الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

كبت مُذكّرة

بقلم : Mohammed S.Mkh - الأردن

الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة
الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة


أجر نفسي في شارع طويل لا يكاد أن ينتهي ، أمازحها قليلاً لعلها تطاوعني فيما تبقى من مسافة المسير ، أدري بأنها عانت ما عانته من عمل أضحى كالجاثوم ينقض عليها العيش ، أخيراً وصلنا إلى المنزل ، شبه المنزل ، كي أكون صريحاً عليه تطل على تلك المدينة التي غرقت في السواد ، حمقى يظنون أنهم فوقي لكني فوقهم أجمعين !  رياح كانون الثاني تفتح لي تلك القطعة الخشبية التي تسدني عن العالم الخارجي ، ما أكاد أن أدخل حتى أرمي جسدي على ذلك السرير فيأن ، أتقلب للجهة المقابلة فيأن مرة أخرى ، أدري يا صديقي بأنني قد أضحيت عبئاً ثقيلاً عليك لكن اصبر ، ألا يقولون لنا دائماً أن نصبر ؟  يتسلل الدمع لمقلتي ، أغرق قليلاً في الدموع ثم أخلد للنوم.
 
أستيقظ من نومي ، الساعة ما تقارب السادسة مساءً ، أرتدي معطفي القائم على ستين خرقة ملونة ، أريد أن أكون مميزاً ، ألا يحق لي ذلك ؟ ، أجهز قلمي و كتابي صديقاي الوحيدان في هذا الزمن الجائر ، دون نسيان سامر حبذا صديقا مثله ، أخرج إلى قارعة الطريق باحثاً عن مقهى جديد يجدد لقائي معه ، سرعان ما تقع عيني عليه فانسل لداخله ، ثواني معدودة حتى يأتي ذلك النادل الذي أضحى يعريني بنظراته ، قطع شروده التقاء عيني بعينه ، بصوت خالطته السخرية : ماذا تريد ؟ .

- مسدس كي أنهي حياتي ، هامساً في داخلي .
- كوب قهوة إذا سمحت ؟  ذهب لإحضار الطلب ، حينها دخل سامر يتبعه عجوز أسندته الحياة ببعض الحظ.
سامر : أريد أن أعرفك يا حسن إلى صديقي الكاتب.
أنا : مرحباً بك يا سيد ...؟.
العجوز : سمني مثلما شئت ، فأنا لدي كل فترة أسم جديد ، يعتمد عليك و على قدرتك على فهمي.
"عجوز لعين ، هذا ما كان ينقصني ، متفلسف يريد أن يجعل مني أضحوكة ".
- سأسميك العجوز الكاتب ، أنت كاتب ألست كذلك؟.
كان يرفع سيجارته التي تبدو أنها ليست أفضل منه حالاً : نعم كاتب ، و لا أرضى أن أُنادى بغير ذلك.
 
و مغرور أيضاً ، " وعن ماذا تكتب ؟ ".
 
"عن كل ما قُرن بالماضي ، و هذا ما يجعلني فريداً عن كُتاب العصر الحالي الذين أصبحوا عباداً للاسامي لا للقيم ، رحم الله أيامنا ، كنا مثل العلم ، دائمي الوقوف ، لم نسقط يوماً ، و لم نشتكي من تعب و لا مرض و لا فقر ، كنا مثل الجبال الشامخات ، لا نتزعزع ولا نتغير ، رحم الله أيامنا ، عندما كان الفتى منا يحفظ من اللغات ما يجعل منه مترجمي الغرب أضحوكة ، و من نظم الشعر ما يجعل من المتنبي حكاية منسية في صفحات التاريخ " ثم دخل في نوبة من السعال الشديد ، و أكمل " و أنت سمعت أنك كاتب ، عن ماذا تكتب ؟".
كان سامر يتناول الطعام و عينيه تتابع ما يقوله ذلك العجوز :
" أكتب عن كل ما تقع عليه عيني".
" أسمعني".
 
" أيها الحالمون الساهرون المتمسكون بالأمل ، وهم ، أحلام يقظه ، غرقى تناشدون البر من أعالي البحار ، ما دمتم أحياءً فاحلموا ، فلا يحلم سوى الفقراء ، و بماذا سوف يحلم الأغنياء ، بقطع من السماء مثلاً ؟  و يا أيها المتشائمون ففي أرضكم هذه أرض الفخر و الوعود ، يموت فقط الأحرار جوعاً ، و السجناء يعيشون ببطون ممتلئة ، فاستمروا في بؤسكم هذا ، و حاولوا ما استطعتم من القيام بأعمالكم المشبوهة و لا تنفروا من حزنكم ، فلربما كان الحزن الظاهر أفضل من الفرح المكبوت".
 
"كح ، أه لقد ذكرتني بزماني عندما …….".
 
" الآن ابتلع دخانك و أصمت ! ".
 
حضر النادل ، تذكرت أنه آخر الليل الذي أتى حينها من غير أوانه ، تبادلنا النظرات أنا و سامر ، نظرات لم يفهما ذلك العجوز، كيف لا و لقد كنا الهاربون الماكرون من كل مقهى كل ليلة ، بل أن المبالغ التي علينا تجعل من حضارة بابل و الهند أضحوكة.
 
يقول النادل" مبلغ الفاتورة من فصلكم ؟ ".
سامر: " ألا تعرف من هذا ؟ " و كان يشير بأصبعه علي.
النادل: " وماذا به ؟ ".
سامر: " أتعرف عباس محمود العقاد ؟  أنه من مدرسته الأدبية ".
 
قلت له : يا سامر الآن لا ، فلقد وقعنا أخير في الفخ ، و ما قيمة الفاتورة يا سيدي ؟  أجاب بدم بارد . 702 ديناراً " ، إذاً يا صديقي لك منا دينارين و الباقي أعتبرها ديناً ، و لحكمة الله فلقد كان ذلك النادل ذو صدر رحب ، فبعد ما أشبعنا ضرباً لم أرى مثله في حياتي ، أمرنا بغسيل الصحون ! خرجنا من ذلك المقهى متواعدين على عدم العودة إليه مرة أخرى ، أجر نفسي في شارع طويلاً لا يكاد أن ينتهي متحاملاً و مجاملاً لهذا العالم.
 
و ها قد أطل علي الصباح ، لا أدري ربما هي المرة الأولى منذ سنين ، تشتت ألوانه في زجاج نافذتي المكسور آذناً التدخل إلى ثنايا الغرفة ليبعث فيها جزءاً من بهجة فقدتها في جدرانها المصفرة العارية ، أحمل قلمي و دفتري ومرتدياً معطفي الملون لأقصد مقهى جديد تتجدد فيه لقاءاتي الأدبية مع صديقي سامر ، أكاد أن أجزم أن جميع سكان العاصمة قد تواجدوا في شوارعها عند ذلك الصباح البارد ، أحب الصباحات الباردة و أعشق لياليها الأكثر برودة ، تبحث عن الدفء فتغرق في روحك الضعيفة الهزيلة الجريحة ، يداك تصبح أكثر مقدرة على الكتابة و كذلك عقلك فلا تجد وقتاً للنوم الذي يحد فقط من قدراتك !

أمر بين تلك القطع الفولاذية الواقفة بامتداد يد الأزمة ، في تلك الليلة جميع وسائل الأعلام تحدثت بخوف عن ضيف ثقيل حل على بلد بعيد ، ما زلت أنزلق في زقاق الطرقات ، ولما الخوف ؟ القضاء مكتوب فلا يقدم و الرزق محسوب فلا يؤخر ، و أصبح الشغل الشاغل للإعلام تصريحات أحد المسؤولين بأن الذهب يقي من هذا الفيروس و سرعان ما كذبه إعلام الكادحين و أيده من أيده في مواقف أصعب ، وهكذا تعطي للشعب المتعطش قصة و سيخرج لك تفاصيلها و حبكتها و حكمتها في ليلة و ضحاها !.

وصلت إلى المقهى المنشود و سامر لم يصل ، أطالع في وجوه البشر جميعاً ، الخوف تلبس كيان كل واحد منهم بل أضحى كيانه !  ساعتين على محاولة النادل إخراجي من المقهى بهدوء " في حال لم تطلب شيئاً سأطلب منك الخروج" يقابله صوتي البريء " أنتظر أحداً " يقتلني بنظراته ثم يرحل ما زلت حياً ، الوقت قد زاد عن منتصف الليل بقليل و ما زال البشر يركضون في الخارج ، لم أقرأ أنه يُحرم فعل ذاك و لكن بلغة الشعوب كان هذا فعلاً استثنائي ، فالليل لا يولد إلا للفقراء الباحثين عن فتات الحياة المرهفة ! اليأس يتملك مني ، أراقب ذلك النادل حتى يذهب لشخص آخر و ما إن بدر منه ذلك انسل من المقهى مسرعاً و أسئلة تداهم عقلي ، أين سامر ؟ أجر نفسي في شارع طويل لا يكاد أن ينتهي ، أمازحها قليلاً لعلها تطاوعني فيما تبقى من مسافة المسير.
 
الساعة الثالث ، عندما ينام الجميع ولا يستيقظ سوى الحالمون المتأملون في أمل معدوم ، ضيف يقف على شرفات مسكني ، ليست رياح كانون الباردة بل بشري ، بشري يطل علي للمرة الأولى منذ سنين ، أجر جسدي نحو الباب ثم أنظر من ثقبه ، إذاً هو ذلك العجوز اللعين ! ما كدت أن أهرب حتى يلاحقني إلى عزلتي ، منفاي ، بيتي ، ابتسامة خفيفة أذنت له بالدخول ، بادرها بإنزال قبعته المهترئة ، قبل أن تمر هدنة من الصمت.
 
" ألن تسأل عن سبب قدومي ؟ " كان يقولها و هو يبحث عن شيء ليضع عليها معطفه مكتفياً بامتداد يديه.
 
في شرود " بل أريد سؤالك ، كيف عرفت مسكني ؟ ".
- معلقتين من السكر إذا سمحت ؟.
- ماذا ؟.
وهو يعري الغرفة بعينيه فاتحاً علبة سجائره" أريد شاي بمعلقتين من السكر اذا سمحت ".
 
في تلك اللحظة و رغم ما انتابني من بركان غضب كاد أن ينفجر في وجهه إلا أنني رأيت التماعاً في عينيه تلك التي تخفي وراءه جيلاً بأكمله ، حاضره و ماضيه و مستقبله ، أراد أن يفصح عن أمر و أنا سيد الفضول أردت أن أعرفه و إن كانت كلفته كأس شاي بمعلقتين من السكر في فجر ذلك اليوم البارد !.
 
- ها و قد قدمت لك كأس الشاي "الموعود" ألن تخبرني كيف عرفت مسكني ؟.
- لقد تتبعتك.
- تتبعتني ، و كيف تجرؤ على ذلك ؟.
- وأين المشكلة ؟.
- و حتى أبسط حقوقي أن أعيش حياتي بجحيمها و نعيمها وحيداً بسيطاً تُنتهك !.
- يا بُني إن كنت تدعي فعلاً وجود ما تسمي به حقوق و إنسانية لما كنت تعيش في هذه الغرفة البالية ، كلها أسماء رنانة يزداد وقعها بازدياد تكرارها لا بتطبيقها و أليس البشر منذ الأزل تقفص بأحكام سمعوا بها و لم يرونا ؟.
 
ألجمني للحظة و أردفت قائلاً " وما الذي أتى بك في وهذا الوقت ؟.
- لأحدثك عن سامر.
- و ماذا به ؟ لم أره منذ البارحة.
- يمكنك الأن رؤيته ، أنه في سفح الوادي هنالك ، و قد أشار بيديه إلى المدينة المُضاءة ليلاً.
- ما لذي تهذي به ؟ سامر إنسان بسيط لا يقوى على العيش في نفاق تلك المدينة و دجلها المسموم ، وغداً عندما نلتقيه سيحدثك عن مشاعره الجياشة تجاه سكانها.
- حدثني ولكن لن نلتقيه - وقد أصبح صوته المشبع بدخان السجائر أكثر هدوءاً.
 
متهكماً " و من أنت لتحدد……
 
بضحكتك عكست خفاياها بصوت أسى " سامر لقد قُتل " مخرجاً سجائر أخرى لكي يتذوقها.
 
لوهلة شعرت بأن الزمان توقف ، ردني لأرض الواقع صوت ذلك الكهل و هو يجاهد سحب النفس.
" عجوز لعين ، تتسلل على حياتي الشخصية و تقتحم عزلتي ليلاً لكي تلقي نكاتك السخيفة ، إلا يكفي رياء البشر كالجبال على كاهلي لتأتي و تزيدهم ثقلاً ؟ و الأن أخبرني لماذا أتيت حقاً هنا ؟".
 
-أتظنني حقاً أمزح ؟ قد قطعت كل تلك المسافة بمعطفي البالي و قبعتي المهترئة أمام هذا الوحش البارد لكي أختبر مدى صبرك ، بني الحياة ما زالت أمامك لتتعلم الكثير و أولها جلدك ، إن لم تتحكم به ستصبح لقمة سائغة أمام هذا العالم الموحش ، يدك المقبوضة غضباً أولى لك بسطها فالقدر كائن و إن تغيرت ردة فعلك.
قدماي تحملها فخارت قواها أمام وقعها ، و العين مهما تحملت فله طاقتها وقدرتها والدمع عن الشدائد مباح ، وهل هنالك أشد من فقدان من رافقك بالقلم و العقل ؟.
 
بصوت خالطه الدمع : و كيف توفاه الله ؟.
 
- وها قد عرفت الأن سبب قدومي إليك ، غداً عند الساعة 11 صباحاً لقاءنا عند حانة النادل الغاضب لعلنا نستشف حيثيات الأمر ، الأن ما عليك سوى أن تأخذ قسطاً من الراحة أمامنا غداً يوم طويل ، كان يقولها و قد بادر بلبس قبعته المهترئة و مستنداً على عصاه الخشبية.
 
أما أنا فلقد بقيت وحيداً ألتمس لنفسي عذراً لكي أهدأ من روعي فلم أجد ، يتسلل الدمع في مقلتي ، أغرق في الدموع ثم أخلد للنوم.
 
الساعة العاشرة أستيقظ صباحاً و رأسي أضحى محملاً بأطنان من التفكير عاجزاً حتى عن الالتفات لواقع مغاير ، أتدري ذلك الشعور عندما ترى النهاية طريق الخلاص أمامك ، تطلبه ولا يريدك تتمناه ولا يجيبك مكتفياً بالجلوس عند زاوية الغرفة متغزلاً و مستفزاً بك ضاحكاً ؟ لعنه الله يظهر عند الراحة و يختفي عن الحاجة !.

أرتدي معطفي الملون حاملاً كتابي و قلمي ، على ما يبدو هما من تبقيا لي في هذا العالم الموحش حتى الأن ، أخرج من عزلتي هائماً على وجهي كأنني لا أدري طرقات و أنا الذي حفظتها عن ظهر قلب ، كان صباحاً عاصفاً سمح لأوراق كتابي بالتمرد عن حاضنتها لتحاول الانطلاق في هذا العالم الرحب ، و حتى الورق و إن كان ما يحتويه ثقيل يريد التحرر و الخروج من عش الواقع ، و كان له ما أراد لينفجر حراً في سماء الحي ،

مطأطأ الرأس بأصابع مرتعشة أحاول أن أجمع أوراقي مرة أخرى ، يد بيضاء هنالك تجمع الأوراق معي ، أرفع رأسي اذا أرى ملاك بهيئة بشر ، جمال من الطبيعة الأم لا تشوبه شائبة شعرها كالألاف القصائد حبكةً و جمالاً ، و الوجه مثل الشمس نوراً حقيقة و خيالاً ، والعين فيها من سواد قد ترهق المكيالا ، مفتاح قلب الهائمين قد اختفى ، والشعر في وصف الفريد محالاً ، و أنا في داخلي عاجز عن الحديث و الإفصاح ، ول ساني بكل ما مروى و أنشد ألقى وردد لم يستطع أن يبدي سوى "شكراً" بادرتها بإيماءة رأس راضية ثم ترحل بصمت

، هل سلمت روحي لباريها ؟ أنا الأن في جنات الخلد ؟  أم أن الحياة أخيراً أرادت أن تكافئني على ما لقيت منها من أهوال يشيب لها الوجدان ؟ الأكيد أنها هي ذلك الضوء في نهاية النفق ، ضوء أراه يبتعد ويتلاشى شيئا بابتعادها عني باتجاه الجهة المقابلة من الطريق ، حتى يختفي تماماً ، دقائق جعلتني إنسانا آخر ، أكاد أن أجزم بأنني كنت أسعد إنسان على وجه المستديرة ، سعادة استمرت 6 دقائق و يا ليتها كانت أكثر .
 
الساعة الثاني عشر و لقد وصلت أخيراً إلى ملتقاي مع صديقي العجوز ، بادرني بعبس كأنها حمل كل هموم الأرض أو أنني همومها ، فرددتها ببسمة و طلبت منه العفو ، قام من مقعده الخشبي مستقبلاً وجهه تجاه الحانة ، هي تلك الحانة التي التقينا فيه العجوز للمرة الأولى و سامر للمرة الأخيرة ، كان النادل ذو الصدر الرحب يعكس حزنه على كؤوس الشراب الفارغة و من أمامه قسم التحقيقات في المدينة بملابسهم الأنيقة و قبعاتهم السوداء وعبسهم المعروف ، عبس سرعان ما انقلب لفرح وابتهال لقدومنا كأننا في حفلة عائلية ، رجل يبدو أنه في مقتبل الثلاثين ذو بطن ممتلئ من خلف حزام لا حول له ولا قوة قد أقبل نحونا :
 
- وها قد أتيتما أخيراً يا صديقي العجوز و صاحب الرداء الملون ، سنقوم ببعض التحقيقات البسيطة السريعة ، و بالطبع أعتذر على خسارتكم فلنبدأ
 
وبعد أن أنهى وابل من الأسئلة السطحية التي تكاد أن يكون دورها معدوم خلال هذه القضية و بعض الأسئلة التي ربما تمت لها بصلة ، ضرب يده على الطاولة مبتهجاً كأنه قد ربح جولة قمار ، صارخاً "القضية محلولة ، إنها جريمة انتحار ! " ثم أخرج "سيجارته" معلنا انتصاره.
 
في تلك اللحظة شعرت أن الدنيا اشتدت ضياقاً علي ، فرضت حصاراً خانقاً على كياني المخنوق أصلاً ، سامر ذلك الرجل الذي ما فارقت البسمة محياه ينتحر ؟ بكل ما تقاسمناه من خبز و هموم يقرر هكذا أن ينهي رحلته في هذا العالم الموحش  ويتركني أصارع بين أعين الناس و خناجر حديثهم ، لم ينتحر و لم يُقتل ، ما زال هنا حياً بين أضلعي ، ما زال يتنقل بين حجرات القلب مبتسماً ضاحكاً بقلمه و كتابه ، ما زال هنا و سيبقى كذلك ، أحاول تدارك الدمع من السقوط ، المحقق و فرقة البطون الممتلئة قد قرروا المغادرة بعد تحقيق لم يتجاوز 10 دقائق ، هيهات إن كان من سكان المدينة ، سيكون قصة دسمة تذاع طياتها صباحا مساءً ، لا بأس ، هذه ضريبة الفقر و الحاجة لعنهم الله.
 
نظرت إلى صديقي العجوز ، عيناه قد وافقتا على الأمر لكن أبى جسده ذلك ، في داخله عنفوان طفل حي ، هيجان شاب في مقتبل عمره ، غضب رجل في الأربعين ، تاريخ أمة حاضرها و ماضيها و مستقبلاً انطوت خلف هذا الجسد الهزيل الذي ما كان له إذ قبل إغلاق القضية على مضض ، خرجنا من الحانة آملين أن نفتح فصلاً جديداً في حياتنا غير الذي سلف ، أن تكون هذه الحادثة نقطة تحول للأفضل ، أن ننظر للجزء الممتلئ من الزجاجة بل نملأ الجزء الفارغ و إن كان في خيالنا ، وافترقنا على أن نلتقي في عزاء صديقنا المرحوم.
 
و أنا أجر تعبي خلفي عائداً إلى العلية لكي ألتمس جزءاً من راحة فُقدت باستيقاظي في صبيحة اليوم ، و قعت عيني على تلك الملاك البشري ، كان هواء كانون الثاني كفيلاً بنشر عبقها في ذلك الحي الذي ما كانت لتنتمي اليه أو ينتمي إليها ، شاردة تغرق البشر بعينيها الزرقاويتان و تنقذهم بابتسامة ، تسمرت في مكاني و أنا أراها تزين ذلك الحي الذي أكتسى بالسواد ، كانت هي النقطة البيضاء في تلك الصفيحة الحالكة ،

لربما لاحظت شرودي في التمعن بها ، تضحك ضحكة عفوية ، تغلق نافذة غرفتها و تنزوي عن البشر ، ما زلت أتابع السير أملاً في الوصول لعليتي ، أتذكر سامر وهو يمشي بجانبي ، كان في المرة الأخير يعرض أمامي آخر ما كتب ، لربما ورثت هذه السوداوية في السرد عنه ، كان يرى في كل انتصار هزيمة ، و في كل معركة خسارة ، حتى معارك الكلام "إذا كثر الحديث بموضوع فاعلم بأنك خاسر و إن انتصرت ، و أسوء ما قدر يخسره المرء هو ربط زمام أموره" أصل لعليتي لعلي أكسب بعض من الراحة المسلوبة.
 
أستيقظ باحثاً عن شيء أرتديه غير معطفي الفريد ، لم أجد سوى قميص أسود لا يقي من برد هذا الشتاء ، لا بأس للعزاء هيبته و احترامه ، ذهبت أنا و صديقي العجوز و قدمنا واجبنا الإنساني الديني و الأخلاقي لأهل صديقي المرحوم - أعانهم الله على مصيبتهم - ثم قررنا التوقف عن زقاق بين مبنيين عند طريق العودة لعله يقينا من زمهرير هذا الشتاء ، للحظة داهمني سؤال عرى عقلي من كل منطقيته ، كان سؤالاً ثم أضحى هاجساً ، ألتفت لصديقي العجوز و هو يشعل سيجارة بأخرى فانية:
 
- ألا ترى أنه من الغريب كيف أن شخص مثل سامر قد انتحر ؟ حياته كما كان يروي لا تقل شأناً عن حياتنا لكنه كان سعيداً ، كان سعيد بهذه الحياة رغم أحزانها و أوجاعها و آلامها.
 
- لم يكن سعيداً بل كان يدعي السعادة ، كان يحاول إرضاء ذاته ببسمة لا وقع لها على نفسه ، و ما هي السعادة ؟ أن تبتسم أمام كل البشر ثم تلعن نفسك كل المساء ، أن تكون إنساناً لست عليه لتجعل الآخرين سعداء بينما أنت بداخلك تحترق ببطء ؟ أم أن تكون هارباً من كل حانة إذ انقضى الليل ؟ سامر كان يحتاج صديقا يروي له الآمه و يبث له كل أحزانه فلم يجد.
 
كانت لكلماته وقعاً صاعقاً على نفسي ، شعرت بأنني مساعد في هذه الجريمة ، بل أنا من ارتكبتها ، أنا من أنهكت روحه بأنني لم أقف بجانبه ، لم أكن له ذلك الصديق الذي يلجأ إليه في أكثر أوقاتها ، لو كنت ذلك الشخص ذو الصدر الرحب مستقبلاً كل همومه و أحزانها ما حصل الذي حصل ، أنا من فعلتها ، أنا … أنا … أنا ...
 
 
وضعت مذكراته جانباً بينما كانت تنظر في أعين المستمعين و قد أنهكتهم هذه المذكرات حزناً و ألماً ، كانت هي تلك الفتاة التي وقع في حبها دون إعلامها ، بعد رحيله لم يترك في عليته سوى هذه المذكرات موجهةً لها ، ربما أراد أن تكون هي الوريث الشرعي لسرد مذكرات تصلح أن تكون عِبراً تتناقلها الأجيال ، دقائق من الصمت ثم فتحت المجال لاستقبال أسئلتهم:
 
- ثم ماذا حدث له ؟.
 
- يُقال أنه ارتحل إلى خارج المدينة ، أراد أن يبدأ حياته من جديد ، لا أن ينظر إلى طرقات و حانات تذكره بصديقه الراحل.
 
- أما لصديقه العجوز ؟.
 
- ظل في المدينة يكافحها بكل ما استطاع من قوة حتى أعتاد عليها ، وها هو الآن يسهر في كل حانة يشارك الجميع مغامراته و يشاركوه.
 
- في النهاية إلى ماذا برأيك رمى الكاتب بكتابة هذه المذكرات ؟.

- لربما أراد أن يلفت أنظار العالم لفكرة محورية لطالما تم تجاهلها ، لكل منا جانبه المفرح والفرح بطبيعة حاله سرعان ما يظهر على محيا الشخص ، و جانب آخر هو الحزين ، و في ذلك انقسم اثنان فمنه ذلك يكبت ذلك الحزن داخله و يدعي الفرح فرح كاذب ، فينهش ذلك الحزن شيئاً فشيئاً روحه و كيانه حتى يضحي جسده بلا روح ، لحم يكسوا عظماً ، و الأخر الذي يرى أن صحته لا تستحق أن تنتهك بهذا الأمر فيسارع بالبوح بكل ما في صدره ، و كان هذا الاختلاف الذي شوهد بين سامر وصديقه ،

الحزن يجري مجرى الدم في الجسد ، أول ما يضرب هو القلب ، فإن فقد القلب أضحى الإنسان ميتا لا شعورياً و إن وصل إلى أعلى درجات العلم ، و الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة ، روح وُلدت بوضع لكل شيء مقام ، ولكل مقام حكاية ، حاولوا ما استطعتم أن تفصحوا عن مشاعركم تجاه الأخرين و إن كانت سيئة ، و لا تكبتوا شيء ،  فالحياة أتفه من أن تحمل فوق مقدارها ، و العمر أقصر من التفكير بعاقبة كل أمر

النهاية ...... 

تاريخ النشر : 2020-12-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

لستَ صديقي
حمرة الغسق
د.واز
د.بلال عبدالله - اوكرانيا
صدع معيب
منى شكري العبود - سوريا
هانكو سان
أحمد محمود شرقاوي - مصر
مقهى
اتصل بنا
قصص

من تجارب القراء الواقعية

براءة مفقودة!
حياة - مصر
فوضى في سن الـ 14
العشق المحرّم
إيهاب الحمادي - عمان
الرهاب الاجتماعي دمر حياتي
شيء غير مرئي
moo - مصر
واقعة بين نارين
امرأة من هذا الزمان - سوريا
وسواس
سارة - مصر
تحقيق النجاح قد يهديك اكتئاب
فيسبوك
يوتيوب
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (16)
2020-12-19 08:54:55
392800
user
7 -
إبنة الجزائر
لغتك جميلة جدا و أسلوبك أجمل أرى أنك تريد إفادة القارئين و نصحهم و لكن يجب ان تكون هنالك حبكة أقوى تجذبنا
وُفِّقت
1 - رد من : mohammed s.mkh
وكان هذا هو الهدف الرئيس في القصة ، وسوف أعمل لزيادة قوة الحبكة في القصص القادمة ، شكرا لكي
2020-12-19 19:12:23
2020-12-17 09:09:41
392316
user
6 -
حساة
اسخف قصة قرأتها في حياتي .. ليتني لم اضيع وقتي على قراءه هذه السخافه .. ليس لها اي معنى وامعزى منها اسخف منها بكثير
1 - رد من : mohammed s.mkh
هذا رأيك وبتوجب علي احترامه ، لكن حبذا أن توضح/ي أين مكامن الخلل في القصة ، معرفة مكامن الخلل هو بداية الطرق للتغير و التعديل ، تحياتي ....
2020-12-17 12:45:03
2020-12-17 06:22:04
392285
user
5 -
وليد الهاشمي...
تحية طيبه وشكر وتقدير ومعزه وإحترام لأحلى واجمل وافضل مديره بالعالم اللهم يارب دايما تكون سعيده، لانها لم تنشر التعليق، والله اكثر الاحيان باكتب تعليق وبعدين اتمنى ماتنشرين وفعلا انت ماتنشريه وكانك دخلت ❤وعرفتي اننا لا اريد نشر التعليق
الله يسعدك وتحياتي لك

اوه التعليق اللي اتحدث عنه كان باسم اخر لااعرف ان كنت عرفتي انه لي ام لا
1 - رد من : سوسو علي - مديرة الموقع -
عرفت 👌
2020-12-17 07:05:51
2020-12-16 10:18:49
392098
user
4 -
لميس
اسم جديد يضاف الى قائمة المبدعين هنا نتمنى ان نراك دائما هنا
اذا بالعودة الى القصة سأصدقك القول لغتك رائعة وقوية واسلوب سلس يدخل الى القلب بسرعة في هذه النقطة احسنت عملا
لكن القصة لا تبنى فقط على لغة ثوية بل يتوجب وجود حبكة قوية تجعل القارئ يستمر في القراءة ليجيب عن سؤال ماذا سيحدث لاحقا يجب ان تجعل قصصك مليىة بالاحدلث نعم اللغة لها دورها وعملها لكن لا يجب ان نجعلها عمودا للعمل
ثاني نقطة لدي هي الاسهاب لقد طغى الاسهاب في السرد اعلم ان سبب هذا هو لغتك القوية تجعلك تضيف بدل كلمة واحدة سطرا كاملا نههههه يحدث هذا معي كثيرا لكن لا تجعله يتغلب عليك اتدري لدرجة اني لم استطع اكمال القصة انا شخص جد فضولي هههه اريد ان ارى ما سيحدث لاحقا ما مصير العجوز لما الصديقين بائسين هكذا هههه لكن كلما تقدمت لم اجد سوى مزيدا من السرد اسفة لقول هذا اخي لكن صدقني لا يوجد كاتب يصنع الا بمعرفة نقاط ضعفه وتطويرها
ثالثا اخي طغت الاجواء الحزينة على القصة هذا جميل ان نجعل القارئ يتعاطف لكن ليس لدرجة ان تطغى السوداوية على القصة الى هذه الدرجة نحاول ان نعطي بعض التفاؤل بعض المقاومة ومحاولة تغيير الوضع
اتمنى ان اكون افدتك وان تتدراك هذه النقاط في اعمالك القادمة وارى لك المزيد من القصص شكرا على مجهودك وبالتوفيق
3 - رد من : mohammed s.mkh
صحيح ما أبديتي وعرضتي من فكرة ، و بالتوفيق لكي أيضا
2020-12-16 13:31:06
2 - رد من : لميس
شكرا لردك اخي الكريم طبعا كل الكتاب كانت ببداياتهم عثرات وكل مرة يتداركونها الى ان يصلو الى المبتغى
اما بخصوص النظرة السوداوية معك حق لكن لا تجعلها تطغى على كامل القصة لا بل نجعل تغيير حتى لا يمل القارئ وبنفر من الاجواء
شكرا اخي وبالتوفيق
2020-12-16 12:43:19
1 - رد من : mohammed s.mkh
أخت لميس ، شكرا لمرورك ، رأيك البناء سوف آخذه بعين الاعتبار فإن بداية حل المشكلة هو الإيمان بوجودها في الأساس ، لربما بالغت بالإسهاب و في هذا أتفق ، اما أن القصة سوداوية فمن رأي انها كانت لتناسب أحداث القصة ، والإختلاف بالرأي بالطبع هو في السبيل في دفع عجلة التقدم ، شكرا لك مرة أخرى
2020-12-16 12:16:31
2020-12-16 09:32:38
392091
user
3 -
السمراء
اكثر ما أعجبني هو نظرتك الفلسفية للأمور . و أتفق مع إمرأة من هذا الزمان . القصة توجد بها الكثير من الأشياء الجميلة تدل على موهبتك .
الوصف كان ممتاز .. و المحيط كذلك .
بالرغم من أن لغتك كانت سلسة و جميلة لكن أحسست بتكلف ، أنت فسرت كل تفصيل بنظرة فلسفية و نحن هنا أمام حالة درامية . لا بأس من القليل من الفلسفة أنا أيضاً أفعل هذا لكن مع عدم تجاهل العناصر الأساسية . ولا تفرضها في كل أجزاء القصة ، يعني ذي أنا أقول لك خلاص إرتويت و إكتفيت لكن أنت تصر على عزومتي هههههه
و أضغط الأحداث بقدر المستطاع .

هذا رأيي المتواضع و قد يختلف معي أحدهم ، أتمنى لك التوفيق في أعمالك القادمة . تحياتي لك .
1 - رد من : mohammed s.mkh
رأيك يؤخذ بعين الاعتبار ، ومن لا يحب الفلسفة هههه ، وشكرا لمرورك
2020-12-16 12:18:08
2020-12-16 01:14:49
392049
user
2 -
امرأة من هذا الزمان
ألفاظك جميلة وأسلوبك لطيف وسلس ولكن بصراحة أحسست ببعض الغموض تجاه الاحداث والشخصيات....سلمت يداك وننتظر جديدك...تحياتي
1 - رد من : mohammed s.mkh
شكرا لقرائتك هذه القصة القصيرة ، اعتمدت الغموض بضع الشيء في شخصيات هذه القصة لاني أردت أن أعتمد على مضمون القصة الرئيس ، الفكرة الجوهرية المرادإيصالها لا الشخصيات الي تحيى وتفنى ، ولكن أشكرك على هذه الملاحظة
2020-12-16 05:30:25
2020-12-15 18:58:35
392024
user
1 -
فيصل ٠ جدة
ما شاء الله تبارك الله..
مهما كتبت فلن اوفيك حقك..
استمر؛.واسأل الله لك التوفيق و السعادة .
................
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك.
1 - رد من : mohammed s.mkh
تحية لك ولك إخواننا في المملكة العربية السعودية الشقيقة ، أشكرك على كلامك الرائع ، وإن شاء الله تكون هذه القصة مقدمة لما هو أفضل.

تحياتي...
2020-12-16 05:28:27
move
1