روابط ذات صلة ..
رحلة الموت .. قافلة طعامها لحوم المسافرين!‏
الجوع كافر! .. قول مأثور يضرب...
أكل الذات ‏Self-cannibalism‏ ... هل يمكن للإنسان أن يأكل نفسه؟!‏
‏"عندئذ، رفعت ذراعي المصابة إلى...
في بابوا غينيا الجديدة .. الحزن على الموتى يتضمن تقطيعهم و التهام لحومهم!!‏
تصور عزيزي القارئ أن تدعى إلى...
الرجال الفهود .. عشاق اللحم البشري
في مصر القديمة , كان حيوان الفهد...
قصص واقعية من مشاركاتكم :

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ - (1) - بغداد

بقلم : د. مؤمن احمد عباس
drahmed_momen@yahoo.com

المدرسة المستنصرية بغداد .. يا ترى كم شهدت من مصائب وويلات لقرون

مرحبا بكم
في المقال السابق اختتمنا سويا الحديث عن الأرواح والأشباح..
وكنت قد قررت أن أبدأ اليوم في مقال جديد..
وحسب ما كان في نيتي كنت أود أن أحدثكم عن جلسات تحضير الأرواح..
فنخوض سويا فيها..نستخرج الغث من السمين..
ولكن..
وكما هي عادتي..
ارتأيت أن أؤجل هذا الموضوع قليلا..
وأحدثكم في موضوع آخر يشغلني منذ فترة طويلة..
بالواقع هو عبارة عن سؤال:
هل نحن حقا على أعتاب الساعة؟
هذا السؤال بالذات شغلني منذ فترة طويلة حتى قتلته بحثا..وقتلني حيرة..
وكلما توجهت لأحدهم بهذا السؤال سارع بإجابة مكررة حتى خلت الجميع قد اتفقوا عليها دون أن يدروا:
نعم..بلا شك..لقد اقتربت القيامة..ألا ترى أن علاماتها الصغرى قد تحققت؟
فأسأله:
وما هي تلك العلامات التي تحققت؟
فيسارع بالإجابة:
ألا تعيش معنا في هذا العالم؟
يا أخي أبسط شيء هو غلاء المعيشة الذي يعاني منه الجميع الآن..
لقد ضربت المجاعات الدول الفقيرة..والدور الآن على بقية الدول في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وما استتبعها من ركود اقتصادي وبطالة جعلت الكثيرين يعيشون تحت خط الفقر ولا يكادون يجدون قوت يومهم..
ثم يختم حديثه بقوله:
ألا ترى المشايخ والأئمة على المنابر يجأرون إلى الله بالدعاء:
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء..
ألا تعلم أن الغلاء والمجاعات من علامات الساعة؟؟
فأقول له:
ولكنك إن تصفحت التاريخ فستجد أن بلايا وغلاء أعظم مما نحن فيه بكثير قد ضربت أسلافنا وأسلاف الأسلاف..
وكان الأولى ساعتها أن تقوم الساعة..
فيعرض عني بغضب ويقول:
لا أعتقد أن هناك غلاء أقسى مما نعانيه الآن..
ثم ينصرف محوقلا وهو يجأر بالدعاء قائلا:
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن..
ثم يلتفت لي بنظرة ذات مغزى ويقول:
ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا..
ويتكرر الموقف مع غيره وغيره..
من أجل هذا..قررت أن أكتب مقالي هذا..
إنه مجرد استعراض للتاريخ..
تاريخ المجاعات التي ضربت العالم الإسلامي منذ بدايته وحتى الآن..
وهو تاريخ مرعب بحق..لا أنصحكم أن تتصفحوه..
لأنكم ستجدون من البلايا والشنائع ما يشيب له الولدان..
ولقد ترددت كثيرا قبل أن أتناوله..
لأنه تاريخ بشع بحق..
وقبل أن أسترسل دعوني مجددا أحذر أصحاب القلوب الضعيفة منكم..
لا تقرءوا هذا المقال..وابتعدوا عنه..
أما أصحاب الأفئدة القوية..فهلموا معي نستعرض الجانب المظلم من تاريخ الأجداد..
فقط ليبقى السؤال:
هل كنا سنتصرف مثلهم لو أننا عشنا زمانهم؟

أكل لحم البشر..

رسوم اوربية قديمة تصور قبائل الكاريبي المتوحشة وهي تلتهم لحوم البشر

يا له من مصطلح مرعب..يثير في النفس السوية كل مشاعر التقزز والغثيان..
هذا طبيعي..
ولكنه يثير في بعض النفوس الأخرى مشاعر اللذة والاستطابة..
نعم..هناك من يأكل لحم البشر..بل ويتلذذ بذلك..
نعلم أن هذا يحدث في المجتمعات البدائية..وإلى الآن..كما في قبائل (الزولو)  وبعض القبائل البدائية الأخرى المنتشرة في الأحراش الأفريقية واللاتينية..
وقد اصطلح العلماء على تسمية تلك العادة (cannibalism ) وترجمتها (أكل لحم الجنس ذاته) وهي مشتقة من كلمة كاريب الأسبانية التي تصف قبائل (كاريب) الهندية التي تحدث عنها المستكشف (كريستوفر كولومبس)..
وقد مورس أكل لحم البشر عبر التاريخ في عدة مواضع وحالات مثل:

1- أثناء المجاعات
2- في المدن المحاصرة
3- من بعض القبائل البدائية
4- كنوع من المبالغة في إيذاء العدو..حيث يأكل المنتصر من لحم المهزوم
5- اعتقاد البعض أن أكل لحم الأعداء ينقل قدراتهم لهم (نكرومانسي)
6- كإحدى الطقوس الدينية أو طقوس الدفن
7- كمرض سلوكي جنسي

وهاكم بعض الأمثلة التاريخية:

1- وجد الأثريون عظاما بشرية في أوعية طهي عمرها نصف مليون عام في الصين..
ومن أشهر القبائل التي اشتهرت بهذا النشاط تاريخيا قبيلة (أناسازي) في أمريكا الشمالية
2- يقال أن (جيمس كوك) الذي قتله سكان (هاواي) قد تم التهامه
3- قد يكون أكل لحم البشر نوع من التكريم للميت مثلما تفعل بعض القبائل في (نيوزيلندا) فهي تمجد ذكرى الميت بأن تأكل مخه..فبعد أن يموت شخص له مكانة عندهم تجتمع القبيلة حول جثته وينشدون بعض الأناشيد الدينية ثم يستخرج ساحر القبيلة مخ الميت ويوزعه بالتساوي بين المشيعين ليأكلوا منه.
4- يقول (راؤول دي كين) مؤرخ الحملة الصليبية :
(كان جماعتنا في المعرة يغلون مسلمين بالغين في القدور.. ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين)
ويقصد المسلمين من سكان (معرة النعمان) في (سوريا)..

..........................................................................

أما في العصر الحديث:

فقد اشتهر العديد من السفاحين بأكل لحوم البشر مثل:

الالماني أرمن مايفس

1- (أرمن مايفس) فني الكمبيوتر الألماني الذي أعترف بقتل وأكل رجل في أوائل عام 2001 حيث التقى به بعد أن أعلن على مواقع الإنترنت أنه يطلب شابا قوي البنية ما بين الثامنة عشر والثلاثين للذبح والأكل..
ثم قال (مايفيس) بعد ذلك إنه قتله برضاه.. غير أن هذا لم يهدئ من حالة الاشمئزاز التي أصابت الشعب الألماني..
وقد تفضل أخي الرائع إياد بذكر تلك الواقعة بالتفصيل في مقال رائع ..
2- (ألبرت فيش) الذي اغتصب وقتل وأكل عددا من الأطفال خلال العشرينات..وقد قال إنه كان يشعر بلذة جنسية هائلة نتيجة ذلك
3- السفاح الروسي (أندريه تشيكاتيلو) الذي قتل 53 شخصا على الأقل بين عامي 1978 و1990
4- كما اشتهرت قضية الياباني (إسي ساجاوا) الذي قتل طالبة السوربون الدنمركية (رينيه هارتيفيلد) ثم أكلها.. واعتبره الأطباء مجنونا.. وبالتالي لا يمكن إخضاعه للمحاكمة.. فتمت إعادته إلى (اليابان) حيث مكث هناك في مصحة عقلية لخمسة عشر شهرا..خرج بعدها ويعيش حتى اليوم طليقا ويلمح البعض أن ذلك تم بتدخل والده كونه رجل ذو نفوذ في اليابان..
5- وخلال الحرب العالمية الثانية تم تسجيل وتوثيق العديد من وقائع أكل لحوم البشر..فمثلا:

1- ظلت مدينة (ليننجراد) محاصرة على مدى 872 يوما بين عامي 1941و1942..في البداية كان الناس والجنود يأكلون الطيور والفئران والحيوانات الأليفة..وبعد نفاذها لجأ الناس لأكل لحوم البشر ما دفع شرطة المدينة لإنشاء قسم لمكافحة أكل لحوم البشر..
2- وفي فبراير 1943 تم نقل ما يقرب من مائة ألف جندي ألماني كأسرى حرب إلى معتقلات (سيبيريا)..
وهناك حدثت مجاعة فالتهم السوفييت الألمان حتى لم يبق منهم سوى خمسة آلاف فقط..
وحتى أولئك الناجين من الالتهام نجوا لأن السوفييت تعافوا التهامهم نتيجة إصابتهم بالأمراض التي توفوا بها لاحقا في معتقلهم هذا..
3- وأثناء الحرب العالمية الثانية تم توثيق روايات من بعض الناس بالعثور على أظافر إنسان في النقانق مما يشير إلى استخدام اللحم البشري في صنعها..

امرأة من الماوري في نيوزلندا

4- تم توثيق العديد من الشهادات والتقارير التي تم الإدلاء بها عقب الحرب العالمية الثانية خلال التحقيقات والمحاكمات التي تمت بخصوص جرائم الحرب.أفادت أن الجنود اليابانيين قد مارسوا أكل لحم أسرى الحلفاء في الحرب في العديد من مناطق شرق آسيا..ووفقا للمؤرخ (يوكي تاناكا):
(أكل لحم البشر كان نشاطا منهجيا أجرته فرق كاملة من الجنود تحت قيادة ضباط)
5- في بعض الأحيان كان اللحم يقتطع من البشر الأحياء..
وهاكم شهادة موثقة أدلى بها المدعو (لانس نايك) :
كنت ضمن قوات الحلفاء..وتم أسرنا بواسطة اليابانيين في (غينيا الجديدة)..
بدأ اليابانيون في اختيار السجناء..في كل يوم كانوا يقتلون ويأكلون أحدنا..لقد التهموا حوالي 100 معتقل طيلة مدة أسرنا..ثم نقلوا الباقين منا إلى معتقل جديد على بعد 50 ميلا تقريبا..وتوفي منا 10 معتقلين جراء المرض..
ثم عاد اليابانيون لاختيار السجناء وتناولهم..وكانوا ينقلون الأفراد المختارين إلى كوخ منفصل..حيث تم قطع لحمهم من أجسادهم بينما كانوا على قيد الحياة..ثم ألقي بهم في حفرة عميقة وسط صرخاتهم الشنيعة..وتركوا ينزفون ولحومهم تطهى أمامهم وتؤكل حتى توفوا في وقت لاحق

6- آخر حالة موثقة حدثت خلال الحرب العالمية الثانية تم تسجيلها في فبراير 1945 حيث قام 30 من الجنود اليابانيين في جزيرة (شيشيجيما) اليابانية يتزعمهم الميجور (ماتوبا) والجنرال (تاشيبانا) والأدميرال (موري) والنقيب (يوشي) والدكتور (تيراكي) بقتل والتهام خمسة من أفراد سلاك الجو الأميركي..
هذه الواقعة كانت مختلفة..حيث فاقت التصور في بشاعتها..حيث كانوا يقتطعون أجزاء من الكبد أو يبترون الأطراف فقط للمحافظة على الخمسة أحياء لعدة أيام لضمان الحصول على لحوم طازجة..
وقد أدين الجميع أثناء التحقيق الذي تم معهم عام 1947 وتم الحكم عليهم من محكمة جرائم الحرب بالشنق..

.............................................................................................

ولكن ماذا عنا كمسلمين؟
يقول تعالى في كتابه الكريم:
(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) سورة الحجرات..الآية (12)

وقد أجمع المفسرون على أن الآية مفادها استبشاع الأصل باستبشاع الصورة..
وبمعنى أوضح..النهي التام عن الغيبة والنميمة..فإن فعلت فكأنك تأكل لحم من اغتبته ميتا..
لذلك قيل: (فكرهتموه)..
وبدون الدخول في تفاصيل دينية ليس لها مجال هنا أقول إن أي مفسر لم يذكر أن أحد البشر يأكل الميت فعليا..
وإنما أجمع الكل على أنها مجرد صورة خيالية..
ولم ينظر أحد لكلمة(فكرهتموه)..
فالكره لا يعني الامتناع..
الامتناع عن الغيبة والنميمة..
والامتناع أيضا عن أكل لحم الميتة..
وبرغم النهي الصريح عن أكل الميتة في قوله تعالى:
(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)سورة البقرة..الآية (173)
وقوله تعالى :
(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم)سورة المائدة..الآية (3)
وغير ذلك من الآيات..إلا أن الاضطرار هنا يتوافق مع كلمة (فكرهتموه) في الآية الأولى..
أي أن الله قد أذن للمضطر أن يأكل لحم الميتة ليحافظ على حياته ولا يهلك جوعا..
وأول ما يتراءى في مخيلاتنا عند ذكر ذلك هو جيف الحيوانات كالغزلان والأرانب الميتة..
أو حتى القطط والكلاب..ولكن هل حدث هذا بالفعل؟؟
هل اضطر المسلمون لأكل الميتة؟؟..
ومتى حدث ذلك؟؟..
هل حدثت مجاعات في العالم الإسلامي من قبل؟؟..
هذا ما ستعرفونه الآن..
فقط استمروا في القراءة...
..........................................................................................

الحروب والحصارات كانت دافعا للكثير من الفضائع

إن الباحث المتعمق في التاريخ الإسلامي يجد أنه كان يوجد الكثير من المؤرخين البارعين..
وعلى كثرتهم وبراعتهم يلاحظ الباحث أن التأريخ للمجاعات التي ضربت العالم الإسلامي لم يبدأ فعليا إلا مع نهاية القرن الثالث الهجري..وهذا طبيعي..
لأن المؤرخين كانوا منشغلين بتأريخ السيرة النبوية ثم سير الصحابة والخلفاء الراشدين وما استتبعه ذلك من الفتوحات الإسلامية في ذلك الوقت..ثم تأسيس الدولة الأموية وخلفائها ثم الدولة العباسية..
ومع بقاء الخلفاء العباسيين ردحا من الزمن..أتاح ذلك للمؤرخين أن يلتفتوا للأحداث الجسام الأخرى كالكوارث..
مثل القحط أو الجدب  أي احتباس المطر وما قد يؤدي إليه من مجاعات..والسيول والفيضانات وتساقط البرَد والثلج والزلازل والعواصف والصواعق وغارات الجراد والآفات والأوبئة والحرائق..إلخ
ولكن هذا لم يمنع المؤرخين من الذكر الهامشي لبعض القحوط والطواعين في صدر الإسلام ..مثل:
1- حصار الرسول وقومه في شعب أبي طالب لمدة 3 سنوات..حتى قال المؤرخون:
(حتى بلغ القوم الجهد الشديد وحتى سمعوا صبيانهم يتضاعون من وراء الشـعب..وكانوا يأكلون أوراق الشجر ويربطون الصخر على البطون)
2- الجدب الذي حدث في المدينة في العام السادس من الهجرة حتى اشتكى الناس ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسن على إثره صلاة الاستسقاء
3- عام الرمادة بالمدينة سنة 18هـ ( 639م) وصلى على إثره أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) صلاة الاستسقاء وكتب إلى ولاته ليفعلوا ذلك..واستمر الجدب الرهيب لمدة 9 شهور حتى كتب المؤرخون:
(حتى أن الناس كانوا يُـرَوْن يـَسْتـَفـّون الرمّة ويحفـِرون نـُفـَق اليراببع والجُـرْذان يـُخرجون ما فيها ويأكلون جلد الميتة مشويا..ورمّة العظام المسحوقة كانوا يـَسُـفـّونها)
4- طاعون (عـمـواس) بالشام في نفس العام المذكور وبعض الطواعين الأخرى التي وقعت بالعراق والشام .. إلى جانب سيل الجـحاف بمكة سنة 80هـ ( 699م)..
ونجد مصداق ذلك واضحا فيما وصلنا من كتابات ابن إسحاق المتوفى سنة (151هـ)( 768م) والواقدي المتوفى سنة ( 207هـ)(823م) وابن هشام المتوفى سنة ( 213هـ)( 828م) ومحمد بن سعد المتوفى سنة (230هـ)(845م) وابن خيـاط المتوفى سنة (240هـ)(855م) وابن قتيبة المتوفى سنة (276هـ)(889م) والبلاذري المتوفى سنة ( 279هـ)(892م) وأبي حنيفة الدينوري المتوفى سنة (282هـ)(895م)..
وتظل كتب التاريخ العام خاصة المعروفة منها بكتب (الحوليات) المصدر الأساسي لموضوع الكوارث والحوادث الطبيعية على مدى العصور الوسطى الإسلامية بدءا من كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري ونهاية بـ (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس المتوفى سنة (سنة 928هـ)(1522م)..
إذن فالجوع جعل صحابة رسول الله يأكلون الجيف والفئران..لدرجة أنهم كانوا يحفرون أنفاقها بحثا عنها..
كل هذا يعتبر مع بشاعته مقبولا..
ولكن هل يصل الأمر إلى أكل لحم البشر الموتى؟
نعم للأسف..
هذا ما حدث في العديد من المجاعات التي ضربت العالم الإسلامي عبر التاريخ..
لقد أكل الناس بعضهم بعضا..
وصار القانون الذي يحكم البشر هو قانون شريعة الغاب..
حيث القوي يأكل الضعيف فعلا لا مجازا..
ليس هذا فحسب كما سترون بعد قليل..
بل إن الأدهى والأمر من ذلك أن هذا حدث في مدن ومناطق كانت الحضارة تشع منها لتصل إلى عوالم (أوروبا) المظلمة في ذلك الوقت..
ك(العراق)..و(مصر)..و(الجزائر)..و(الأندلس)..
لا تندهشوا فقد صدق من قال:
(الجوع كافر)
وهناك مثل شهير يقول:
(ساعة البطون تتوه العقول وساعة القدر يعمى البصر)
فعندما توشك على أن تهلك جوعا..فثق أنك لن يمنعك مانع من الإتيان بأي شيء يمنع هلاكك..حتى وإن كنت تستبشعه..
سيسقط عنك ثوب الحضارة والالتزام الذي ألبسته لنا الأديان والشرائع السماوية..
لتظهر صورتك العارية الحقيقية..
مجرد حيوان مفترس..وحش كاسر لا يعنيه سوى أن يبقى حيا وسط الغابة التي نعيش فيها..
وصدق من قال:
(إن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك)..
وقال شاعر عامي ساخر (يموت حبيبي ولا استهواش) أي لا أصاب بالأنفلونزا والبرد..
ولعمري..كم كانت تلك الكلمات صادقة كديدن أمثال الأسلاف جميعا..
لا تندهشوا..فتلك هي حقيقة الإنسان..
إنسان العصر الحجري..
جدنا الحقيقي...
والآن هيا بنا نستعرض الجانب المظلم من تاريخ أجدادنا كما أسلفت..
وسيكون هذا على حلقات..
لأن المجاعات والملمات كانت أكثر من أن تعد أو تحصى..
بل إنني سأحاول أن أكون مختصرا..
فلن أذكر كل المجاعات..بل المهم منها فقط..مع أني أراها كلها على نفس القدر من الأهمية..
وأكرر..لا تستغربوا..فلرب حقيقة أغرب من أي خيال..
ويبقى السؤال:
لو كنا مكانهم..وعشنا نفس ظروفهم..فهل كنا سنتصرف مثلهم؟...
أترك الإجابة لكم..
وقبل أن أبدأ أحب أن أنبه على أن أخي الرائع إياد قد تناول نبذة عن أكل لحوم البشر في الجاهلية ومعايرة القبائل بعضها لبعض بهذا الفعل الشائن كما ذكر الجاحظ في كتبه..

.................................................................................

والآن لنبدأ من الشرق..
وما أدراكم ما سحر الشرق..
هلموا إلى (العراق)..
هلموا إلى بلاد الرافدين..
هلموا إلى (بغداد) و(البصرة)..
ولكنها ليست (بغداد) الحضارة..
(بغداد) الساحرة..
إنها (بغداد) أخرى..(بغداد) مختلفة..
مختلفة تماما...

......................................................................................................

قبل أن نبدأ باستعراض ويلات المجاعات دعوني أخبركم ببعض الملمات التي اجتاحت (بغداد) خاصة و (العراق) عامة..
بالطبع لن أذكر كل الكوارث الطبيعية..
ولكني كما أسلفت سأذكر المهم منها فقط..
ذكر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد ابن الجوزي المتوفى سنة (597هـ)(1201م) في كتابـه (المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم) قدرا عظيما من الملمات والقحوط والأوبئة التي ألمت بأهل (العراق)..
فعلى سبيل المثال نجده يقول ما يلي نصه:

طالما غرقت بغداد في مياه الفيضان .. صورة من بدايات القرن المنصرم

1- الزلازل:
وقع ببغداد عام 538هـ (1153م) زلزال رهيب خلف وراءه ما يربو على مائتين وثلاثين ألف قتيل حتى عاد التجار من رحالهم فلزموا القبور يبكون أهليهم..وظن الناس أنها زلزلة الساعة..
2- فيضانات الأنهار والسيول: 
أ- اجتاح سيل عرمرم (بغداد) ونواحيها في عام 235هـ (849م)فجرف في سبيله كل شيء وأي شيء حتى صب في نهر دجلة فتغير لون ماء دجلة إلى الصفرة واستمر ذلك لمدة ثلاثة أيام ففزع الناس وعافوا ماءه لمدة طويلة..
ب- أحد الفيضانات الأعظم في تاريخ دجلة وقع عام 569هـ (1174م) وكان أخطر فيضان شهدته (بغداد) في العصور الوسطـى حيث بلغ منسـوب الميـاه في دجلة حوالي 23 ذراعا  وكانت هذه أعلى قراءة مسجلة.. وبلغت مدة الفيضان أكثر من خمسة أسابيع..فمكث شهر رمضان بأكمله والأسبوع الأول من شهر شوال من العام المذكور وخلال ذلك زاد دجلة والفرات وأحدقت المياه ببغداد شرقا وغربا فضلا عن توالي الأمطار ونزول البَـرَد حتى قيل إن بعض الثقات وزنوا بَـرَدة فكانت سبعة أرطال..
وقتل كثير من الناس والمواشي غرقا ومات الزرع وعبثت المياه بالدور والأبنية فتهدم كثير منها حتى بلغت ألفي دار وتضعضعت دور أخرى وكان الناس يهدمون الدور إذا خيف وقوعها فهدموا أكثر مما هدم المطر..وكانت الدار تقع على ساكنيها فيهلك الكل ولحق الخراب بقصر الخليفة والمساجد بل لحق الضرر أيضا بالمقابر حتى قيل:
(وكان من يرى المقابر يدهـش كأن القبـور قد قلبت وجمع الماء عليها كالتل العظيم من العظام وكالتل من ألواح القبور)
وامتلأت الطرقات بالمياه حتى كان الناس يعبرونها بالقوارب ولجئوا إلى الصحاري والتلال العالية يعتصمون بها وعم الغلاء..
3- الجدب وانقطاع المطر:
الجدب الأشد الذي أصاب دجلة أيضا على مر تاريخه وكان ذلك سنة 572هـ (1177م) حتى خرجت جزائر كثيرة فيه ما عهد الناس مثلها وقيل:
(كانت السفينة تجنح في وسط دجلة فينزلون فيحركونها)
فلم يأت مطر في شتاء العام المذكور وكذلك مر الربيع دون قطر إلا يسير منه لم يغن من شيء ولا انقطع الجسر طول السنة وهلك من الزرع ما كان سقيه المطر وزاد سعر الخبز والشعير و هو ما أثنى كثيرا من الناس من الخروج للحج فقعد خلق كثير ورجع قوم قد قدموا من (الموصل) للحج فعادوا يبيعون زادهم
4- العواصف الشديدة:
جاء حر شديد في النصف الثاني من رمضان عام 572هـ (منتصف مارس عام 1177م) ما عهدنا مثله وبقي أسبوعا ثم أعقبه هبوب ريح عظيمة زلزلت الدنيا بتراب عظيم ثم اشتدت وصعد التراب إلى عنان السماء فبانت السماء في أول الأمر مصفرة وكانت الريح تشتد ساعة وتخف ساعة..ثم تعاظمت وظهرت حمرة شديدة في السماء من المشرق من وقت طلوع الفجر إلى حين استواء الشمس ثم كانت تظهر عند غيبة الشمس من  المغرب كذلك كأنها الشفق إلا أنها أشد حمرة لم نر مثلها كأنها الدم وكانت تتصاعد ويبقى تحتها من الغيم المضيء فتضيء له الأماكن كأنه ضوء الشمس وبقيت مدة..وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء كأنها تتصاعد من الأرض فاستغاث الناس استغاثة شديدة..وظنوا أنها الريح التي تدفع الناس إلى المحشر..
وجاءت ليلة الثلاثين والأمر على ما هو عليه فلم ير الهلال فأرخ الناس الشهر على التمام وكان الهلال زائدا على الحد في الكبر والعلو فاندهش الناس من كبره ..
ووقعت العديد من الدور ومات جماعة من الناس..حتى خيف أن تكون القيامة..ودام ذلك شهرا..ثم جاء بَـرَد  وأمطرت السماء ليوم كامل ثم انجلت)
5- الحرائق:
الحرائق الكبيرة التي اجتاحت بغداد وأتت على معظمها كانت من الكثرة حتى أنها بلغت 14 حريق في غضون سبعين عاما في القرن السادس الهجري بين عامي 500 و570 من الهجرة..وهو رقم كبير إذا أخذنا في الاعتبار أن (بغداد) كانت في ذلك الوقت عاصمة الخلافة الإسلامية..
................................................................................

في الشرق لم يكن الرغيف متوفر دوما ..

انتهى كلام ابن الجوزي..
وكل هذا على ما سببه من فساد وإفساد وإهلاك للآلاف من البشر والزروع-حتى ظن الناس بعضها أنه من علامات الساعة-إلا أنه لا يعنينا هنا..
فما يعنينا في موقعنا هذا ومقالنا هذا التركيز على الجوع وما يمكن أن يفعله بالإنسان..
لذلك دعونا الآن نستعرض تاريخ المجاعات التي حاقت ببغداد على مر تاريخها الإسلامي..
فقد لنعرف ما الذي يمكن أن يفعله الجوع بالإنسان..
ولعمري كم يفعل الجوع بالإنسان...
وقبل أن أستعرضها معكم أريد أن أقول إنه حتى تلك الويلات الخاصة بالمجاعات كانت بحق أغزر من أن تعد أو تحصى لذلك سأكتفي بذكر بعضها فقط..
فعلى سبيل المثال:
1- ذكر ابن الجوزي في كتابـه (المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم) ما يلي نصه:
أما عن الآفات التي تسبب بها الجراد فحدث عنها ولا حرج..
ونذكر منها على سبيل المثال:
(اجتاحت (البصرة) عام 240هـ (854م) أسراب من الجراد أهلكت الزرع فخرج الناس في طلبه ليلا ففاجأهم مطر وريح عاصفة فمات منهم 1300 إنسان ما بين رجل وامرأة وصبي..
وفي سنة 311هـ ( 923م) ظهر الجراد  بأنحاء (العراق) وعظم أمره وكثر إفساده للغلات..
وخرج الناس في طلبه ليأكلوه..
ثم اجتاح الجراد الأسود (بغداد) عام 331 (942م) وكان وقت مجاعة ووباء ببغداد فوجد فيه فقراء الناس معونة لشدة غلاء الخبز..
وفي صيف سنة 344هـ (955م) ظهر جراد كثير بنواحي (بغداد) فأتى على الغلات الصيفية والأثمار وأضر بالشجر والثمار..وصار الفقراء يأكلونه..
وتكررت جائحة الجراد في ربيع الأول سنة 347هـ(955م) وأصاب الناس قحط وغلاء..واجتاح الجراد ما كان نبت من الخضروات وغيرها فاشتد الأمر على الناس فعمدوا إلى أكله..
وفي سنة 360هـ (970م) ظهر جراد ولكنه لم يلحق أضرارا فقد كان صغير الحجم فنسفته الريح فصار دجلة مفروش به..
وفي رمضان سنة 465هـ (1073م) اجتاح الجراد الزرع خاصة البقول حتى كاد أن يعدم..
وبعد ثلاث سنوات في شعبان من سنة 468هـ (1076م) تكررت جائحة الجراد فقد جاء منه عدد هائل كعدد الرمل والحصى وأكل الغلات فعاني أهل السواد الجوع فكانوا يطحنون الخرنوب* مخلوطا بدقيق الدُّخـْن..
وفي سنة 541هـ (1146م) انتشر جراد عظيم بالعراق وألحق أضرارا كثيرة بالبلاد مما كان سببا في إسقاط المكس** في الأسواق)
2- ذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني المتوفى سنة 521هـ ( 1127م) في كتابه (تكملة تاريخ الطبري) الذي تناول فيه الكوارث والملمات التي ضربت العالم الإسلامي بين عامي (295 هـ)(907م) و( 367 هـ) (977م) ما يلي:
(ولحقت بأهل (بغداد) مجاعة كانت شديدة الوطء وقعت سنة 331هـ (942م) وأغاث الله الضعفاء عند تعذر الخبز بجراد أسود فبيع كل رطل بدينار)
إذن فالجوع أسلم الناس إلى أكل الجراد..بل لقد استعاضوا به عن الخبز لغلاء الأخير..
قد نبتلع على مضض فكرة أكل الجراد خاصة أن الإسلام قد أحله والرسول صلى الله عليه وسلم قد أكله..
ولكن ماذا عن الفئران والصراصير..
شيء بشع أليس كذلك؟..
اقرءوا فقط ما يلي:

الجوع كافر .. عائلة منشورية ادينت بالتهام صاحب الجثة الظاهر في الصورة خلال المجاعة

3- نعود إلى ابن الجوزي في كتابـه (المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم) ونقرأ فيه ما يلي نصه:
(في سنة (222هـ)(836م) اجتاحت قرى (العراق) أسراب لا تحصى من الفئران..وأتت على غلات الناس..
واشتد الجوع فاضطر الناس لأكل الفئران..وفي سنة 334هـ ( 848م) كثر برستاق القيمرة الكبرى (نوع من حشرة القمل) حتى يئس الناس من غلاتهم..
ولكن أنهى الخطر ظهور نوع من الطير أكبر حجما من العصفور راح يلقط القمل حتى فني..
وفي شهر ربيع الآخر سنة 446هـ (860م) كثرت الصراصير في (بغداد) كثرة هائلة حتى سمع لها في الليل دوي هائل كدوي الجراد إذا طار..وأتت على الأخضر واليابس..واستبدت المجاعة بالناس فصاروا يصيدون الصراصير ويأكلونها حتى فنيت..فكان الفقير يأكلها كما هي..والعامة يأكلونها مع بعض الخبز..أما الموسرون فقد كانوا يقلونها في الزيت)
هل تقززتم؟..
انتظروا قليلا..فوقت التقزز لم يحن بعد..
إن تقززتم من الفئران والصراصير..فماذا سيصيبكم عندما تقرءوا الآتي؟..
4- مازلنا مع ابن الجوزي في كتابـه (المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم) ونقرأ فيه ما يلي نصه:
(في سنة 241هـ (855م) نفقت الدواب لإصابتها بداء الصدام***..ثم في سنة 326هـ (938م) تكرر وقوع الوباء في الدواب جميعا فنفقت وأصاب الناس قحط شديد فاضطروا لأكل لحم الدواب الميتة وكان هذا سببا في ظهور جرب وبثور على جلد الناس..ثم تكرر ذلك في عام 329هـ (940م) ووقع الموت في المواشي وأكلها الناس ميتة..
وفي سنة 437هـ (1045م) وقع الوباء في الدواب جميعا حتى الخيل لم تسلم منه..فهلك من معسكر الملك (أبي كاليجار السلجوقي) اثنا عشر ألف رأس ويقال إنه كان ينفق يوميا في عموم العراق ما يزيد عن المائة رأس وكان ذلك يطرح في نهر دجلة حتى امتلأ به فتجنب الناس الشرب من مائه وعم القحط والبلاء..وتكرر ذلك في عامي 452هـ (1060م) و  459هـ (1067م) وكانت الأعراض عامة هي نفخة العينين والرأس وضيق الحلق وصعوبة التنفس وكان الناس يحضرون الأطباء لدوابهم فيسقونها ماء الشعير فلا يجدي..
وامتد الوباء للغنم حتى أن راعيا قام عند الصباح إلى غنمه ليسوقها لترعى فوجدها موتى وكانت أكثر من خمسمائة رأس..وطال الوباء حيوانات البرية حتى كان الناس يصيدون حمر الوحش بأيديهم ثم يعافونها..
ووقع غلاء شديد وقحط مفرط وطال الموت جميع الدواب على أشكالها..وتعذر اللحم فاضطر الناس لأكل لحم الدواب النافقة..فأصيب الكثير بشتى الأوبئة..وعم الموت في كل مكان)
قد يقول قائل إن هذا لا يعد شيئا..فمازال أكل الجيف وسلخ القوارض والثعابين والأرانب حية وأكلها نيئة..بل وأكل الحشرات وشرب البول أحيانا جزء من تدريبات قاسية تتعرض لها فرق الصاعقة في معظم جيوش الدول..
بل إن الله تعالى قد حلل أكل الجيفة شريطة التذكية أو الاضطرار كما نعرف جميعا..
وأقول له صدقت..ولكن هذا لا يعنيني..
فمازلنا على البر..ولم نخض بعد في الملمات..إنما قصدت أن آخذكم بالتدريج..
فقط تحلوا بالصبر وأكملوا المقال...
وهيا بنا نخطو ألأولى خطواتنا في هذا العباب...
5- ذكر (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري) المتوفى سنة 310هـ (923م)في كتابه (تاريخ الرسل والملوك) ما يلي نصه:
(حينما شدد أبو أحمد الموفق طلحة أخو الخليفة المعتمد على الله (256-279هـ)(870-892م) الخناق على صاحب الزنج**** فألجأه إلى الاعتصام بأحد المواضع في أغوار نهر أبي الخصيب بجنوب العراق في سنة 269هـ (882م) وانقطعت عنه الميرة وغلا سعر القمح عند المحصورين فأكلوا الشعير ثم أكلوا أصناف الحبوب ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كانوا يتبعون الناس فإذا خلا أحدهم بامرأة أو صبي أو رجل ذبحه وأكله ثم صار قـَويّ الزنج يعدو على ضعيفهم فكان إذا خلا به ذبحه وأكل لحمه ثم أكلوا لحوم أولادهم ثم كانوا ينبشون الموتى فيبيعون أكفانهم ويأكلون لحومهم وكان لا يعاقب الخبيثُ أحدا ممن فعل شيئا من ذلك إلا بالحبس فإذا تطاول حبسه أطلقه)..
هل تنتظرون مني أن أعلق على هذا الكلام؟
بالواقع سأكتفي بالقول: لا تعليق
فالطبري معروف للقاصي والداني..معروف بصدقه وورعه وكتبه العديدة التي ألفها في التفسير والحديث..
قد يقول قائل إن الزنج طائفة دخيلة على الإسلام بل ربما لم يكونوا مسلمين إلا بأسمائهم فقط..ولما استبد بهم الجوع ارتدوا إلى أصولهم الأفريقية وعادات أسلافهم في أكل لحوم البشر..
وله أقول : قد تكون على حق..ولكن اصبر حتى تقرأ ماذا فعل أهل (البصرة) حين حاصرهم جيش الزنج وأعملوا فيهم القتل والسبي وحرق الدور..

عبيد يباعون في اسواق بغداد .. وقد ثار هؤلاء اخيرا في العصر العباسي

6- يذكر أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة (346هـ)( 956م) في كتابه (مروج الذهب) ما يلي نصه:
(وعندما دخل جيش صاحب الزنج (البصرة) في شوال سنة 257هـ ( 871م) وأعمل الجيش الغازي في الناس القتل والحرق والأسر..اختفى كثير منهم خوفا..فكانوا يظهرون بالليل فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها والفئران والسنانـيـر (القطط) فأفنوها حتى لم يقدروا منها على شيء..
فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه ويراعي بعضهم موت بعض ومن قدر منهم على صاحبه قتله وأكله.. وعدموا مع ذلك الماء العذب)
انظروا ماذا فعل الحصار بأهل (البصرة) المسلمين..
لقد أسلمهم إلى المجاعة..وأسلمتهم المجاعة إلى التواري عن الأعين بغية الحفاظ على الحياة..
ثم ظهرت حقيقة الإنسان..وكل إنسان..والتي ستظهر جلية يوم القيامة عندما يقول كل منا نفسي..نفسي..
لقد أكلوا الكلاب والقطط (السنانير) بل وحتى الفئران حتى أفنوها..
ثم وصل بهم الأمر إلى أكل لحم الموتى..ليس هذا فحسب..
بل كانوا يترقبون موت بعضهم..وليس هذا أيضا فحسب..
بل كانوا يتقاتلون حتى يقتل أحدهم الآخر فيكون غنيمته فيأكله..
ألم أقل لكم إنها شريعة الغاب؟..
ولم يكن أهل (بغداد) من ذلك ببعيد..طالعوا معي ما يلي:
7- يذكر الهمذاني في كتابه (تكملة تاريخ الطبري) ما يلي:
(وحدثت مجاعة ببغداد سنة 329هـ (941م) وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعة من غير غسل ولا صلاة وظهر من قوم فيهم دين وصدقة وعطف على الأحياء وتكفين الموتى وظهر من آخرين فجور ومنكرات حيث كانوا ينبشون القبور فيسرقون الموتى ليأكلوا لحومهم ويبيعوا أكفانهم..
ثم حلت بأهل (بغداد) مجاعة أخرى سنة 334هـ (946م) وأكل الناس النوى والميتة وكان يؤخذ البزر (البراز) قـَطـُونا ويضرب بالماء ويبسط على طابق حديد ويوقد تحته النار ويؤكل فمات الناس بأكله وكان الواحد يصيح : الجوع..ويموت
ووُجِدت امرأة قد شوت صبيا حيا فقـُتِلت)
إذن فالمجاعة جعلت أهل (بغداد) يأكلون أي شيء..وكل شيء..
بدءا من الجراد والنوى..وهذا قد يستساغ لدى البعض..
مرورا بالفئران والصراصير والجيف..وهذا يثير التقزز والغثيان..
ولكن ماذا عن البراز؟..
وماذا عن أكل لحم الموتى؟؟..
وماذا عن شي الأحياء والتهامهم؟؟؟
أليس هذا شيء لا يصدقه العقل؟
فأين كان إسلامهم وقتها؟...
بل أين كانت فطرتهم؟؟..أخلاقهم؟؟..إنسانيتهم؟؟..
ألم أقل لكم إن:
الجوع كافر
وأعود فأكرر..لا تتسرعوا في الحكم على الأجداد..
فمن يدري لو عشنا زمانهم ومررنا بنفس مقدراتهم ماذا كنا سنفعل وقتها؟؟؟
أتريدون الأبشع من ذلك؟..
هلموا إذن لتقرءوا ما خطه (المسعودي) في ذات الكتاب (مروج الذهب)عن أهل (البصرة) أيضا..
8- يقول (المسعودي):
(إن نسوة حضرن احتضار امرأة وكانت معها أختها وكن جميعا ينتظرن موتها ليأكلن لحمها..
فما إن ماتت حتى قطعن لحمها وأكلنه..ولم يتركن لأختها إلا رأسها..
فراحت تبكي وتشكي ظلمهن لها في أختها)
ويا له من ظلم!!
فهل كانت الأخت تشتهي ذراع أختها..أم فخذها..أم صدرها؟؟!!
يا الله..لله در من قال:
(شر البلية ما يضحك)
أتدرون الأكثر سخرية؟
إنه يقول: (قطعن لحمها وأكلنه)..
إذن فالأكل حدث مباشرة بعد تقطيع اللحم..
نعم..لقد كان اللحم نيئا..فجوعهن لم يمهلهن حتى يقمن بطهي اللحم!!!
هل أفرغتم ما في بطونكم؟؟
أرى أن أعدادكم تتناقص..فقد قام أغلبكم ولم يستطيعوا الاستمرار..ألم أحذركم من البداية؟؟
حتى أنا أقاوم الغثيان بقوة..وقد ابتلعت حتى الآن ثلاثة أقراص من عقار (موتيليم) المضاد للقيء حتى أستطيع إكمال ما أنا بصدده..
فلنكمل...

صورة قديمة لبغداد

9- يقول ابن الجوزي في كتابه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم):
(وقع برد عظيم بالعراق سنة 423هـ (1031م) ما رأينا مثله قط..حتى لقد جمد منه ماء دجلة أو كاد..وجمد الخل والنبيذ وأبوال الدواب والناس..ورئيت ناعورة قد توقفت لجمود الماء وصار الماء في فتحاتها كالعواميد..وتوقف دوران الدواليب على دجلة..وجاءت ريح سوداء شديدة فقلعت الزروع وأشجار الزيتون والنخيل حتى لقد قلعت نخلة من أصلها ثم حملت جذعها لدار بينها وبينها ثلاث دور..وقلعت الريح أسقف البيوت والجوامع بجميع القرى..وتساقط البَـرَد حتى كان وزن الواحدة بين الرطل والرطلين..وشوهدت بَـرَدة وزنت مائة وخمسين رطلا وكانت كالثور النائم وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع..واستمر البرد ستة أشهر..وهلكت المواشي..وهلك خلق كثير حتى رئيت الجثث متجمدة في الطرقات لا تجد من يدفنها..وعمت المجاعة..فاضطر الناس لأكل الجيف..حتى إذا فنيت ذبحوا أولادهم فأكلوهم..
وكان الواحد يعارض بولده ولد غيره كي لا تدركه رقة تثنيه عن ذبحه وأكله)
إذن فقد وصل الأمر بالناس إلى ذبح أولادهم وأكلهم..
إنه أمر لا يصدقه عقل..ولكنه حدث..وتم توثيقه تاريخيا..
فمن ذا الذي يمكنه أن يشكك في مصداقية رجال كالطبري وابن الجوزي الهمذاني والمسعودي؟..
كلهم ثقات..وكل ما رووه حقيقة لا تقبل الجدل..
والآن..ماذا يمكن أن يقول العراقيون عن أجدادهم؟
لا تتسرعوا..
فقبل الختام وددت أن أذكر لكم تلك الواقعة من كتاب (المنتظم) لابن الجوزي نفسه..
أترك بعدها الحكم الكامل لكم..
وقد أردت أن أختم بها لأنه فيها ما فيها من الاختلاف الكلي عما أوردته في هذا المقال..
وأنا أطالبكم قبل أن تصدروا أحكامكم أن تقرءوها بتمعن..فقط حتى تكتمل لديكم الصورة..
ويكون حكمكم عادلا...
10- يقول ابن الجوزي في كتابه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم):
(عندما وقع القحط على عهد الخليفة العباسي المتقي بالله عام 329هـ(940م) وقع في (العراق) غلاء شديد حتى بيع من الحرائر ما ثمنه عشرة دنانير بدرهم ولم يجد من يشتريه وعمت المجاعة أرجاء البلاد بهلاك الزرع والمواشي فأكل الناس النخالة والحشيش حتى إذا فنيت أكلوا جيف مواشيهم وما تطاله أيديهم من دواب الأرض..ودام الحال طويلا حتى تكشف المتجملون..وكثر الموت وهلك خلق كثير بالجوع والعطش..حتى كانت الجماعة تدفن في قبر واحد بلا صلاة ولا غسل..وبدأ الناس يأكلون الضعيف فيهم..وعدموا مع ذلك الماء العذب..وكانوا في حاجة شديدة للاستسقاء..ثم نادى منادي الخليفة في الناس أن اخرجوا للاستسقاء فخرجوا للمصلى للاستسقاء فلم يسقوا..ثم بعد شهر نادى منادي الخليفة في الأسواق أن امرأة من أهل (بغداد) قد رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها فاشتكت إليه المجاعة واحتباس المطر.. فأخبرها أن تبلغ الناس أن يصوموا ثلاثة أيام ثم يخرجوا للاستسقاء في اليوم الرابع فإن الله يسقيهم بإذنه تعالى..ولهذا يأمر الخليفة الناس بالخروج في اليوم المعلوم للاستسقاء بعد تمام صوم الأيام الثلاثة..
فشق ذلك على البعض وقالوا:
هو منام امرأة..وما ندري ما تأويله؟..وهل يصح أن ينادي الخليفة به؟..هب أننا لم نسق..فكيف سيكون حالنا مع الكفار؟؟..ليته أمر الناس بالخروج ولم يذكر هذا المنام..
وصام الناس ثلاثة أيام امتثالا لأمر الخليفة..فلما كان اليوم الرابع وكان يوم ثلاثاء خرج الناس إلى المصلى واستسقوا فسقوا..
وعم مطر الخير..وربا الزرع..وانتهت المجاعة)
أعتقد أن هذا يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأجداد كانوا مضطرين لما فعلوا..وليس عليهم حرج..
بل وكانت قلوبهم عامرة بالإيمان أيضا..
ألم أقل لكم لا تتسرعوا؟
.................................................................

في المقال القادم سنستمر في سرد الملمات التي وقعت ببلاد المسلمين عبر التاريخ وما أدت إليه..
فقط سنتوجه إلى الغرب قليلا..
حيث هبة النيل..
(مصر)..
لكنها ليست (مصر) الفرعونية الساحرة..
ليست (مصر) الحضارة المشرقة..
بل (مصر) المظلمة..
سآخذكم في نزهة ليلية على النيل..
ثم نسير في طرقات مصر القديمة وأحيائها كحي (الجمالية) لنشاهد روعة الفن المعماري الفاطمي..
سنرى البيوت الرائعة التي تزينها لوحات الفسيفساء..
وأعمال الأرابيسك التي تزين المشربيات في تناغم كامل مع وريقات اللبلاب والعنب التي تلتف حولها..
وسنرى الكتابة على الأبواب والجدران بماء الذهب..ورائحة البخور والطيب التي تعبق المكان..
صورة ساحرة..أليس كذلك؟
ولكن يجب علينا ألا تأخذنا السكرة..
يجب علينا أن ننتبه جيدا فنسير وسط الشارع ونتحاشى السير بجوار البيوت..فقط لنتحاشى تلك الخطاطيف...
نعم..الخطاطيف المتدلية من أسطح تلك البيوت والتي تختطف كل ذي حظ عاثر شاء قدره أن يسير أسفل تلك البيوت..فقط لتكون نهايته في معدة الجوعى الذين استبد بهم القحط فأشرفوا على الهلاك..
ولكن هذا مقال آخر بمشيئة الله..
دمتم بخير...

هوامش :
.............

1- الخروب:
نبات من الفصيلة البقولية عبارة عن شجرة دائمة الخضرة يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار ولها ثمرة قرنية كبيرة بنفسجية إلى بنية وتطحن هذه في بعض بلدان العالم وتستعمل دقيقا في عمل الخبز الجزء المستعمل من النبات الثمار بعد إخراج بذورها واللحاء..
تحتوي الثمرة على حوالي 50 - 70٪ مواد سكرية ودهون ونشا وبروتين وفيتامينات لقد كتب الطبيب الإغريقي دسقوريدس في القرن الأول الميلادي أن ثمار الخرب تفرج ألم المعدة..والخروب أو الخرنوب ثمرة جافة لشجر الخروب
وقد استخدم لب الثمرة كطعام حلو. تعتبر ثمار الخروب مغذية وملينة معتدلة ويساعد في تطهير الأمعاء. وحيث إن الخروب قلوي فإنه يستعمل لعلاج حموضة المعدة فيعادل حموضة المعدة ويمتص بعض السموم الإفرازات الضارة بالأمعاء..وينظم الهضم..
وطريقة التحضير هي أن تسحق ثمار الخروب بعد إزالة بذورها ثم تنقع في ماء بما يعادل حجم الكمية المأخوذة ثم تغلى لمدة 10 دقائق وتصفى وتعبأ في زجاجات ويشرب منه في جرعات كل جرعة ثلاث ملاعق أكل قبل الوجبة الغذائية أو عند الشعور بالحموضة..
يصنع مشروب الخروب من مسحوق القرون الجافة وهو مشروب ملطف ومرطب في الصيف  وهو مفيد للمغص ومدر للبول وطارد للديدان و يستخدم لمضمضة الأسنان واللثة ويعالج الإسهال والدوسنتاريا وذلك بسحقه وسفه..
كما أنه مفيد لمرضى السكر إذا خلط مسحوقه مع الترمس والحلبة ويؤخذ سفا..
2- المكس - بفتح الميم - :
هو الضريبة والإتاوة وهو دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية أو تؤخذ من التجار إذا مروا وهي الجمارك في عصرنا
وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
(لا يدخل الجنة صاحب مكس)..
3- الصدام:
قد يندهش الكثيرون عندما يعلمون أن مرض الصدام هو ما نعرفه الآن باسم (الجمرة الخبيثة) أو (الأنثراكس) (Anthrax ) وللمزيد من المعلومات بإمكانكم مراجعة الرابط التالي:

http://ar.wikipedia.org/wiki/جمرة خبيثة

4- الزنج:
هم جماعات من العبيد السود كان العباسيون يأتون بهم من أفريقيا الشرقية للعمل في استصلاح الأراضي الواقعة بين مدينتي البصرة وواسط وكان عددهم كبيرا جدا يعدون بالآلاف ويعملون في جماعات..وكانوا يعيشون وضعاً سيئا ولا يتقاضون أجوراً يومية وكانت تؤخر أجورهم وكانوا لا يعطون كفايتهم من الطعام واستغل أصحاب الأراضي هؤلاء الزنج أبشع استغلال والدولة كانت تعلم ذلك..
ما أدى في النهاية إلى ثورتهم على أوضاعهم وعلى الدولة تحت قيادة اثنين منهم هما (علي بن محمد) و(ريحان بن صالح)..وعرفت ثورتهم باسم (ثورة الزنج) ونجحوا في الاستقلال بالبصرة والأهواز بعدما أبادوا أهلها فقد أبادوا في البصرة وحدها أكثر من 300 ألف شخص..ثم أحرقوها..وكونوا دولة داخل الدولة العباسية..
واستمرت دولتهم تلك 14 سنة في حروب مع العباسيين حتى تمكن منهم العباسيون ولكن بعدما جمعوا كل قوتهم وعتادهم عليهم وحصارهم لمدة طويلة..ما أدى في النهاية إلى تجرؤ الروم على شمال الدولة العباسية واستقلال الطولونيين بمصر..وللمزيد من المعلومات عنهم بإمكانكم مطالعة الرابط التالي:

http://alahmad.com/node/283

المصادر :
..............

1- الموسوعة الحرة (ويكيبديا)
2- تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري  المعروف بتاريخ الطبري طبعة دار المعارف – القاهرة 1974 ( 10 أجزاء )
3- تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذاني في ذيول تاريخ الطبري طبعة دار المعارف – 1990
4- مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسـعـودي دار القلم – بيروت 1989 (4 مجلدات)
5- المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي طبعة دار الكتب العلمية – بيروت  1992( 18 جزءا )

هذه القصة نشرت لأول مرة بالعربية في موقع كـابوس بتاريخ 30 /11 /2011

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية والبغضاء
  • التسجيل في منتدى كابوس يتيح لك خاصية التعليق المباشر
الأسم
التعليق