فوق سحر ، عندما غادرتي أمس تذكرت أن هناك فتاة أتت لي منذ سنة أو أكثر بقليل و أعطتني صورة ذلك الشاب وطلبت مني ما طلبتيه أنتِ.
- ما كان أسم تلك الفتاة ؟.
تردد الشيخ قليلاً ثم قال :
- سارة.
صُدمت عندما سمعت ذلك الاسم ، فسارة تلك هي الفتاة التي سيتزوجها رامي بعد أيام ، العاهرة لم يكن ليحبها لولا أنها سحرته ، أن مشاعره نحوي كانت حقيقة اذاً ، و رفضه لي لأنه تحت تأثير السحر ، قلت سريعاً :
- أبطله ، أبطل سحرها.
- لا أستطيع ، فللسحر مدة لا يمكن تقليلها أو إبطاله و إلا انقلب علينا.
- كم مدته ؟.
- عشر سنوات مرت ، منها أكثر من سنة و بقي ثمانية ، و لا أنصحك أن تصارحيه بذلك فللسحر خادم شديد سيؤذي من يحاول فك السحر.
خرجت من عند الشيخ عطيه و قلبي مُثقل و قد تأكد لي شيء واحد فقط أن رامي قد ضاع مني للأبد.

******

- عندما فشلتي في سحره قتلتيه ، أليس كذلك ؟.
- لقد اعترفت بأنني حاولت أن أسحره و لكن قتله لم أكن أبداً لأفعل ذلك.
- ليس هناك شخص أخر لديه الدافع لقتل رامي غيرك ، و يبدو أن حظكً سيء حتى في القتل ، فالسم قتله قبل أن تطعنه زوجته.
 
قاطع حديثه طرقه على الباب ، دخل بعدها رجل أدى التحية و قال : أن هناك رجلاً يقول أن لديه أدله جديدة في القضية ، أمر وكيل النيابة بدخوله ، لأتفاجأ أن ذلك الرجل هو أدهم ، كان وجهه شاحباً للغاية و قد استطالت لحيته ، دخل و وقف أمام وكيل النيابة و قال بهدوء :
- أسمي ادهم عواد ، و أنا من قتلت صديقي رامي شاهين.
 
انتفضت في مكاني وأنا استمع إلى حديثه ! هل يحاول ذلك الأحمق إنقاذي و توريط نفسه ؟ و لكنه أكمل حديثه :

- منذ سنتين تعرفت على سارة وأحببتها كثيراً ، و لكنها لم تبادلني الحب ، و كنت أحكي لرامي عنها كثيراً ، و في يوم وليلى أتى إلي قائلاً : بأنه يحب ساره و هي أيضا تحبه و أنه سيخطبها ، لم استطع أبداً استيعاب أن صديقي يمكن أن يطعنني في ظهري بذلك الشكل ، و حاولت أن أتحدث مع ساره أكثر من مرة و لكنها كانت ترفض دائماً ، وعندما ظهرت لحن و شعرت بأنه يحبها خطبتها لكي يذوق ما أذاقني إياه لأكثر من سنة ، كان غضبي منه يزداد يوماً بعد يوم كلما اقترب موعد الزفاف ،

و في صباح زفافه ذهبت إلى ساره بصور لرامي مع لحن كنت قد التقطتها لهما دون أن يعلما وأخبرتها بأنه سيتزوج لحن عليها لعلها تتركه ، ولكنها تعاملت بهدوء و طردتني ، لم أكن أعلم أبداً بأن تلك الصور ستجعلها تُجن و تقتله ، تركتها يومها  و ذهبت لاستعد مع صديقي لزفافه ، و لكنني كنت اغلي من الداخل ، فوضعت له مقداراً ضئيلاً من السم بداخل العصير دون أن أفكر في عواقب تلك الفعلة ، و ذلك كل ما حدث يا سيدي.
 
مرت خمس سنوات ، تزوجت رجلاً أخر و أنجبت منه طفلتان ، و حتى الأن لا أعلم من منا الجاني و من الضحية ، أم كنا جميعاً ضحايا الحب ؟.

النهاية ....... 

تاريخ النشر : 2020-12-01

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
مزيد قصص
قصص ذات صلة
الموت ألف مرة
Moaead Hl - سوريا
مُليكَة
عُلا النَصراب - مصر
قصص
من تجارب القراء الواقعية
إكتئاب
إنهيار
وعدني بالزواج
Dahlia noire - ارض الله
عجوز شاركتني فراشي
ابو رامي - اليمن
شبح العناية المركزة
عامر صديق - مصر
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje
load
تعليقات و ردود (18)
2020-12-09 03:10:45
user
390308
11 -
مُــتَفْٱئِلَـﮧُ | σρтιмιѕтιc❥
لم يسبق لي ان شدتني قصة بتلك الطريقة وذلك العمق, حقا انتي مبدعة. سحرني اسلوب سردك للقصة جعلني اعيش داخلها كما لو انني فرد او شخصية فيها.
تحياتي لك اولا , وثانيا اتمنى لو ارى لكي مجموعة كبيرة من القصص والرويات.
اود لو انني اجد لكي اي صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي او الانستغرام اود قراءة قصصك يوميا...😊
2020-12-08 14:31:58
user
390237
10 -
حور
انا مش مصدقة حقيقي أنه طلع أدهم هو اللي قتله انا كنت مقتنعة تماما أنها هتطلع لحن ....أحسنتي ❤️
2020-12-07 07:08:33
user
389854
9 -
فؤش
عندما يغطى الحب فلا يعرف
اي شيء
سوا اشباعه
وحب لحن مجنون وساره
كانهما ثنائي
ايضا رامي وادهم اصدقاء بلغة الاعداء
فرقتهما النساء والحب
ادهم يحب ساره
وساره تحب رامي
ولحن تحب رامي
علاقه مجنونه
الحب ليس له سلطان
ابدعتي ا ميار
والمقدمه تكشف جانب مهم
عندنا
2020-12-03 09:38:38
user
388983
8 -
اية
انت مبدعة، العنوان السرد الأحداث وتسلسلها الحبكة النهاية المقدمة كله أكثر من رائع، أستمري بالكتابة ستصبحين كاتبة مشهورة بإذن الله، تحياتي لك
1 - رد من : ميار الخليل
بجد شكرا رأيك فرحني ♥️
وفرحت أكتر إن القصه عجبتك
2020-12-06 07:50:53
2020-12-02 07:29:09
user
388711
7 -
امرأة من هذا الزمان
ما أجملها من قصة...وبرأي الشخصي الأبطال الثلاثة كانو ضحية للشابة سارة...فهي رفضت الأول وسحرت الثاني وسلبت الثالثة حبها....تستحق الخلود في جحيم أبدي...
1 - رد من : ميار الخليل
أعتقد أن المذنب الحقيقي هو الحب اللي بيجبرنا في أوقات نعمل حاجات ضد طبيعتنا
بشكرك ع تعليقك وفرحت أن القصة عجبتك ♥️
2020-12-06 07:53:03
2020-12-01 14:35:23
user
388580
6 -
إبنة الجزائر
القصة جميلة و الألفاظ أعذب و لكن أظن أنني قرأت المقدمة التي حول آدم و حواء قبلا أنا لا أتهمك بالسرقة حاشا إنما أريد أن أتأكد
1 - رد من : ميار الخليل
انا نزلتها جروب أدبي قبل كده يمكن تكوني قرتيها هناك ♥️
فرحت انها عجبتك
2020-12-06 07:54:13
2020-12-01 13:30:48
user
388555
5 -
السمراء
يا للعذوبة ❤ القصة جميلة جداً ، و أتفق مع ملاحظات رنا .
الوصف في بداية القصة و المشاعر و التفاصيل كانت جميلة و متقنة ، لكن النهاية لم تكن بتلك القوة لا أقصد الحبكة فالحبكة ممتازة ، ما أعنيه هو لغة السرد و تعاطي جميع الحاضرين لحظة الإعتراف مع هذا الإعتراف ، هذا رأيي الشخصي .
لو لاحظت لغة السرد في بداية القصة كانت جذابة إحتوت على كل العناصر النفسية و البصرية لكن النهاية لم تكن كذلك كأن أدهم كان يقدم تقريراً و ليس إعتراف جريمة قتل .
هذا بالطبع لا يقلل من روعة القصة و قوتها أيتها الكاتبة ❤
1 - رد من : ميار الخليل
شكرا جدا ع تعليقك واكيد هحاول اصلح أخطائي قدر الإمكان ♥️
2020-12-06 08:02:10
2020-12-01 13:19:12
user
388554
4 -
وليد الهاشمي...
اتحدي اي حد يقول انه قرأ افضل من هذه القصه
والله ماان انتهيت من القراءه حتي اسرعت لرؤية مقالات اخرى للكاتب وحين لم اجد ذهبت لمحرك البحث وكتبت ميارالخليل وللاسف لم اجد نتيجه
انت رائعه بكل ماتعنيه الكلمه
واو مجرد العنوان اعطيه الف من ميه واو كيف يمكنك الكتابه هكذا ياإلهي
تحيه قويه لك
1 - رد من : ميار الخليل
انا بشكرك جدا علي تعليقك اللي حفزني ارجع للكتابة من تاني واوعدك بقصص أكتر ❤️
2020-12-06 08:05:43
2020-12-01 12:17:03
user
388544
3 -
حسين سالم عبشل - محرر -
الصراحة تبرير قوي للرجال و ربما نسخ البعض المقدمة لاستخدامها في الجدل الفلسفي ، على العموم القصة رائعة .
1 - رد من : ميار الخليل
انا قصدت أن الحب اوقات بيغير رأينا ويخلينا نقبل وجهه نظر أو شيء كنا رافضينه
بشكرك جدا علي تعليقك♥️
2020-12-06 08:07:47
2020-12-01 11:05:49
user
388521
2 -
رنا
اممم , لم اجد اي داع لتلك المقدمة من سطرين في البداية , اما البداية الاخرى والتمهيد رائع جدا وتماشى مع القصة بطريقة فنية رائعة .
سانتظر المزيد من ابداع اناملك عى احر من الجمر
1 - رد من : ميار الخليل
بشكرك جدا علي تعليقك ورأيك فرحني واوعدك هحاول اتعلم من أخطائي المرات القادمة ❤️
2020-12-06 08:08:58
2020-12-01 11:00:58
user
388517
1 -
رنا
اوه .... حبكة متقنة , سرد رائع واحداث ولااروع ,
التشويق جذبني وانغمست حتى النخاع, كانت هناك بعض الاخطاء الاملائية الخفيفة لكنها لم تؤث كثيرا
اتمنى لك التوفيق ومزيدا من الابداع
move
1
close