تجارب ومواقف غريبة

الساكنة في بيتنا

بقلم : ابو رامي – اليمن
للتواصل : [email protected]

رأيت وجه يغطي الفتحة ، كانت أمرأة بشرتها سوداء وعيونها بلون الدم
رأيت وجه يغطي الفتحة ، كانت أمرأة بشرتها سوداء وعيونها بلون الدم

 
بيتنا يقع في احدى القرى التابعة لمحافظة تعز اليمنية ، البيت ملاصق للجبل  ، و هو أخر بيت من بيوت القرية ، و خلفه مدرجات زراعية و جبال و يتكون من دورين ، و لكل دور مدخل مستقل ، يربط بين الدورين سلم من الداخل.

الدور الأول يستخدم للمواشي و مخازن للأعلاف والأغراض القديمة وأشياء أخرى ، وفيه غرفة مظلمة و هي تُعتبر منسية  لا نحتاجها ولا يدخلها أحد.
والدور الثاني يُستخدم للسكن .

في صيف عام 1995 م  كان معنا إجازة ثلاثة أسابيع قبل بدء اختبارات الثانوية العامة .
كنت أسهر كل ليلة للمذاكرة حتى الفجر ، و لأن أخي كان يشاركني الغرفة في تلك الأيام ، كان ينام من بعد الساعة 11 ليلاً ، و حتى لا أزعجه  كنت أغادر الغرفة إلى الصالة لإكمال المذاكرة .

عندما أكن في المكان الذي أعده للمذاكرة يكون باب الدور الثاني أمامي بمسافة مترين ، و فوق رأسي مباشرة توجد فتحه في السقف ، اذا رفعت رأسي اليها أشاهد النجوم في السماء ، مقاسها نصف في نصف متر ، الغرض منها إدخال الضوء إلى الصالة في النهار .
 
تلك الفترة لم تكن الكهرباء قد وصلت لقريتنا ، كان مصدر الإضاءة هو الاتريك ( أداة قديمة  لها ضوء مقارب لنصف ضوء لمبة كهربائية ، يشتعل بواسطة مادة الجاز ، إلا أن صوته مزعج )  وكذلك الكشافات التي تعمل بالبطاريات ، و تستخدم أثناء الخروج أو التنقل داخل المنزل ليلاً .

أول خمسة ليالي من المذاكرة سارت على ما يرام ، في الليلة السادسة كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحاً  وأنا مندمج في المذاكرة ، شعرت بقشعريرة في كامل جسدي و أخذت تزيد بشكل مرعب .

توقعت أن هناك ثعبان قريب مني ،  ربما دخل إلى الصالة من احدى الفتحات الموجودة بجانب الباب ، نظرت من مكاني إلى كل مكان في الصالة و لم أجد شيء ، لا أدري ما الذي جعلني أرفع رأسي و أنظر للفتحة التي في السقف ، وبالفعل وجدت مصدر الرعب .

رأيت وجه يغطي الفتحة ، كانت أمرأة بشرتها سوداء وعيونها بلون الدم ، و بعض من شعر رأسها متدلي من أطراف وجهها إلى داخل الفتحة ، تخشب جسمي من شدة الرعب و لم استطع أن أتحرك أو أقوم من مكاني ، نظرت اليها لخمس ثواني تقريباً  ثم رفعت رأسها سريعاً و اختفت.

كنت مصدوم وغير مصدق ما رأيت ! استجمعت قوتي و قمت من مكاني ، تركت كل شيء في الصالة و دخلت إلى الغرفة و أغلقت الباب ، لم أستطع النوم ، كنت أعيد المشهد في رأسي و أتسأل : هل ما رأيته كان حقيقة أم خيال ؟ أقنعت نفسي أن ما رأيت كان وهم وغير حقيقي.

نهار اليوم التالي صعدت إلى السطح وغطيت الفتحة بإناء معدني كبير و وضعت عليه عدة أحجار ، في الليل خرجت إلى الصالة للمذاكرة و حصل نفس الشيء و في نفس التوقيت تقريباً .

قشعريرة قوية وخوف رهيب ، نظرت إلى فتحة السقف وهي مغلقة ، نظرت إلى كل مكان و لم أجد شيء ، ثم انتبهت إلى احدى الفتحات المقابلة لي والتي تقع بجانب الباب ، و تيقنت أنني وجدت مصدر الرعب ، كنت متأكد أن هناك شيء بالخارج  يقف خلف الباب و يراقبني من تلك الفتحة.

نهضت مسرعاً من مكاني وهربت إلى داخل الغرفة و أغلقت الباب ، و كانت آخر ليلة أسهرها في الصالة ، لطالما كنت في بعض الليالي أشعر بخوف يهزني عندما أخرج من باب الحمام و انظر باتجاه صالة الدور الأول المظلم .

عندما أذهب إلى الحمام ، و الذي يقع في الوسط بين الدور الأول والثاني ، عندما أكن خارج من الحمام يكون أمامي أربع درجات نزولاً ثم صالة الدور الأول ، و على يساري السلم صعوداً إلى صالة الدور الثاني .

في احدى الليالي كنت ذاهب إلى الحمام ، توقفت أمامه عندما سمعت حركة داخله و ظننت أنه مشغول من أحد أفراد العائلة ، عدت إلى صالة الدور الثاني , وقفت أمام غرفتي و أطفأت الكشاف  ، أنتظر دوري لدخول الحمام ، دقائق و سمعت باب الحمام يُفتح ، و كان من المفترض أن يصعد الشخص و في يده كشاف الضوء إلى صالة الدور الثاني و يدخل احدى الغرف ، إلا أنه خرج من الحمام و في الظلام ، من وقع أقدامه عرفت أنه نزل إلى الدور الأول ، نزلت بعده لأعرف ماذا يجري ، بحثت و ناديت ، إلا أنني لم أجد أحد.
 
بعد أيام  كانت الساعة تقارب الثانية صباحاً ، كنت لم أنم بعد و كان الجو حاراً ، فتحت الشباك لتلطيف الجو ، بوابة الدور الأول تقع تحت شباك غرفتي إلى اليسار قليلاً ، و هي بوابة قديمة مصنوعة من الخشب المحلي ، عندما تُفتح أو تُغلق تصدر صوتاً أثناء أنزال المغالق و فتح الباب و كذلك أثناء الإغلاق و رفع المغالق ، استطيع سماعه إلى الغرفة بوضوح ، خاصة في الليل .
 
سمعت صوت انزال المغالق من الداخل ثم فُتح الباب و لم يغلق ، و سمعت صوت أقدام تسير في الظلام من أمام البوابة و تمر تحت الشباك , و تواصل السير بخطوات متسارعة في الطريق الذي أصلاً يمر أمام منزلنا  إلى أن أبتعد و أختفى .
 
كنت مستغرب من الذي فتح البوابة و خرج وتركها مفتوحة في هذا الوقت ! لا أحد من أفراد الأسرة يستخدم هذه البوابة للخروج أو الدخول إلا نادراً و في النهار فقط.
 
انتظرته و لم يعد ، لا يمكنني النوم و البوابة مفتوحة ، بعد ربع ساعة أخذت الكشاف و نزلت إلى الدور الأول و كانت المفاجأة ، البوابة مغلقة من الداخل ! عدت إلى غرفتي و أنا أتسأل ما الذي يحصل ؟.
 
تكرر هذا الموضوع لثلاث مرات في ليالي متفرقة ، إلا أني لم أنزل لتفقد البوابة كأول مرة .
أخبرت والدتي بما أسمع ، قالت : لا يوجد شيء ، أنت تتوهم ، و نهرتني بشدة ، و أمرتني أن لا أتدخل في خلق الله ، و أنه لا يجب علي السهر إلى وقت متأخر .
 
بعد شهر تقريباً رأيت حلماً وكان كالتالي :
أمرأة غريبة تتجول داخل الغرفة ، تلبس ملابس مشابهه للزي الشعبي الخاص بنساء منطقتنا ، كنت أنظر لها فقط ولا أستطيع الحركة ، كما لو أنني مشلول .
نظرت إلي واقتربت بهدوء ، دققت النظر إلى وجهها و تذكرتها ، كانت هي من شاهدتها قبل أشهر في فتحة سقف الصالة .

لم أشعر بالخوف منها ، اقتربت مني و جلست وقالت : لا تخف ، فقط أريد أن أعرّفك من أكون ، أنا أسكن معكم منذ عشرين سنة ، أسكن في الدور الأول في الغرفة المظلمة ، أنا وأبنتي ، والدتك تعرف بهذا و لكنها لم تكلم أحد بسبب العهد الذي بيني و بينها ، ما أطلبه منك هو أن لا تتتبع تحركي أثناء الليل ، أنا في بعض الليالي أخرج من البيت و أعود قبل الفجر ، أريدك أن تنسى أنني موجودة معكم و لا تزعجني بمراقبتك لي ، أنا مسلمة و لن أؤذيكم ، بعد أيام سيكون عرس أبنتي ، لا أريدك أن تركز فيما سيحصل حتى لا تُصاب بأي ضرر.
 
بعد عدة ليالي حلمت حلم أخر ، كان واضحاً و حقيقي كما لو أنني مستيقظ ، سمعت صوت مرافع و طاسة ( هي أدوات تشبه الطبول إلا أنها كبيرة و صوتها أعلى بكثير ، تُستخدم لزفة العروس من بيتها إلى بيت العريس)  و لها إيقاعان ، إيقاع زفة الطريق و إيقاع زفة وقت خروج العروس من بيتها أو دخولها بيت العريس.

كان الصوت قادم من أسفل الطريق التي تمر أمام منزلنا ، الصوت يقترب أكثر إلى أن وصل أمام البوابة ، ثم تغير الإيقاع و دخلوا إلى الدور الأول  و استمروا في الزفة ، ثم خرجوا من البوابة ، غيروا الإيقاع إلى زفة الطريق و عادوا من نفس الطريق التي جاءوا منها ، إلى أن أختفى الصوت .
 
كان هذا هو عرس أبنتها كما أخبرتني في الحلم السابق ، مرت أسابيع و غادرت القرية إلى العاصمة ، التحقت بالجامعة و أكملت الدراسة و بدأت حياتي العملية ، و لم أعود للقرية إلا في المناسبات .
 
حالياً منزلنا في القرية يسكن فيه أخي مع عائلته ، قبل أربع سنوات من الآن  سافرت مع أولادي إلى القرية لقضاء إجازة عيد الأضحى مع الأهل .
 
و في ذات ليلة  كانت الساعة التاسعة مساءً ، خرجن بنات أخي من بوابة الدور الأول لجلب الماء من الخزان الذي يقع يسار البوابة ، كنا أنا و أخي نتسامر في المجلس في الدور الثاني ، و فجأة سمعنا صراخ البنات عند الخزان ، خرجنا نجري لنجدتهن و تجمع بعض الجيران الذين سمعوا صراخهن.

وصلنا و هن في قمة الرعب و يرتجفن بشدة ، قلن : أنهن أثناء ما كن يملأن الأواني شعرن بحركة ، ثم وجهن أضواء الكشافات باتجاه المصدر و شاهدن أمرأة قريبة من البوابة ، بعد أن أخذن بالصراخ و الهروب من أمام الخزان أختفت المرأة .

ذهبنا أنا و أخي و أثنين من الجيران نبحث عنها , أنا تعمقت أكثر في البحث باتجاه المدرجات الزراعية ، و أثناء السير تذكرت الساكنة في بيتنا , و تسألت : هل يُعقل أن تكون هي من أخافت البنات ؟ ربما كانت تريد الدخول إلى المنزل عندما شاهدنها ، وصلت إلى بعد أمتار من مدخل المحجر ( شق أسفل الجبل يستخرج منه أحجار البناء ) ،

المحجر بعرض أربعة امتار و عمق داخل الجبل لعشرة أمتار تقريباً ، وهو قديم ، و قد نمت بداخله الأشجار الشوكية ، اقتربت من مدخل المحجر لإلقاء نظرة،, شعرت بثقل في قدمي يمنعني من الاقتراب ، جسمي يرتجف من شدة الرهبة ، صفير شديد لا يتوقف يصم أذني اليسرى .

استعذت بالله و تراجعت للخلف ، عدت إلى أمام البيت و أنا أقرأ المعوذات و بعض الآيات .
أخبرت الجميع أنني لم أجد شيء ، و نصحت أخي بعدم ترك بناته يخرجن ليلاً لأي سبباً كان ، و لم أحكي له و لا لأي أحد عن الساكنة في بيتنا .

تاريخ النشر : 2021-01-02

مقالات ذات صلة

37 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى