أدب الرعب والعام

دوامة الريح – قصة قصيرة

بقلم : راشد الوصيفي – قطر
للتواصل : [email protected]

فَجْأةً يُفْتَحُ بَابُ مَقْبَرةٍ عَتِيق ُ و تَخْرُجُ مِنْهُ عَجُوزٌ شَمْطَاءَ تَزحَفُ بِيَدَيهَا وعَلى رُكْبَتَيهَا
فَجْأةً يُفْتَحُ بَابُ مَقْبَرةٍ عَتِيق ُ و تَخْرُجُ مِنْهُ عَجُوزٌ شَمْطَاءَ تَزحَفُ بِيَدَيهَا وعَلى رُكْبَتَيهَا

توقفَ عقلي كَما تسمرتْ قَدمَاي وقتَ القَيلولةِ ، بينما انطلقَ قَلبي يَعْدُو بخطواتٍ متباينةٍ يسابقُ الرِّيحَ ، مَددتُ سَمْعَي لصوتٍ هَامسٍ ينبعثُ مِنْ تحتَ قدمَيّ، إنَّهُ صَوتٌ أنثوي .

تسائلتُ : يا إلهي .. هَلْ هَذا الصوتُ الذي أسمعَهُ حَقِيقِي أمْ إنَّهُ صَدَى لصَوتٍ آتٍ مِنْ هذه البيوتِ العَتِيقةِ، المُجَاورةُ للقُبُورِ ؟.

عنَّفَتُ نَفْسَي مُتسائلاً : لماذا مَررتُ ليلاً من هُنا بينَ تلكَ القُبور، فقدْ حَذَّرَنِي النَّاسُ مِرَاراً بألا أعبرَ هذا الطريقَ المُمتدُ وسطَ الجبانةِ ، خَاصَةً ليلاً أو وَقتَ القَيلُولةِ ، فالطريقُ مسكونُةٌ ، تكثرُ الأشباحُ في هذه الأوقاتِ ، فكلُ مَنْ مَرَّ مِنْ هُنَا شَاهَدَ أو سَمِعَ ما يَشِيبُ لَهُ الولدانُ .

– مَنْ أنتَ ؟ ومَنْ جاءَ بِكَ هُنَا ، هَلْ أنتَ رجلٌ تَحمِي حَرِيمَكَ وَشَرَفَكَ ؟  وهَلْ للرجَالِ شَرَفٌ؟.
– يَا إلهِي .. إنَّهُ صَوتٌ حَقِيقِي ! و ربمَا هو الصَوتُ الأنثَوي الَّذِي كُنْتُ أسمَعَهُ ، إنَّهُ صَوتٌ وَاهِنٌ بَاكٍ ، ينبعث من تحت أطباق الثرى ؛ فاقتَربتُ مِنْ مَصدَرِ الصَّوتِ متسائلاً :
– مَنْ المُتَكَلِمُ .. أعَزْكِ اللهُ ..؟.
تلاشتْ طبقاتُ الصَّوتِ حتى اختفتْ تَمَامَاً ، وكَأنَّمَا لَمْ أسْمَعْ شَيئاً مِنْ قَبْلُ ، فَجْأةً يُفْتَحُ بَابُ مَقْبَرةٍ عَتِيق ُ، وتَخْرُجُ مِنْهُ عَجُوزٌ شَمْطَاءَ تَزحَفُ بِيَدَيهَا وعَلى رُكْبَتَيهَا ، ذات شَعرٍ أبيضٍ أشعَثٍ ، وعينين سَوداوين مُغَضَنَتَينِ ، كَأنَّهُمَا قِطْعَتَا فَحْمٍ فِي لَيلٍ حَالكَ السَّوادِ ، كَأنَّهَا طِفْلَةٌ تَحْبُو عَلى أربَعٍ .
ارتجفتْ أوصَالُي وَتَصَببَ عَرَقَي ، وتَحَجَرَتْ كَلِمَاتِي فِي حُلقومِي ، وَجَفَّ رِيقي .. تَسَاءَلَ عَقْلي :

هَلْ هِي إنسِيّةٌ أمْ جِنْيّةٌ ؟.
– لِمَ تَخَفْ وترتجفُ ، كَمْ كُنْتُ أتَوَقَعُ أنَّكُم بَنِي البَشَرِ مِنْ الرجالِ شُجْعَان ، أتَخَفْ مِنيّ يا ولد ؟ مِنْ عَجُوزٍ شَمْطَاء مِثلِي تَمْتَلِكُ خَمْسَةً وثمَانِينَ عَامَاً ؛ خَمسَةٌ فَوْقَ الأرْضِ ، وثَمَانُونَ تَحْتَ الأرْضِ .. لَسْتُ عِفرِيتَةً ولا شَيطانَةً ، إنَّمَا أنَا إنسَانةٌ !.
دَعْكَ مِنْ شَعْرِي الأبيضَ الأشْعَثَ الأغْبَرَ المُفْزِعَ كَمَا تَرَاهُ ، دَعْكَ مِنْ هَذا الظَهْرَ الَّذِي احْدَوْدَبَ كَالعُرجُونِ القَدِيم ، دَعْكَ مِنْ هَاتِيكَ الأرْبَعَ ، فأنَا لَمْ أستخدم على الأرضِ إلا إيَّاهُم ، و مَا زِلتُ مَعْ كُلِّ ذَلِكَ طِفْلَةً صَغِيرَةً لَمْ يَتَجَاوزْ عُمرُي الخَمْسَ سَنَواتٍ فَوْقَ الأرضِ ، ولكنَّ الثَّمَانِينَ التِي تَراهَا عَياناً بَيَانَاً ، لَمْ أرَ فِيهِنَ الشَّمْسَ وَلا النُّورَ ، كُلُ لَيلةٍ أُحَدّثُ نَفْسِي مِرَاراً يَا وَلَدِي … بَأي ذَنبٍ قَتلونِي ؟.

– كيفَ تَعِيشِينَ فِي هَذِه المَقْبَرةِ مُنْذُ الخَمسِ والثَّمَانينَ سَنةً ؟.
– قُلْ مُنْذُ ثَمانينَ عَامَاً … عِشْتُ فِي وِحْدَةٍ ، وَ فِي شَرَفٍ !.
– شَرفُ … ماذَا تَقْصُدِينَ؟!
– شَرَفٌ .. ألا تَعْلَم معنَى الشَّرفِ ؟ ألسْتُ الآنَ في شَرَفٍ ، لا تَقُلْ مُنْذُ الخَمْسِ والثمانينَ سَنةً ، بَلْ قُلْ مُنْذُ الثَّمَانينَ سَنةً فَقَطْ ، وأنَا فِي وَحْدَتِي شَرَفٌ . غَسَّلُوا عَارهُمْ مُنْذُ ثمانينَ عَامَاً !.

– أتَحْفَظُ السِّرَ ؟.
– نَعَمْ ….
– أهلي دَفَنُونِي هَا هُنَا ، كُنْتُ أمْتَلكُ خَمسَ سَنَواتٍ عِجافٍ ، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا النَّزعَ الأخِيرَ  فَهُمْ كَانُوا دَائمَاً عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِهِم ، مُتَسَرِعينَ فِي قَراراتِهِمْ حتَى فِي دَفْنِي ، فَلَمْ يُحْكِمُوا إغلاقَ بَابَ المَقْبَرَةِ ؛ فَانْبَعَثَ ضَوءٌ خَافِتٌ دَاخِلهَا ، حِيْنَما قَفَلُوهُ عَلَيَّ وَقَفَلُوا إلى بُيوتِهم مُطْمَئِنينَ وَنَفَّضُوا أيدِيَهُمْ مِنْ الْعَارِ.

– هل أذنبتُ في حقهم يا ولدي ؟ ماذا صنعتُ لهم ؟ ماذا اقترفتْ يداي الغضة ؟ هل قتلتهم حينما اطلقتني أمي من رحمها في وجوههم ، في منتصِف ليلةٍ شتويةٍ عَاهرة ، يومَ أن جلسوا ينتظرون الطَّلقَ على أحرٍ من الجمرِ  ، هَلْ كُنْتُ قذيفةً في وجوههم لم تُغتَفرْ ؟ فبأي ذنبٍ قتلوني ، ألستُ موؤدةً سيسألهُمْ رَبُهُمْ عَنّي يومَ القيامةِ ؟.

– أسْألُكَ يَا بُنَي : هَلْ هُمْ فِي شَرَفٍ الآنَ ؟ خَبرنِي عَنْهُمْ ، وَلِي أنْ أمْنَحَكَ الحَيَاةَ والشَّرَفَ ؟.
– كيف تمنحينني الشَّرفَ ، وأنا الشَّرفُ نَفْسُهُ ؟.
– نَعَمْ ، إنَّكَ الشَّرَفُ نَفْسُهُ ، نَسِيتُ يَا بُنَيّ ، لا تُأخِذَنِي بِمَا نَسِيتُ ، فَإنَّهُ زَهَايمرُ العُمْرِ
– ولكن جدتي .. هل يمكن أن أساعدكِ ؟.
– فيما تساعدني ؟.
– أن تتركي هذا المكان وتأتي معي ، إلى بلدتنا وبيتنا وإخوتي وأهلي ؛ إنهم سوف يعتنونَ بِكِ .
– وهل أهلكَ يعيشون الآنَ ؟ لقد قتلتهم زماناً .
– لا يا جدتي .. إنَّكِ طَيبَةٌ ، وأريدُ أنْ أساعدكِ .
– مساعدتُكَ لِي أنْ تُدْخِلَنِي قَبْرِي  وتقفل عليَّ جيداً ، حتى لا أراكم مرة ثانية ، كنتُ أبحث من زمنٍ عَمَنْ يُخلصني من الحياة حتى أستريح ، وتصعد روحي إلى ربي .

– جدتي .. وما ذنبكِ في كل ذلكَ ؟.
– أنتَ قلتَ .. ما ذنبي .. ذنبي إنني …!.
– وهل الأنثى ذنبٌ …؟
– اسألوا أنفسكم ….. ؟.
– أين أمُكَ التي أنجَبَتكَ ، أينَ جَدَّتُكَ التي أنجَبت أُمُكَ ، أينَ جدةُ جَدتكَ ، أينَ جدتهم حواء التي أخرجتْ جَدَّهُمُ مِنْ الجَنَّةِ .. أليسَتْ هِي الحَقِيقَةُ  ؟.
– لا .. ليستْ الحَقِيقَةَ … ولماذا اتهموا الأنثى ؟.
– ألستُ ذنباً من يوم الخليقةِ ؟.

أحسستُ بدوار في رأسي ، شاهدتُ البرقَ يضربُ بعروقه كبد السماء ، والرعدُ والبرق يقصفان كلَّ مكانٍ ، والمطر ينهمر بغزارةٍ ليسقي الأرض العطشى ، نظرتُ حولي أبحث عن مكان أتدثر فيه ، فإذ بدوامةٍ من الريح تقتلع جذوري أنظر تارةً إلى نفسي وتارة إلى باب المقبرة أتلصص على العجوزِ؛ فلم أجد لها أثراً ، و كَأنَّ السماءَ خَطَفَتْهَا أو الأرضَ ابتلعتها .. يا إلهي ماذا يحدث ، هل أنا في علمٍ أم حُلم ، قطعاً إنَّهُ حُلم ، لا إنهُ العِلم والحُلمُ مَعَاً ، كم هي الحياة تجمع بين النقيضين ، بين العلم والحُلم، بين الحقيقَةِ والخيال، بين الصِّدقِ والكذبِ ، بين الشَّرَفِ والرذيلة ، ليتني كُنتُ مخلوقاً غيرَ البشرِ .
 

النهاية …….

تاريخ النشر : 2020-04-27

مقالات ذات صلة

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى