اساطير وخرافات

المرأة والأسد : قصة شعبية جزائرية

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

كان الأسد يمشي وراءها كالحارس الأمين
كان الأسد يمشي وراءها كالحارس الأمين

في إحدى القرى البعيدة المنتشرة في الجبال حيث كانت لا تزال الحياة بدائية وبسيطة ، عاشت امرأة مع زوجها في قريته وفي بيت بسيط بساطة كل البيوت في ذلك الوقت ،لم تكن المرأة على وفاق مع زوجها فكثيرا ما تشاجرا معا لكن في يوم من الأيام تحول الشجار إلى طلاق فقد طلق الرجل زوجته وما كان منها إلا أن تحزم حاجياتها القليلة في منديل كبير وتترك المنزل عند الغروب متجهة إلى منزل والديها في قرية بعيدة فقد .

كرهت زوجها والحياة معه وفضلت أن تعود إلى منزل والديها ولا تنتظر فليس لديها مكان تؤوي إليه في قرية زوجها وحتى طليقها لم يعر سفرها وحيدة عند الغروب أي إهتمام رغم علمه بخطورة السفر وسط الغابات وفي وقت الغروب خاصة مع وجود حيوانات مفترسة ، مشت المرأة تحمل حزمتها في يدها وهي تحاول تبين طريقها فالشمس شارفت على المغيب والنور يتناقص ليحل مكانه ليل دامس صامت إلا من صوت حيوانات الغابة الليلية، كانت المرأة تمشي بصمت وخوف وتتمنى أن لو ينقضي الليل بسرعة وتصل إلى منزل أهلها سالمة لكن الليل في أوله والطريق طويلة ومخيفة ،

فجاة سمعت صوت يأتي من خلفها صوت خطوات حذرة ورشيقة فجمدت مكانها وانقطع نفسها ولم تستطع النظر خلفها او حتى فتح عينيها من شدة الخوف ،ساد الصمت لحظة مرت كدهر بالنسبة إليها وأخيرا نطق الصوت : ماذا تفعلين وحدك هنا في هاذا الوقت ؟ نظرت المرأة ببطء إلى الخلف فرأت ظلا أسودا كبيرا ، وعند اقترابه منها عرفت انها وجها لوجه مع أسد أنيابه كبيرة لبدته غزيرة غطت كل عنقه وعيناه لامعتان مثل كل الحيوانات الليلية          
       

456
 وجدت أسدا ضخما

قالت المراة مندهشة من قدرة الاسد على الكلام انا امراة جار عليها الزمن وطلقها زوجها وتركها تسافر وحيدة فليس لدي مكان آوي إليه غير بيت أهلي في قرية بعيدة لكن أعتقد أن نهايتي حانت ولن أصل إلى منزل والدي أبدا ،عرف الأسد مقصد المرأة وخوفها منه ومن أن يفترسها فقال : أنتِ امرأة ضعيفة ولن اغتنم ضعفك هذا وافترسك لذى هيا واصلي سيرك وأنا سأكون حاميك حتى تصلي إلى منزلكم ولن أسمح لأي مخلوق بايذائك .

انطلقت المرأة تسرع الخطى وهي لا تصدق ما حدث معها وتنظر كل حين وراءها فترى الأسد يمشي وراءها كالحارس الأمين ،ومع خيوط الفجر الأولى وصلت إلى منزل أهلها وتوارى الأسد لكي لا يراه أهلها ،دقت الباب وانتظرت قليلا ثم فتح الباب وظهر والدها وعلامات الدهشة على وجهه قائلا : كيف جئتِ إلى هنا ومن احضرك ؟ ، ردت عليه ابنته وقالت :دعني أدخل يا أبي وسأحكي لكم ما حدث معي.

دخلت المرأة مع والدها إلى المنزل الصغير و بدأت تحكي عن ما قاسته مع زوجها وكيف طلقها وتركها تسافر وحدها في ظلام الليل ،وهنا تساءل والداها من احضرك إلى هنا إذن ؟ قالت المرأة أنه رجل شهم صادفته في طريقي رافقني وساعدني في الوصول إلى هنا دون أن يمسني بسوء  ، ذكرت هذا متحاشية ذكر الأسد لأنها عرفت أنهم لن يصدقوها وجعلت الأسد رجلا لتكون قصتها مقبولة ، لكنها ضحكت وقالت :صحيح أن هذا الرجل شهم وشجاع لكن عندما يتكلم فمه قبيح الرائحة جدا لا يمكن احتمالها وكأنه يأكل الجيفة ،كان الأسد مازال رابضا خلف المنزل وسمع كلام المرأة فجرحه كلامها وهو الذي ساعدها ولم يقبل أن يؤذيها ،كبت الأسد جرحه في قلبه وسار حزينا من قسوة البشر .

346
 كبت الأسد جرحه في قلبه

مضت الأيام والشهور وفي إحدى الأيام ذهبت المرأة إلى الغابة لتحتطب كعادة كل الناس قديما وفجأة ومن بين الأشجار الكثيفة خرج الأسد للمرأة مكشرا عن أنيابه فوجئت برؤيته لكنها لم تخف مثل المرة الأولى ، إقترب منها قائلا : هل عرفتني ؟ابتسمت المرأة قائلة : أجل وكيف أنساك وأنت من ساعدني .قال الأسد :حسنا مادمتي تذكرتني سأطلب منك شيئا فقالت : بكل سرور ،قال الأسد : يجب عليك أن تضربي رأسي بالفاس التي بيدك، دهشت المرأة :قائلة كيف أفعل هذا وأنت ساعدتني؟  قال  :أما ان تفعلي وإما أن أفترسك في لحظة واحدة ، وكشر مبرزا أنيابه الحادة ،رفضت المرأة لكن نظرة الأسد وزئيره أكدت لها صحة كلامه فانصاعت لأوامره فحملت الفأس بيد مرتعشة وعلت بها ثم هوت على رأس الأسد فتناثرت الدماءوسط خوفها وزئيره الحاد.

انطلق الأسد إلى الغابة راكضا والدماء تسيل من رأسه والمرأة جامدة من هول المنظر وعادت إلى المنزل حاملة حزمة الحطب على ظهرها وصورة الأسد بين عينيها. ومرت الأيام أيضا سريعة والمرأة كالعادة اما تذهب لتحتطب واما تذهب إلى الينبوع لجلب الماء ،

678
كانت في طريقها لينبوع الماء

وفي إحدى المرات وهي في طريقها إلى ينبوع الماء تمشي وتغني إذ بالأسد يخرج إليها من جديد صرخت المرأة من الدهشة لأنها نسيت أمره تماما ،نظر إليها قائلا : هل تذكرتني ؟ قالت خائفة أجل قال لها : لا تخافي لن أؤذيك لكن تعالي والقي نظرة على رأسي ،إقتربت المرأة من رأسه ونظرت إلى مكان الجرح فسألها  : هل مازال الجرح موجودا ؟ قالت : أبدا لم يعد موجودا لقد شفي تماما وليس له أثر ابدا! 

قال الأسد : أعرف بأنه شفي لكن ترى هل شفي الجرح الآخر ام لا ؟ إحتارت المراة قائلة : عن أي جرح تتحدث ؟ قال الأسد : سأشرح لكِ ، لقد ضربتني بالفأس ضربة قوية ومع ذلك شفيت مع مرور الوقت وزال أثر الجرح لكنك جرحتني من قبل بكلامك ولم يشفى الجرح أبدا رغم مرور وقت طويل ،هل تذكرين يوم ساعدتك للوصول إلى بيت أهلك، لقد سمعتك تضحكين وتهزئين على رائحة فمي لقد جرحتني بكلامك رغم أنك تعرفين أنني حيوان خلقني الله وليس لدي القدرة على تنظيف كل جسدي كما أن غذائي هو الفرائس والجيف فما ذنبي في هاذا؟ كلامك لم يبارح ذاكرتي لقد جرحني أكثر من الفأس الحديدية ولم أستطع نسيانه أبدا، أنا ساعدتك وأنتِ جرحتني فغريب أمركم أنتم البشر ، وسار واختفى بين الأشجار في عالم ليس فيه من يهزأ به.

تاريخ النشر : 2020-10-23

مقالات ذات صلة

26 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى