منوعات

الكتاب.. غَور المعرفة الأعمق!

بقلم : وليد الشهري – المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

لا تستهن بما يمكن للكتاب أن يفعله في حياتك
لا تستهن بما يمكن للكتاب أن يفعله في حياتك

المعرفة، هي تلك الهبة العظيمة التي ما برح الإنسان يلتهم بها ما استطاع أن يطاله من المعلومات بنهمٍ شديد تنجرف معه حدود الشبع والاكتفاء.. هي ذلك الفضول الأخّاذ نحو اقتحام المجهول، وخوض بحار الظلمات حتى لا يعود المجهول مجهولًا ولا الظلام ظلامًا.

المعرفة هي مصدر القوة والتفوّق، هي مهبط الإلهام ومنطلق الأهداف، هي موطن التنوير وصانع الفارق، فما كان للعرب في غابر الزمان أن يتقلدوا زمام العلم والحضارة دون المعرفة، وما كان لأوروبّا أن تستيقظ من سبات القرون الوسطى لولا المعرفة، وما كان لأفراد من أمثال “سقراط” و “أرسطو” و”ابن سينا” و “ابن الهيثم” و “أبي بكر الرازي” و “الخوارزمي” و “أديسون” و “نيوتن” و “إسحاق أينشتاين” و “بيل غيتس” و “ستيف جوبز” وغيرهم الكثير أن يتفوّقوا على سائر الناس لولا المعرفة.

لو طرحتُ عليك السؤال التالي: كيف وصلت إلى هذه الصفحة وتمكّنت من قراءة هذه المقالة الآن؟! فسوف تكون إجابتك بالطبع هي أنّك نقرت على عنوان المقالة للدخول إليها وقراءتها. من خلال هذه الإجابة يمكننا أن نستخرج تعريفًا مبسّطًا للمعرفة، وإيضاح علاقتها بالمعلومة، كالتالي:

المعلومة عبارة عن حقائق مستقلّة لها قيمة ووجود خارجي سواءً عرفتَها أم لم تعرفها، وسوف تكون وفق الإجابة المذكورة آنفًا أنّ “النقر على عنوان المقالة ينقلك إلى صفحة أخرى تحوي تفاصيل المقالة”. قد يجهل بعض كبار السن المبغضين للتقنية هذه المعلومة، لكن هذا لا يعني أنّها معدومة الوجود والقيمة!

المعرفة ببساطة هي إدراكك للحقيقة (المعلومة)، فأنت من خلال إدراكك للمعلومة أعلاه، اكتسبت معرفةً جديدةً بشأن الدخول على محتوى المقالة لقراءته والاطلاع عليه، ومن ثمّ سخّرتها لهذا الأمر، وها أنت تتكرّم بقراءة هذه المقالة الآن!

blank
وحده مصدر المعرفة المعمّر الذي لا يشيخ

إذن فلا يمكن للمعرفة أن تتشكّل وتتجلّى دون معلومات، والأمثلة تطول وتطول على أهمية المعلومات ومدى الدور الذي تلعبه في كل المجالات وخطورة إهمالها، فلو قرّرتَ – مثلًا – مشاهدة بعض الأفلام الوثائقيّة التي تستعرض الصراعات العسكرية على اختلاف ظروفها أو طبيعتها أو التقنيات المستخدمة فيها بشيء من التدقيق، فسوف تجد أن للمعلومة الأهمية الكبرى في حسم المعركة لصالح أحد الأطراف، وأنّ غيابها قد يتسبّب في انتكاس موازين القوى وارتكاب الأخطاء الاستراتيجية أو التكتيكية الفادحة، وقس على ذلك ما يجري في مجال الأعمال حين تكون المعلومة هي المبتغى الأهم في مضمار المنافسة بين الشركات، أو ممارسات القراصنة عبر الإنترنت من خلال التصيّد أو الهندسة الاجتماعية أو غيرها، كل ذلك من أجل تحقيق تلك الغاية الكبرى، وهي المعرفة، بصرف النظر عن التقييم الأخلاقي للأهداف المرجوّة من ورائها، فالمعرفة هي المقصد الأهم للشريف والدنيء على حدٍّ سواء.

عند الحديث عن المعرفة وأهمّيتها، يأبى الكتاب إلّا أن يكون صاحب المكانة الأسمى في هذا الموضع، حتى ليكاد يعلن استئثاره بكنوز المعرفة لنفسه، وذلك لعدد من الاعتبارات الوجيهة التي من أهمّها: أنّه وحده مصدر المعرفة المعمّر الذي لا يشيخ، وأنّه وحده المصدر المتمرّد على حدود الزمان والمكان، فالعالم يقرأ الآن مقولات عظماء فلاسفة وعلماء الإغريق الذين قضوا نحبهم قبل الميلاد بعدّة قرون، كما يقرأ مؤلّفات العلماء والفلاسفة والمفكّرين الذين فارقونا بالأمس، أو يعيشون بين ظهرانينا اليوم أينما كانوا، ولولا الكتاب ما علمنا عن الأقدمين شيئًا، وربّما دخلنا في حلقة مفرغة نعيد فيها اختراع العجلة من جديد في كل مرة، أضف إلى ذلك أن الكتاب هو المرجع الواقعي والحقيقي حين تتلاشى الكائنات الافتراضيّة مع انقطاع التيار الكهربائي أو تعطّل شبكة الإنترنت، وهو المرجع المعتمد في كلّ باب، حتى إنّ المعلومات التي اكتفينا – للأسف – بتلقّيها من العالم الافتراضي، اعتمدت بشكل أساسي على الكتاب، مع التنويه على أهمية الإنترنت كمصدر للمعرفة، وإنّما يكمن الإشكال في الاستغناء به عن الكتاب، وهذا مبحث آخر يضيق عنه المقام.

لم يكن شروع الإنسان في الكتابة سوى اللحظات الأولى من الانفجار المعرفي الهائل الذي يحاكي الانفجار الكوني بدويّه وعظمته، ولئن كان الثاني قد تمخّض عن مجرّات وكواكب ونجوم وشهب ونيازك، فقد تمخّض الثاني عن كُتُب الدينٍ والأدب والفلسفة والفكر والفن والتاريخ والسياسة والطب والهندسة والحضارة والتنمية الذاتيّة والاجتماعيّة وغيرها.

لا تستهن بما يمكن للكتاب أن يفعله في حياتك، فمفعوله يتجاوز ما تستطيع تصوّره، وقرار مصاحبته سيكون حدثًا مفصليًّا يستحق التأريخ بجدارة في حياتك، فطريقتك في انتقاء كلماتك وتحديد أولوياتك ونظرتك تجاه نفسك وتجاه الآخرين وتجاه الحياة بأسرها، وأسلوبك في التعامل مع المشكلات، وتمكّنك من صياغة أفكارك على نحو أكثر منطقيّة وتماسك، إلى غير ذلك من الأمور، ستشهد عهدًا جديدًا مع الكتاب، هذا على المستوى الفردي، فكيف لو كان الجميع يقرأ؟! قد توافقني على ما سبق -نظريًّا على الأقل-، ولكن لعلّك لن تصدّقني لو أخبرتك بأنّ الأثر الإيجابي للكتاب لا يقتصر على الجانب المعرفي والسلوكي والفكري واللفظي فقط، بل إنّ تأثيره الإيجابي يطال الجانب الصحّي أيضًا! تابع قراءة المقالة من فضلك.

blank
تأثيره الإيجابي يطال الجانب الصحّي أيضًا!

هل سبق وشعرت بالراحة البالغة والهدوء النفسي والصفاء الذهني والطاقة الإيجابية بعد إنفاق شيء من الزمن بصحبة كتاب؟! في الغالب ستكون إجابتك بنعم، وأنّ هذا كثيرًا ما يحدث لك، خصوصًا إن كانت القراءة تمثّل فرضًا حياتيًّا محبّبًا لك، ومن المهم أن تدرك أن ذلك الذي حدث ويحدث لك ليس إلّا جزءٌ من مفعول القراءة السحري، فالقراءة تمنحك الصحة أيضًا!

في عصرنا الحاضر، ومع تطوّر العلوم الطبية، اصطلح العلماء على إطلاق اسم “ببليوثيرابيا” على أحد الأساليب الطبية في العلاج، وهو أسلوب العلاج بالقراءة، وذلك بعد أن ثبت تأثيرها الإيجابي، ومساعدتها في تحسين صحة الإنسان النفسية والجسدية.. نعم، والجسديّة أيضًا!

هناك الكثير من البحوث والدراسات التي تثبت منافع القراءة الصحية، ومنها ما نشره موقع (Medical News Today) الموثوق والمتخصص في نشر الأخبار الطبية من دراسات عدّة تشير إلى عوائد القراءة العظيمة على صحّة الإنسان.

إحدى تلك الدراسات قام بها باحثون من جامعة “ييل” (Yale) الأمريكية، وانتهت إلى نتيجة مدهشة مفادها أنّ الأشخاص البالغين ممّن يقضون أكثر من 3 ساعات ونصف الساعة أسبوعيًّا في القراءة، يكون احتمال وفاتهم أقل بنسبة 23%، بالمقارنة مع أولئك الذين لا يقرأون!

بعد استعراض الدراسة أعلاه، نقل الموقع المذكور ما نصّه: “في حين أن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد الآليات الدقيقة التي يمكن للقراءة من خلالها إطالة عمر القارئ، إلا أنهم أشاروا إلى دراسات سابقة وجدت أن القراءة تستطيع تعزيز التواصل بين خلايا المخ، ممّا قد يخفّض من مخاطر الأمراض العصبيّة التي من شأنها تقصير العمر”.

وأظهرت دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعة “ساسكس” (Sussex) البريطانية عام 2009، أنّ القراءة تسهم في تخفيض مستويات التوتر إلى ما يقارب 68%، وبهذه النسبة تتفوّق القراءة على الاستماع إلى الموسيقى أو الخروج للمشي كممارسات تساعد على خفض مستوى التوتّر، علمًا بأن التوتّر هو أحد العوامل المشاركة في حدوث ما يقرب من 60% من جميع الأمراض، أضف إلى ذلك أنّ التوتر يمكن أن يزيد من نسبة الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 50%، والأمراض القلبيّة بنسبة 40%.

ولا تتوقّف فوائد القراءة الصحية عند هذا الحد، فهناك دراسات أخرى أسفرت عن نتائج مهمة، منها أن القراءة تسهم في إبطاء التدهور المعرفي مع التقدم في السن، وتعزيز الذكاء والمهارات الاجتماعية والنوم الهادئ.

ختامًا..

ليس من السهولة اختزال موضوع بهذا الحجم في مقالة، وقد حاولت تفادي الإطالة قدر المستطاع خشية أن يقع القارئ في براثن الملل، متمثّلًا قول أجدادنا الأوائل: “يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق”، وأستحضر هنا اقتباسًا رائعًا للكاتب والفيلسوف الأمريكي “رالف إيمرسون” إذ يقول: “ليس هناك معرفة لا يمكن أن تشكّل قوّة”.. دمتم بخير.

تاريخ النشر : 2020-04-11

وليد الشهري

السعودية

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى