تجارب من واقع الحياة

الإرادة ولا شيء غير الإرادة

بقلم : M.N.hr – سوريا

لقد وُلد هذا الطفل مختلفاً عن غيره ، لم يكن قادراً على المشي
لقد وُلد هذا الطفل مختلفاً عن غيره ، لم يكن قادراً على المشي

أشرقت شمس الصباح وبدأت خيوطها الذهبية تتسلل من بين شقوق النافذة الصغيرة لتعلن بدأ يوم جديد.

أخذ الليل يسحب ذيوله من هنا وهناك معلناً عن ذهابه ، ولتبدأ الحياة تضج في كل الأنحاء ، يبدو أنه كان يوم عطلة هذا يفسر سبب كون هذا اليوم له راحة خاصه في النفس ، لكن مهلاً.

يبدو أن في سرير تلك الغرفة يوجد من لم يغلق عينيه ، هذا واضح من الهالة السوداء تحتهما إنها ليست أول ليلة وهذا الطفل لم ينم ، بدأت تلتمع على طرف عينيه الدموع عندما لامسها الخيط المذهب من شقوق نافذته ، هذا الطفل الذي يعيش كل ليلة تقريبا هكذا منذ أن وُلد وحتى بلوغ عامه الثامن عشر ،

لقد وُلد هذا الطفل مختلفاً عن غيره ، لم يكن قادراً على المشي بسبب بعض المشاكل الخُلقية ، كان الطفل أحمد قد فقد الأمل بالمشي فكان أقصى أحلامه أن يذهب إلى المدرسة بمفرده أو أن ينهض عن السرير كأي طفل ، على أي حال هكذا كان .

حاولت أن أتخيل صعوبة الموقف و أنا أعرف تقريباً كم هو صعب بسبب طبيعة عملي التي تجعلني دائماً اندمج نفسياً بهذه الحالات .
لكن هذا الطفل بالتحديد كان مختلف ، عندما رأيته للمرة الأولى كان ضعيف الأمل وقد بدأ شبح المستقبل يتسلل إلى ذهنه و يضع له صور الوحدة والعزلة والحاجه للغير ، فالعمر قطار لا يهمه من قد تفوته الرحلة.

بدأنا العمل معاً لـ ٦ أشهر متواصلة ، أحسست بالرغبة التي تتملكه في أن يقف بلا مساعدة فقد كانت لديه إرادة عظيمة ، رغم كل الضعف في قدميه لا توازن و لا شيء أبداً ، لا شيء فقط الإرادة.

بعد البدء بالعلاج كانت الآلام تأكل من قدميه حتى أنه لفترة كان قد تملكه اليأس ، ولكن الرغبة في بلوغ الهدف كانت أقوى.

مرت الأيام والآلام تزداد والتحديات والحزن والبكاء ، لكن كانت تزداد معها الإرادة ، حتى انقضت الأشهر الستة ، لك أن تتخيل شعوره بعد أن استطاع المشي للمرة الأولى لوحده !.

نعم ، حتى هنا قد ذرف الدموع ، لكنها كانت دموع لها نكهة خاص دموع لا يعرفها إلا من بلغ هدف قد كان شبه مستحيل.

أحياناً النعم التي نعيشها لا نشعر بها حتى نفقدها  ، أشكر الله فهناك من يتمنى لو كان مكانك بسبب أشياء تفعلها قد لا تلاحظها أصلاً ، لكن تخيل حياتك بدونها .

تذكر الإرادة هي التي أوصلت أينشتاين للنسبية وللعالمية ، هي التي قادت جان جاك روسو من فقير يجاهد للحصول على فطوره إلى واحد من اعظم فلاسفة الكون .

وارين بافيت ” ﺃﺷﻬﺮ ﻣﺴﺘﺜﻤﺮي ﺍﻟﺒﻮﺭﺻﺔ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ” عمل موزعاً للجرائد ولم يُولد و بفمه ملعقة من ذهب ، والقائمة تطول .
هذه القصة هي لأحد تجاربي مع المرضى و قد تم تغيير أسم الطفل لحماية الخصوصية .

تاريخ النشر : 2020-07-10

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
12
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك