الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عطية في رداء بلية

بقلم : فايزة - أرض الأحبة

أخبرني المشعوذ أنه سحر محبة ستكره زوجها و تنطلق منه و تحب ابني

السلام عليكم ..
في كل يوم تشرق فيه الشمس من مشرقها يكون لدينا فرصة لتجديد حياتنا و تطهير القلوب من رواسب الحقد والنفاق و الشقاق والحسد .. كل يوم هو فرصة جديدة لنا لاكتشاف أخطائنا و عيوبنا ومن ثم إصلاحها قبل فوات الآوان.
وما يجعلنا لا ندرك هذه الهبات اليومية المغدقة علينا من الله الواحد القهار هي الغفلة وفي هذا السياق تذكرت قول الحسن البصري رحمه الله حين قال:" وَاللَّهِ لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أن يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلَى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ وَمَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ "

تضيق علينا الدنيا و نحسب كل مصيبة وقعت علينا هي نهاية المطاف و نتأفف منها بل و نستنكر ذلك عندما نقول لماذا الأمور سيئة معي أنا بالذات؟ لماذا أنا؟ وننسى أن لكل محنة منحة ، وكل عطية تأتي برداء بلية وهذا مع حصل معي سنة 1995 السنة التي اهتز فيها كل شيء في حياتي, سنة لن تمحى من ذاكرتي أبدا .

في تلك السنة تحقق حلمي المهني فهي آخر سنة لي في المدارس أو ما يعرف في بعض الدول المعاهد المؤهلة لتكوين المدرسين أو الأساتذة وبعدها سأصبح مدرسة أو أساتذة لطلبة البكالوريا أو الثانوية العامة شعبة الفيزياء ، كنت حينها فخورة بنفسي وبدراستي و بعلمي ، تلك السنة أيضاً كانت سنة انتقالية بالنسبة لأختي الصغرى إيمان التي تصغرني بسنتين كانت تستعد لزفافها وهي مازالت طالبة في كلية الهندسة وباقي إخواني مستقرين في بيوتهم و أمي و أبي رحمهما الله يشعران بالفخر والاعتزاز ..

كل شيء هادئ ومريح ، ولكنه السكون الذي يسبق الزوابع ، في مساء أحد الأيام وبالضبط 14 مايو ( أيار)1995 م بيتنا ينتظر ضيوفاً والكل مبتهج إنه عقد زواج أختي إيمان ، يا لها من فرحة وسرور تغمر بيتنا! في نفس الليلة تقرر تاريخ العرس فقد قررنا أن يكون في 10 أغسطس 1995 و طبعاً اعتبر التاريخ جيداً للجميع .

عندما تقدم عادل لأختي كانت الخطبة سرية ولم نخبر أحداً وهذا كان أمر أبي ، أما في عقد الزواج كانت حفلة صغيرة ، في ذلك الوقت كانت حياتي العملية جيدة لكن حياتي الشخصية ليست على ما يرام لأنني لم أكن من الحريصين على فرائض الدين الإسلامي ..

بدأت أختي إيمان تجهز بيت الزوجية وقد أكملت تأثيث شقتها و تفرغت لتجهيز عرسها ، كنا نطمح ليكون عرساً جميلاً وممتازاً بكل المقاييس ، في أحد أيام شهر يونيو(حزيران) وكنت حينها وسط خضم الامتحانات وعلي أن أكون من الأوائل كما تعودت ، في الساعة 1 صباحا و أنا أراجع دروسي انتفضت من مكاني إثر سماعي لصراخ قوي قادم من سرير أختي ذهبت إليها فوجدتها عبارة عن جمرة من شدة السخونة ، تصرخ متألمة بآلام قوية في بطنها وتقول : أحس كأن سكيناً يمزق أحشائي ..

في هذا الوضع لم أجد مفراً سوى أن أطرق باب غرفة والدي اللذان سارعا بأخذها للطبيب ، بتنا معها في المستشفى حيث أخبرنا الطبيب أنها تسممت و أنهم قاموا بما يلزم دخلنا عليها الغرفة وكانت نائمة تبدو عليها الراحة ، نعرفها جيداً دائماً تأكل خارج البيت وكان ظني وقتها أنها تسممت بسبب هذا ، حمدنا الله أن الأمور أصبحت جيدة الآن لكننا لم نكن ندرك أن هذه ليست سوى البداية فقط ..

خرجت من المستشفى وفرحنا بذلك فرحاً شديداً ، في مساء ذلك اليوم و أنا كعادتي أراجع دروسي تعبت و أردت أن أستريح توجهت نحو المطبخ و جهزت فنجان قهوة ورجعت للغرفة وهي غرفة مشتركة بيني وبين أختي فوجدت أختي توجه وجهها للحائط و كأنها مسمار ناديت عليها لم تجاوب وعندما حركتها سقطت فناديت عليها فاستيقظت و سألتها : ماذا كنت تفعلين أمام الحائط ؟ قالت : كنت أتكلم مع حبيبي ، تبسمت وقلت لها : يا لحظك يا عادل ! فقالت : حبيبي ليس عادل ، تسمرت في مكاني وقلت : من ؟ قالت : أنا أمزح فقط معك ، لكن شيئاً بداخلي لا أعرفه جعلني قلقة على أختي

انتهت الامتحانات وجلست في البيت فبدأت ألاحظ تصرفات أختي التي أصبحت لا تطاق تصرخ و تغضب و تحب الجلوس فوق السطح ، كثر شجارها مع زوجها عادل و فقدت شهيتها و أصبحت تحدثني عن كوابيس ورؤى وغير ذلك ، تحب الجلوس وحدها و لا تريد أن نكون معها أو يكلمها أحد وهي التي كانت ضحكاتها تصل لبيوت الجيران

 الألم الحقيقي بدأ الآن .. ففي يوم ونحن جالسون على مائدة الغذاء وقد أحضرناها غصباً ، في لحظة أمسكت ببطنها و أسرعت نحو الحمام أسرعت وراءها و رأيت منظراً لن أنساه أبداً ، أختي تتقيأ الدم وتصرخ من الألم ، يا أحبائي لقد تجمدت يداي الآن ولم أعد أقوى على الكتابة كما أنني لم أعد أرى شاشة جهازي رغم وجود النظارات فلقد امتلأت عيوني دموعاً ، سأسحب نفسا عميقا و أقرأ بعض الأذكار و أكمل الكتابة.

أسرعنا بها إلى المستشفى و كالمرة السابقة علاجات مسكنات تحاليل وكل مرة يخبرنا الطبيب أنها سموم أو مرض نفسي ، عرضت على الطبيب النفسي حيث قال ربما لديها بعض مخاوف الزواج ، بدأت الأيام تتسرب منا كحبات عقد اللؤلؤ الذي انقطع خيطه وكل يوم أسوء من سابقه ، أما أختي فقد بدأ شعرها يتساقط بشكل مخيف ونزل وزنها بطريقة مرعبة من وزن 75 كيلوجرام  إلى وزن   40كيلوجرام ، بدأ البيت لا يخلو من الزوار وفي يوم قالت لي عمتي : لماذا لا تحضرون لها شيخا و يخبرنا ماذا بها ؟ أجبتها : عمتي نحن أسرة متعلمة و أبي و أمي متعلمين وقد زرعا فينا العلم و لا نؤمن بهذه الأشياء .. تلك اللحظة كنت أنا الجاهلة وليس هي

 ازداد عذاب أختي من صراخ إلى أوجاع وكنا نتحكم فيها فقط بإعطائها الأدوية ، أصبح وجهها شاحباً و ازدادت هلوستها ، وفي يوم نظرت إلي و قالت أتحبينني؟ قلت أنت أختي وحبيبتي ، قالت : ادعي الله أن أموت وهكذا أرتاح ، قلت لها مقاطعة : لا تقولي هذا ، قالت : لا شيء سيريحني من هذا العذاب إلا الموت ، ثم صرخت أرجوك لا تنظر إلي هكذا ، بدأت أنظر في الغرفة و أقول لها : لا أحد معنا ، ولكنها تقول : بلى أنت لا تصدقينني ، ثم أغمي عليها ، بعد تلك الحادثة بثلاث أيام أسلمت أختي روحها إلى الرحمن الرحيم كان ذلك في 25 يوليوز (تموز) 1995

لقد ماتت وهي في بداية حياتها كانت لها أحلاما كثيرة كانت ستكمل دراستها وسوف تتخرج لتصبح مهندسة معمارية ، أحبت رجلاً وعقد عليها و كانت ستصبح زوجة و أماً ، وهي تحتضر نظرت إلى زوجها وطلبت منه السماح ومن أبي و أمي و إخواني وكل الموجودين ، ساعتها وقد ضغطت على يدي وقالت : وداعاً يا أختي ..
البيت الذي كان يستعد للفرح أصبح موطناً للبكاء و الصراخ والحزن ، تمت مراسيم الجنازة و في اليوم الثالث من موت أختي جاءت الصدمة الكبرى فقد توفي أبي وكانت صدمة لنا حتى أصبح الناس مشفقين علينا ، لقد كان والدي رحمه الله يعاني من ارتفاع ضغط الدم لم يتحمل صدمة فراق ابنته ، إنه القدر الرباني والحمد لله


 لم أعد أستطيع النوم في غرفتي ولا أمي تستطيع أن تنام في غرفتها لذلك كنا ننام أنا وهي في الصالون ، شهر غشت (آب) 1995 لم يكن شهر فرح ولكن شهر حزن بامتياز ، وقتها استلمت نتيجتي وقد نجحت وتم تعييني في منطقة قروية تبعد عن مدينتي ب 250كلم ، قرية حضرية بها ثانوية ، لم يسعدني هذا الخبر لأن القلب مليء بالحزن ..

جاء شهر سبتمبر (أيلول) وعلي أن ألتحق بعملي ، لم أنس موقف أخي الذي قرر أن ينتقل للعيش مع أمي في بيتنا برفقة زوجته و أبناءه فهو لا يستطيع أن يتركها وحدها ، قراره كان رجولياً ، جهزت حقيبتي والدموع تنهمر ودعت عائلتي وصعدت إلى الحافلة ، في الطريق لم أكن أستمتع كباقي الركاب بجمال الطبيعة والوديان و الجبال ولكن كنت أفكر في كل شيء حصل معنا هل كنت أعيش كابوس  أم هي الحقيقة المرة ؟


وصلت والتقيت بالمدير الذي عرفني بالطاقم التعليمي للثانوية رحبوا بي و استضافتني إحدى المدرسات في بيتها ثم بحثت عن مسكن وبدأت أستأنف حياتي ، جاءت عطلة الربيع ورجعت للبيت في كنف أمي التي بدأت تتأقلم مع الأحداث التي مررنا بها ، فقد أصبحت بخير أفضل مما وجدتها عليه في عطلة رأس السنة الميلادية

في عشية أحد أيام العطلة و نحن نشاهد التلفاز رن جرس البيت و فتحت الباب ، وجدت عواطف ابنة جيراننا تخبرني أن والدتها مريضة وتطلب رؤية أمي ، أخبرت والدتي التي سارعت في تجهيز نفسها لزيارة أم عواطف و قد فكرت أيضاً أنا بالذهاب فهي جارتنا منذ وقت طويل وابنها محمود صديق أخي ونحن مثل الأهل
 لقد عاتبنا عواطف أنها لم تخبرنا بمرض أمها من قبل ، فقالت : أمي كانت عند أختي في أمريكا وهناك مرضت وكانت تتعالج ولكنها طلبت أن ترجع إلى بيتها وقد رجعت البارحة


 ذهبنا فوجدناها طريحة الفراش وقد نال منها المرض ، عندما رأتنا بدأت تبكي وبدأنا نهدئها وندعوها لترتاح ، فقالت : لن أرتاح أبدا حتى أعترف و تسامحوني ، استغربنا وقالت لها أمي : في ماذا نسامحك ؟ قالت : أنا السبب في كل شيء ، سألتها: السبب في ماذا ؟ وقد حرصت على أن تقص لنا دون أن نقاطعها ، قالت : أتذكرون عندما قدمت لخطبة إيمان رحمها الله لأبني محمود ، قالت أمي : نعم  ، وعرضنا الموضوع على إيمان ورفضت فأمر الزواج كان يخصها هي ، قالت : عندما علم محمود كاد يجن وكنت أصبره بأنها ستوافق مع مرور الأيام حتى صدمنا بعقد زواجها فحاول ابني محمود أن ينتحر لولا أن تم إنقاذه في الوقت المناسب ، ساعتها كنت ضعيفة فشكوت إلى إحدى قريباتي التي أرشدتني إلى مشعوذ فعملت لها سحر حيث أخبرني المشعوذ أنه سحر محبة ستكره زوجها و تتطلق منه و تحب ابني محمود وتهيم به و ستكون بين يديه كعجينة يشكلها كيفما شاء

 لقد أخبرني أنه يجب أن تتناول هذا السحر ، وفعلاً كانت أول مرة وقفت أنتظر إيمان أمام باب منزلي ولما رأيتها دعوتها لشرب الشاي معي رغم اعتذارها لكنني أصررت عليها فكان لي ما أريد ، لكن لم تظهر النتيجة بعد أسبوع ، رجعت للمشعوذ الذي أعطاني وصفات أخرى وكنت أنتهز الفرص أراقبها مرة أدعوها لرؤية جديد الحلويات ومرة أخبرها عن جديد الموضة في الأعراس و أن لدي مجلات ، لكنني لم أكن أعرف أن هذا سيؤدي إلى موتها ، كنت فقط أريد أن يفرح ابني ولكنني تسببت في مأساة لكم ولي ، فقد هجر ابني المكان بعد وفاتها أما أنا كلما أغمض عيني أرى إيمان تهددني وهذه الأيام أرى وجهاً قبيحاً يريد قتلي ، أرجوكم سامحوني

صرخت أمي صرخة قوية وهي تحتسب وتقول : لماذا ؟ حرام عليك ، آما أنا فنظرت إليها و قلت : ليس من حقنا أن نسامحك من لديه الحق هي أختي و أبي رحمهما الله أما نحن فأمرنا لله ، منظرها كان بشعاً يدعو للشفقة ، حاولت ابنتها تبرير الموقف لكننا كنا في حالة يرثى لها

في تلك الليلة لم ننم أحاسيس مختلطة و مشاعر متضاربة وفي الصباح أفقنا على خبر وفاة أم عواطف ، قمنا بواجب العزاء و بعدها رجعت لعملي بعد أن تحدثت لأمي ووعدتني بأنها ستحافظ على صحتها من أجلنا ، رويت لكم الجزء الأول من قصتي بإخلاص و أمانة دون زيادة أو نقصان ، ما حصل لي في مكان عملي هو الأهم ما حصل هناك غير مسار حياتي و جعلني أكثر تقرباً إلى الله عز و جل ، إن شاء الله ترقبوا الجزء الثاني من قصتي .

تاريخ النشر : 2017-10-09

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر