روابط ذات صلة ..
الروح البشرية في الميزان
مثلما لا تعمل أجهزتنا المنزلية...
قصة أشباح أدت إلى الكشف عن مقبرة جماعية‏
جاءوا بحقائب فارغة يحدوهم أمل...
أشهر صور الأشباح وأكثرها إثارة للجدل
ربما تكون الصورة من أنجع الوسائل...
مستشفى مهجورة تعج بالأشباح .. ما قصة الغرفة رقم 502؟
ما أن ترى أطلاله حتى تقفز إلى...
قصص واقعية من مشاركاتكم :

سراديب إدنبرة .. جنة الأشباح الاسكتلندية!‏

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

معظم الناس يخشون الأماكن المظلمة والمغلقة، كأنما هناك غريزة غامضة ترافق الإنسان منذ نعومة أظفاره ‏وتدفعه إلى تجنب الفضاءات الداكنة السوداء .. ربما لأنه لا يستطيع رؤية ما تخفيه في ثناياها، فهو يخشى ‏المجهول بشدة. أو ربما لأنها تذكره عن طريق اللاوعي بأزمنة ضاربة في القدم كان الظلام فيها عبارة عن ‏صراع من اجل البقاء مع وحوش وضواري الليل المفترسة. وقد تكون السراديب القديمة التي سنتناولها في هذا ‏المقال هي خير مثال عما يمكن أن يثيره الظلام من رعب وهلع .. خصوصا عندما يكون هذا الظلام مقرونا ‏بتاريخ طويل من الألم والظلم والجريمة والفاحشة.‏

سراديب ادنبرة .. تاريخ حقيقي من البؤس

أنصت جيدا .. دعك من الظلام والرطوبة والجدران القديمة المتآكلة .. فقط أنصت جيدا .. أنهم هنا .. حولك وفي كل مكان .. لا تستدر .. لا تلتفت لأنهم ربما يقفون الآن خلفك أو بجانبك .. أغمض عينك وأنصت فقط ..

هاهو مستر بوتز (Mr.boots) .. هل تسمعه ؟ .. أصغي جيدا إلى صوت خطواته الثقيلة تتردد بين الردهات .. أستمع إلى ضحكاته المتوحشة وهي تندفع كالسهم بين هذه الدهاليز القديمة فتتضخم وتتضخم حتى تتحول إلى نصل سكين بارد يخترق أحشاءك ويقتلع قلبك من الخوف .. لكن هل تعلم من هو مستر بوتز ؟ .. ربما من الأفضل لك أن لا تعرفه .. لكني اعلم جيدا كم أنت فضولي ولحوح مثل الآخرين لهذا سأخبرك .. همسا بالطبع فأنا لا أود إغضابه.

أنه قاتل .. صه .. ويحك لا تصرخ .. نعم انه قاتل سفاح .. لكنه ليس قاتلا عاديا بل هو متخصص .. نعم يا عزيزي ففي القتل هناك تخصصات أيضا .. بعض السفاحين متخصصون بقتل الأغنياء وآخرون مولعون بقتل المشردين والفقراء .. أما مستر بوتز فقد كان متخصصا بقتل المومسات .. كان يأتي بهن إلى هذه السراديب المظلمة .. يقضي وطره منهن ثم يذبحهن من الوريد إلى الوريد .. أنه الأشهر هنا .. لكن أطمئن يا سيدي فهو لا يتحرش سوى بالسائحات الجميلات .. لكن عليك الانتباه من ضحاياه فالبعض منهن لازلن يبحثن عن رؤوسهن المقطوعة التي أخفاها المستر بوتز في مكان ما من هذه السراديب المظلمة!.

آاااه .. أسمع .. أسمع .. أنه جاك (Jack) .. ذلك الشقي الملعون ذو الضحكة المميزة..

ماذا؟ .. لا تعلم من هو جاك ؟ .. عجيب لأن الجميع يعرفونه هنا! .. أنه طفل صغير يا سيدي .. لقد مات هنا منذ زمن بعيد لكن المسكين لا يدرك ذلك .. أنه يدور بين الأقبية بحثا عن أطفال في مثل عمره ليلعب معهم.

أسكت لحظة .. أنصت ..

هل سمعت تلك الصرخة المرعبة ؟ .. أنها سارا .. ألا تعلم من هي أيضا ؟! .. أنتظر لحظة سأخبرك بقصتها .. هل سمعت عن بورك وهير (Burke and Hare ) ؟ .. نعم السفاحان المشهوران اللذان كانا يبيعان أجساد ضحاياهم لطلبة الطب من اجل دروس التشريح .. بالضبط .. سارا هي إحدى ضحاياهم .. كانت حاملا عندما قتلاها .. إنها تمضي بين الأقبية تولول وتصرخ بحثا عن جنينها الذي انتزعوه من أحشاءها ..

هناك الكثير من الأشباح في هذه الأنفاق اللعينة .. نعم بالتأكيد ..

ماذا ؟ .. من أكون أنا ؟ .. أوه .. أنا أسف جدا يا سيدي لقد نسيت أن أعرفك بنفسي .. أدعى وليم وأنا في الحقيقة لا أعلم ماذا أفعل هنا!! .. آخر ما اذكره هو أني كنت مصابا بالحمى ثم استغرقت في النوم على أرضية هذا القبو البارد في يوم ما من عام 1829 .. ثم لا ادري ماذا حدث بعد ذلك .. وهذا السؤال يؤرقني منذ ذلك الحين .. لماذا أنا هنا ؟!!!.

البداية .. الجسر الجنوبي

السراديب تم ادراجها في قناطر الجسر

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وبتأثير من الثورة الصناعية التي بدأت بوادرها بالظهور في انجلترا، شهدت مدينة إدنبرة الاسكتلندية توسعا كبيرا، بدء المهاجرون يتدفقون إليها من المدن والأرياف المجاورة وأخذت الأعمال والأنشطة التجارية تزدهر. ولتسهيل وتسريع هذا التمدد السكاني والتجاري قامت سلطات المدينة ببناء جسرين – معبرين - يربطان بين أجزاءها، وهما الجسر الشمالي والجسر الجنوبي.

الجسر أو المعبر الجنوبي كان في الحقيقة أكثر من مجرد جسر، لأنك لو نظرت إليه اليوم لما فطنت إلى أنك تمشي فوق جسر، فهو يبدو كشارع طويل تحيط به الأبنية والمتاجر من كل صوب وحدب. وفي الواقع كان الغرض الرئيسي من بناء هذا الجسر هو أنشاء أول منطقة تجارية في المدينة آنذاك، فقد خطط مصمموه إلى الاستفادة من الفضاءات التي توفرها أقواس قناطر الجسر لإنشاء مخازن وملاحق للسوق التجارية الجديدة.

الجسر الجنوبي كما يبدو اليوم

بناء الجسر بدء في عام 1780 واستمر لقرابة العشرة أعوام، وحين انتهى العمل أخيرا كانت قناطره التسعة عشر تتضمن قرابة الأربعمائة خزانة وسرداب تتراوح مساحتها بين 2 إلى 40 متر مربع. لكن على الرغم من كل الجهد الذي بذل في بناءها إلا إن هذه السراديب لم تنجح أبدا في تحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله، وربما يعود السبب في ذلك إلى خطأ قاتل وقع فيه مهندسو البناء حين أهملوا أكساء الجدران والأرضيات الحجرية بصورة مناسبة لكي يمنعوا تدفق الرطوبة والماء إلى داخل السراديب، وقد تسبب هذا الخطأ الفادح في نضح مياه الأمطار مما أدى إلى تلف البضائع المخزنة داخل السراديب وهو الأمر الذي دفع المستأجرين من التجار إلى ترك المكان الذي أصبح خاويا ومهجورا في عام 1795، أي بعد سنوات قليلة فقط على إنشاءه.

سراديب للتشرد والجريمة والرذيلة

دهاليز مرعبة تحولت لمنازل للمشردين

سرعان ما تحولت تلك المتاهة الكبيرة من الأقبية المهجورة تحت المدينة إلى مأوى للمشردين، العديد من عائلات المهاجرين الفقيرة والمعدمة عاشت مع أطفالها في تلك السراديب في ظروف صعبة للغاية. كانت التهوية ضعيفة جدا وأشعة الشمس لا تدخل مطلقا، أنابيب المياه والصرف الصحي كانت معدومة تماما، والجدران الحجرية كانت تنضح بالرطوبة باستمرار، كان المكان مظلما وباردا ومخيفا طوال أيام السنة، لذلك فإضافة إلى المشردين والمعدمين، أصبحت تلك السراديب بالتدريج مرتعا خصبا لمواخير العهر والرذيلة ووكرا للقتلة والسفاحين والمغتصبين، ولعل أشهر هؤلاء المجرمين الذين عرفتهم السراديب كانا السفاحين بورك وهير اللذان اشتهرا ببيع جثث ضحاياهم للمدارس والكليات الطبية في عشرينيات القرن التاسع عشر.

السجلات التاريخية لم تعد تذكر شيئا عن السراديب منذ أن تحولت إلى ملجأ للتشرد والرذيلة والإجرام، ولهذا السبب فالباحثون لا يعلمون على وجه الدقة متى تم إغلاقها نهائيا، لكن من المرجح أن ذلك حدث في وقت ما بين عامي 1835 – 1875، حيث تم ضخ مئات الأطنان من الصخور وأحجار الكلس إلى داخل السراديب مما جعل الولوج إليها مستحيلا، وسرعان ما طواها النسيان ولم يعد الناس يذكرون شيئا عنها.

في عام 1980 تم اكتشاف هذه السراديب عن طريق الصدفة، وأستمر التنقيب فيها إلى تسعينيات القرن المنصرم حيث تم تنظيفها تماما وسمح للزوار بدخولها، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه السراديب واحدة من أكثر الأماكن جذبا للسياح في العاصمة الاسكتلندية.

السراديب وقصص الأشباح

ملصق فلم عن السفاحين بورك وهير

ربما يعود القسط الأكبر من شهرة السراديب إلى قصص الأشباح التي دارت حولها عنها منذ اكتشافها مجددا، فقد ذاع صيتها كإحدى أكثر الأماكن المسكونة في العالم. وربما يكون شبح المستر بوتز هو الأشهر، فبحسب مزاعم القائمين على المكان، كان المستر بوتز سفاحا قام بقتل إحدى ضحاياه من المومسات في هذه السراديب ثم مات هو أيضا بطريقة ما داخل السراديب. ويقال بأن شبح ضحيته، أي المرأة المقتولة، يظهر كظل باهت على الجدران أحيانا. أما شبح المستر بوتز نفسه فهناك قصص عديدة حول تحرشه بالسياح، خصوصا النساء، حيث يقوم أحيانا بلكزهن بمرفقه، أو يقوم بالصفير في آذانهن، وفي أحيان أخرى يلاحق مجاميع السياح أثناء جولتهم داخل السراديب.

هناك أيضا شبح الطفل جاك الشهير بضحكته الطفولية المميزة، وكذلك شبح المرأة الحامل التي تصرخ لسبب غامض، وشبح ماغي ديكسون التي قتلت في السراديب منذ زمن بعيد ويزعم البعض رؤيتها تتجول في الدهاليز المظلمة، وشبح الاسكافي الذي يقال بأنه كان يعمل في احد هذه السراديب .. وهناك العشرات وربما المئات من الأشباح الأخرى في هذه السراديب المظلمة لذلك ظهرت على الانترنت مواقع كاملة متخصصة بحكاياتهم الغريبة، كما جذبت جنة الأشباح هذه العديد من الوسطاء الروحيين وصائدي الأشباح وكذلك عدد لا بأس به من الدجالين والمشعوذين الباحثين عن الشهرة، وهناك قصص كثيرة عن التواصل مع أشباح السراديب، غالبا عن طريق جهاز (EMF meter ) الذي يستعمل لقياس المجالات الكهرومغناطيسية والذي يزعم الوسطاء الروحيون في أنه فاعل جدا في التواصل مع الأشباح حيث يقوم الوسيط بالسؤال ويرد الشبح بنعم أو لا.

حادثة البي بي سي الغريبة

صورة لجو سواش داخل السراديب - البرنامج موجود بالكامل على موقع يوتيوب -

في عام 2009 قام الممثل البريطاني جو سواش (Joe Swash ) بجولة حول بريطانيا للبحث عن الأشباح ضمن برنامج وثائقي لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (BBC ). هذا البرنامج تم عرضه على الشاشة في عام 2010 – من ضمنها فضائية البي بي سي العربية – بعنوان جو سواش يؤمن بالأشباح (Joe Swash Believes in Ghosts )، وخلال البرنامج قام جو بالمبيت وحيدا لليلة كاملة في بعض أشهر البيوت والفنادق المسكونة في بريطانيا مزودا بكاميرا وجهاز إرسال صوتي.

ليالي جو في تلك الأماكن لم تكن سيئة، فرغم الصيت الذائع لبعضها بأنها تعج بالأشباح، إلا إن جو لم يشاهد أي شيء يمكن أن يعد غريبا أو خارقا للعادة، ولم يستطع أي من تلك الأماكن المسكونة تغيير رأيه في أن قصص الأشباح إما تكون مختلقة أو يمكن تفسيرها بشكل منطقي.

لكن المبيت في سراديب إدنبرة كان شيئا أخر، كانت تجربة جعلت جو سواش يغير رأيه جذريا في مسألة الأشباح. جو المرعوب لم يستطع إكمال الليلة وحيدا في السراديب كما كان مقررا .. كان يرتجف خوفا وبدء يتخيل سماع خطوات وأصوات غامضة .. لم يتحمل المزيد وطلب من معدي البرنامج أخراجه من المكان قبل انتهاء الوقت المحدد.

وفي الواقع، باستثناء بعض الأصوات الغامضة، فأن جو سواش لم يسمع أو يشاهد أي شبح أو أي شيء خارق للعادة، لكن المفاجأة الكبرى كانت خلال إعداد البرنامج للعرض على الشاشة، فمهندسو الصوت في البي بي سي اكتشفوا خلال المونتاج وجود أصوات غامضة بالكاد تسمعها الأذن البشرية في خلفية الشريط المسجل للساعات التي قضاها جو داخل السراديب، الصوت الغامض بدا كما لو أنه شخص يغني أو ينشد تراتيل دينية وقد أستمر لقرابة العشرين دقيقة قبل أن يختفي ويضمحل نهائيا.

مهندسو الصوت في بي بي سي حاولوا تفسير مصدر الصوت على انه أتي من احد النوادي الليلية القريبة من السراديب، لكن اتضح لاحقا بأن هذا غير ممكن. جو سواش نفسه قال معلقا على الأصوات بأنه شعر أثناء تواجده في السرداب بوجود أشخاص آخرين معه لكنه لم يستطع تفسير الأمر سوى عند سماعه للتسجيل .. جو أعلن بأن تلك التجربة قد غيرت رأيه تماما فيما يخص الأشباح وأنه أصبح مؤمنا بوجودها.

هل هناك أشباح حقا في السراديب ؟

هل هناك أشباح حقا ؟

قبل أن اختم هذه المقالة يجب الإجابة على سؤال قد يدور في ذهن القارئ الكريم بعد قراءة الموضوع .. وهو هل هناك أشباح حقا في سراديب إدنبرة ؟.

بادي ذي بدء يجب أن أقول بأن الله وحده أعلم بما يوجد في داخل تلك السراديب .. لكن هناك في الحقيقة العديد من الآراء والنظريات التي حاولت تفسير الأمر منطقيا، وأول تلك التفسيرات تتعلق بالشركات السياحية التي تدير المكان وتنظم زيارات أفواج السياح وتوفر لهم المرشدين مقابل المال طبعا، وهي شركات (Mercat Tours ) و (City of the Dead ) و (Marlins Wynd ) وكل واحدة منهن تدير جزء من السراديب، وبالطبع فأن من مصلحة هذه الشركات الترويج لقصص الأشباح لأنها عامل الجذب الرئيسي لزيارات السياح، والبعض يتهم هذه الشركات بفبركة واختلاق قصص الأشباح لغرض زيادة أرباحها المالية.

هناك أيضا نظرية العامل النفسي، فالمرشدين والإدلاء يهيئون السياح نفسيا قبل الدخول إلى السراديب لتقبل فكرة وجود الأشباح عن طريق رواية القصص المرعبة، لذلك يتحول أي صوت أو ظل أو بقعة على الحائط إلى صوت وخيال شبح، كما أن قدم المكان ورطوبته وإضاءته ضعيفة إضافة إلى تاريخه المخيف والغامض، كلها عوامل تساعد على تقبل فكرة وجود الأشباح.

هناك أيضا التفسيرات العلمية وتشمل فرضيات الذبذبات الصوتية المنخفضة والمجالات الكهرومغناطيسية وتيارات الهواء البارد والرطوبة .. الخ .. والخوض في هذه التفسيرات يطول لكنها جميعها تنتهي إلى نتيجة واحدة وهي أن جميع قصص الأشباح في السراديب هي في الحقيقة ظواهر فيزيائية قابلة للتفسير علميا.

وأخيرا هناك طبعا التفسير اللا منطقي الذي يؤمن به معظم زوار السراديب، وهو أنها تعج بالأشباح أو العفاريت أو الجن .. أو سمهم ما تشاء ..

زيارة السراديب

في حال زيارتك لمدينة إدنبرة عاصمة اسكتلندا، وإذا رغبت في زيارة السراديب فهذه روابط الشركات التي تدير المكان وفيها ستجد معلومات وافية عن أوقات الزيارة وأسعار التذاكر إضافة إلى بعض المعلومات عن تاريخ المكان وقصص أشباحه :

- Mercat Tours
- Marlin's Wynd
- The Caves
- City of the Dead

هذه القصة نشرت لأول مرة بالعربية في موقع كابوس بتاريخ 09 /12 /2010

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية والبغضاء
  • التسجيل في منتدى كابوس يتيح لك خاصية التعليق المباشر
الأسم
التعليق