تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

في البرية (Into the wild)

بقلم : دعاء أحمد خاطر - الاردن
Duaakhater@yahoo.com

تترك حياة البذخ و الراحة بإرادتك لتعود إلى الحياة البدائية ..

ما فتئ الإنسان يبحث عن وسائل الراحة ، و كم يسعده زخم التكنولوجيا المتصاعد ، في كل ثانية  و ما ينتجه عقول العلماء من وسائل تسهل حياة البشر ، هذا ما قد يتفق عليه الجميع ، أما أن تترك حياة البذخ و الراحة بإرادتك لتعود إلى الحياة البدائية و ما فيها من مخاطر و مصاعب ، قد نحكم للوهلة الأولى على هكذا تصرف على أنه ضرب من الجنون ، أو عدم تحكيم للعقل بالشكل الصحيح .

لم يكن أليكساندر كأقرانه ، و ما جعلني أصدر عنه هذا الحكم أننا نتحدث عنه الآن فلو كان مثلهم لكان طي النسيان ، ككثير ممن عاشوا و ماتوا دون أن يلوح ذكرهم في بال أحد .

ترائى له حلم وحيد دأب لتحقيقه ، هو لم يقبل أن يكون عددا أو أن يتصرف كغيره ، أنهى دراسته الجامعية بتفوق كأنه كُتب له أن يتوفق في كل شيء ، ثم ألقى كل شيء جانبا المال الذي بحوزته ، إثباتاته الشخصية ، حتى لوحة السيارة تخلص منها ، و غير اسمه .

لقطة من الفيلم أليكس في يوم تخرجه مع أخته كارين

تخرج كريس من جامعة إموري بتفوق ، أزاح عن كاهله ما يدعوه بالواجبات المصطنعة التي كان عليه أن يُرضي بها غرور والديه و مجتمعهما الراقي ، ثم اتجه إلى أريزونا حيث ترك سيارته هناك و أخفى اللوحة التي تحتوي على رقم السيارة ، تبرع بما يملكه من مال إلى الجمعيات الخيرية ، أحرق ما تبقى لديه منه ، تخلص من إثباتاته الشخصية لأنه في عالم أليكس لا يوجد مكان للمسؤوليات و الالتزامات المضجرة و الواجبات السخيفة التي تُفرض على أبناء جنسه ، فلا مكان لهذا المجتمع المنافق المليء بالترهات أو ما يسمى بــ ( عالم الماديات ) التي قد تعطي أمانا زائفا لبعض الوقت ، في عالمه الأولوية للطبيعة و سحرها التي تعطيه الحرية المطلقة و التي كان يؤملها منذ زمن ، أنيسه الكتب و أشعارها يتحرر بها و يشعر بوجوده من خلالها .

إلى اليمين لقطة من الفيلم و إلى اليسار الصورة الحقيقية للزوجين اللطيفن الذين استقبلاه في حافلتهما المتنقله

يَخرج كريس في نهاية شهر أيار عام 1990 م ؛ ليبدأ حياة التجوال و التشرد دون هدف محدد أو واضح ، يمتطي قدميه مكتشفا عالمه و مبتدأ ً ميلاده ، يومئ بين الحين و الآخر للعربات لتقله ، حتى انتهى به المطاف في مقطورة صغيرة لزوجين لطيفين ، ليبدأ فصلا جديدا من حياته برفقتهما و بعدها يمضي في مغامراته التي قادته لزيارة كل من المكسيك الجديدة و كاليفورنيا وأوريغون ومونتانا و كندآ و داكوتا  ، ثم ما لبث أن وضع الخطة الملائمة له و هي التوجه إلى محطته الأخيرة ألا و هي ألاسكا ، حيث الحرية بلا حدود و النقاء المطلق ، فلا بشر ينغصون حياتك و لا وجود للماديات و لا لمجتمع يثقل كاهلك بالتزاماته المصطنعة ، عمل كريس في مزرعة ليؤمن احتياجاته هناك تعرف على واين صاحب المزرعة و قضى عنده بعض الوقت الذي بقي يتذكره حتى في آخر لحظات حياته .

كريس في المنتصف و صديقه واين إلى اليسار

في داكوتا يلتقي كريس بـ رون العجوز و يمضي معه وقتا رائعا يستقي منه الحكمة و يؤنس وحدته و هذا على ما يبدو جعل العجوز يفكر في تبني هذا الشاب المغامر و هذا ما عرضه عليه في مشهد مؤثر حين أقله إلى أقرب مكان لوجهته  لـ ألاسكا  .

رون العجوز مرافقا كريس لبعض الوقت قبل توجهه إلى ألاسكا

من ناحية أخرى جُن جنون العائلة فقد عرف الأب و الأم عن رحلة ابنهم المجنونة بعد شهرين من اختفائه بعد توجههم من فرجينيا إلى أتلانتا ليتفقدوا حاله ، لم ينفكوا عن البحث المستمر عن فقيدهم ، يأملون اتصالا ، أو رسالة تطمئنهم عن حاله ، يتفقدون كل الوجوه علهم يجدون السلوى أو علهم يُمنون برجوع ابنهم إلى أحضانهم ، لم يجدوا له أثرا كأنه تعمد أن يختفي ، حتى أنه تخلى عن اسمه فقد كان يُطلق على نفسه كريستفور الرحالة الخارق عوضا عن اسمه الحقيقي كريستفور مكندلز ، حتى شقيقته الصغرى كارين التي هي بمثابة الشقيق الروحي لكريس تشاركه مشاعره أفراحه و أحزانه لم يتواصل معها خلال رحلته ، و ما آل به إلى هذا المآل الوضع لمضطرب في عائلته و المشاكل المتكررة و الاوشاك على الطلاق من قبل والديه في عدة مناسبات ، و لكن الصدمة التي أثرت به حقا و لم يستطع تجاوزها هو حقيقة وجود عائلة هجرها الأب و لم يعترف بها من أجل عشيقة أصبحت بعدها أما لطفلين ، فاعترى الغضب صدر هذا الصغير و أصدر الحكم بلا رأفة أن يذهب بلا عودة ، أن يذهب بلا أثر ليكتشف ذاته و الغضب يتأجج في أوصاله تاركا عائلة مكلومة وراءه أمضت عامين تبحث عن محبوبها  ، و كم من عائلة و كم من إنسان جرب مرارة الفقد!! وقد يقول البعض أن هذا حكم جائر أصدره كريس بحق والديه و لربما لو كان هناك اهتمام أكثر بمشاعر هذا المراهق لم يكن لينضج شاب غرّ يتحكم به غضبه وتقوده أهواؤه إلى المجهول .

صور حقيقية من رحلات أليكس التي جاب فيها أراضي الولايات المتحدة الأمريكية

توجه كريس إلى ألاسكا في شهر أيار عام 1992 م سعيدا بأنه سيحقق ذاته فهو لا يحتاج للبشر ليشعر بالسعادة ، قطع النهر و توغل في ألاسكا فوجد حافلة مهجورة للتنقل ،  جعلها ملاذا للنوم و الاحتماء من البرد أصبحت بمثابة الوطن و الأمان و أخذ يتغذى على الحيوانات الصغيرة و النباتات البرية ، فعاش كريس الحياة التي كان يؤملها حيث لا بشر أو زيف فقط هو و صديقه الكتاب و عشيقته الطبيعة .

في الأعلى صورة من الفيلم ، و في الأسفل صورة الباص 142 الحقيقية

بعد فترة أدرك الحقيقة التي كانت غائبة عنه أو التي كان يتجاهلها ألا وهي أنه يحتاج إلى أحضان عائلته و يحتاج إلى الغفران الذي بدأ يتسلل إلى قلبه ، فقرر العودة و إنهاء رحلته ، و لكنه لم يستطع ، فقد فاض النهر و محاولة تجاوزه هي التوجه إلى الموت بحد ذاته .

آخر صورة التقطها كريس لنفسه وُجدت في كاميرته بعد موته

عاد كريس أدراجه إلى باصه العجيب  ، و لكن الموت وجد طريقه إليه ، فالمئونة الشحيحة التي كان يملكها شارفت على الانتهاء كما رحلته المهيبة ، بعد أربعة أشهر ليست سعيدة بأكملها لفظ كريس أنفاسه الأخيرة جوعا في ذاك الباص و كان يزن 30 كيلو غراما فقط ،  وُجد بعد أسبوعين على أيدي بعض الصيادين ، فكانت نهاية مؤلمة لشاب كان من الممكن أن يعانق والديه الفرحين بعودته بدل أن يعانقه الموت و يقتلعه في زهوة شبابه ، قضى ذلك الشاب المفعم بالحيوية المحبوب لدى الجميع ... غادر وحيدا في صمت ، و آخر ما كتبه كريس كان : " لقد عشت حياة سعيدة وانا أشكر الله، مع السلآمة وبارك الله فيكم" ، و تحقيقا لحلم أخيها غادرت كارين برفقة رماد كريس بواسطة الطائرة من ألاسكا الى فرجينا .

الصورة اليمنى لكريس و آخر الكلمات التي خطها قبل وفاته و الصورة اليسرى وضعته عائلة كريس تخليدا لذكراه في مكان وفاته

من هو كريستوفر مكندلز ؟

كريستوفر مكندلز، مغامر أمريكي سافر إلى البرية و توفي بعد أربعة أشهر من مكوثه في ألاسكا مع القليل من الطعام والمعدات , تحقيقا لحمله في العيش منعزلا ، ولد في 12 شباط 1968 م و توفي في 18 آب 1992 م له أخت تصغره تسمى كارين ولدت عام 1976 م .

صورة من طفولة كريس

هو ابن والت مكندلز 1936 م  ، عمل كاختصاصي هوائيات في ناسا  ، و ويلملينا ماكندلز 1945 م ،  عملت كسكرتيرة في هيوز للطائرات و لاحقا عملت لدى زوجها كمساعدة في شركة الاستشارات المنزلية الناجحة التي أسسها . لدى كريس أشقاء من أبيه من زواج سابق و قد ولد كريس و كارين قبل أن يحصل على الطلاق من زوجته الأولى و هذا ما جعل علاقة كريس تتدهور مع والده بعد اكتشافه لهذه الحقيقة في رحلة صيفية شمالي كاليفورنيا عام  1986 م  .

صور لكريس مع عائلته

حصل كريس سنة  1980 م على شهادة الثانوية مما أهله للالتحاق بجامعة إموري فحصل منها على شهادة الدراسة الجامعية سنة 1990 م بتخصص مزدوج في التاريخ و الأنثربولوجيا ، وُصِف كريس بأنه كان طالبا مجدا إضافة إلى كونه محبوبا من قبل الجميع .

صور لكريس مع عائلته

خرج فيلم سينمائي جَسّد حياة كريستفور مكندلز بعنوان ( إلى البرية )  (into the wild ) عام 2007 م على يد المخرج شين بين و الذي حمل نفس عنوان السيرة الغيرية للكاتب جون كراكوير الذي أُصدر عام 1996 م ، و قامت أيضا أخته بإعادة كتابة لسيرة حياة كريس .

 

تاريخ النشر 17 / 01 /2015

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق