تجارب ومواقف غريبة

سرداب الماء المسكون

بقلم : عطعوط – اليمن

شاهد ثعبان ضخم و قزم عاري و يميل لون جسمه إلى الزرقة
شاهد ثعبان ضخم و قزم عاري و يميل لون جسمه إلى الزرقة

يبلغ طوله ما يقارب مائة متر تحت الأرض ، تمتد فوقه حقول زراعية ، مبني بشكل هندسي من الأحجار بعرض متر ونصف و ارتفاع نصف القامة ، يجري فيه غيل ماء بقدر أنشين ، يشتد فيه الظلام كلما اتجهت نحو الداخل.

يقول فرحان رحمه الله : أنه ذات يوم ذهب إلى السرداب لغرض أخذ ماء لتشرب الضأن وقت الظهيرة ، و عند اقترابه من باب السرداب سمع شخير و أصيص و زفير أنفاس صادرة من داخل السرداب ، فاسترق النظر من باب السرداب لعله يتبين الأسباب ، فشاهد أفعى ملونة بأزهى الألوان و كانت تبلع أرنب و لم يتبقى خارج فمها إلا الأرجل والذيل .
قال فرحان : جلست متخفي أشاهد ما يجري ، فأمعنت النظر في رأس الأفعى فلم أجد له أثر ، فقد تحول رأسها إلى أنبوب كأنبوب المجاري و فلم يعد هناك لسان ولا أسنان و لا فكان ،
استمر الأرنب في الاختفاء شيئاً فشيئاً نحو الداخل ، فظهر من داخل السرداب ضوء فسفوري كالكشاف الصغير فكان يأتي باتجاه باب السرداب ، وعندما اقترب ظهر بشكل أنسان قزم لا يتجاوز طوله ذراع ، راسه بحجم كرة الأطفال الصغيرة ، و كان مصدر النور الفسفوري عيناه ، له عُرف في رأسه كعُرف الديك ،

أقدامه تشبه أقدام البط ، عاري و يميل لون جسمه إلى الزرقة ، كأن حركته تشبه حركت الكراتين ، تقدم إلى جوار الأفعى فوقف في منتصفها ، ثم جلس عليها كأنه راكب خيل ، شعرت به الأفعى فحركت نحوه الذيل ، فكان يقف و يجلس على ظهرها و كأنه يريد يساعدها على البلع ، استمر في الحركة على ظهرها حتى اختفى الأرنب ، فعاد تشكيل رأس الأفعى شيئاً فشيئاً حتى اكتمل ، كانت الأفعى شبه عاجزة عن الحركة ، نزل القزم من فوق الأفعى وعاد من حيث أتى في السرداب حتى اختفى.

يقول فرحان : تسمرت في مكاني فقد هالني بل ارعبني ما رأيت ! فوقفت و إلى السرداب دخلت ومن الأفعى اقتربت ، فرفعت الأفعى رأسها ببطء و فتحت فمها و نحوي ضخت رذاذ وقع معظمه على جسمي و رأسي و وجهي فكانت بداية عِلتي ،
خرجت مسرع و تركت سطل الماء ، و بعد عشر خطوات داخ رأسي و ارتفعت حرارتي فمشيت إلى ظل وجلست ، تمددت على ظهري و أغمضت عيناي ، فبقيت لا نائم و لا صاحي.

فسمعت صوت يقول: يا فرحان عُد إلى السرداب قبل فوات الأوان ، اغسل وجهك و عيناك بالماء الذي داخل الدلو.
قال : فتحت عيناي فاذا أنا فاقد للبصر عدى شعاع طفيف ، تقدمت نحو السرداب حتى لمست الدلو ، و كنت أخشى أن أدوس الأفعى ، أنزلت يدي في الدلو فإذا هوا مليء بالماء ، غرفت و نضحت وجهي بالماء  وعيناي عدة مرات فعاد بصؤري بعد أن كنت لا أرى ، فلم أجد الأفعى في موضعها ، فأين ذهبت و أي شرخ يتسع لها ؟.

ملأت الدلو ماء و شربت الضأن ، و في المساء شرد عني المنام فبقيت على ذا الحال عدة أيام ، بعدها انتابني وسواس كنت اكلم نفسي ولا يوجد احد سواي من الناس.
بعدها قررت أن اكلم أخبر أهل القرية بما رأيت في السرداب لعله يخفف عني العذاب.
فكنت كلما كلمت أحد لا يصدق ، و بعد عدة أيام انتشر الخبر بين أهل القرية فاجمعوا الرأي و قالوا: فرحان صار مجنون.
فأعطوني عقاقير و أدويه وحقن ضد الجنان ، فأزداد عندي الهذيان ، ذهبوا بي إلى طبيب أخر ، فقال : من قال أن فيه جنان كذاب ، فالذي فيه هو مرض أعصاب.
فصرف لي مجموعة حقن وقال : في كل شهرين حقنة ، و بعد سنة أتوني بخبره.
فكان كلما ضرب لي حقنة سخت ودخت شهرين لا أدري أنا أين .
ثم تولى ضرب الحقن شخص يقرب لي  كان مفروض يسموه خراب ، فعمله كله غير صالح ، كان ينتابني ألم شديد عندما يضرب الحقنه لأنه لا يفهم و إنما عنجهية.

فتدخلت والدتي و أصرت علي بالذهاب إلى عند شريف يعالج بالجان ، فوصلنا الصباح ، فالمسافة قريب ربع ساعة مشياً ، ردينا السلام فرد بمثل ما قلنا.
فقلت : كيف حالك يا عم  ؟ قالوا معاك جني تعالج به الناس هيا عالجني.
غضبت أمي و أمسكت يدي و قالت : لا تزعل يا شريف ، لأنه مريض و أتينا اليك كي تعالجه.
فقال : انتظروا ، سأطلب الشريف يحضر الأن.
فدخل خلف الستار فسمعنا زمجرة وهسترة و أرتجف الستار ، ثم نطق و قال : إن الجني الذي في رأسي هو جني   مخادع ، مكار ، لا ينفع معه سوى الكي بالنار.
كان الصوت مختلف عن الصوت الذي كلمنا به قبل دخوله خلف الستار ، كان صوت نحيف زاعق.
تقدمت و أزحت الستار والبخور يتصاعد بكثافه ، فشاهدت أمرأة جالسة بجواره خلف الستار ، فغضب وصاح وغضبت والدتي و أعادوا الستار.

فقالت أمي: سلام الله عليك يا شريف ، لا تزعل من ابني ، من هي المرأة التي بجوارك ؟.
قال : إنها الشريفة حضرت بدلاً عن الشريف لأنه مشغول ببعض الأمور.
أذهبي بدون تأخير  إلى عند من يكويه ، يكويه ثلاثة كيات خلف الراس و مفرق الرأس وفوق الحاجب ، ول ا تعودي به إلى هنا مرة أخرى.
قال فرحان : رفضت الذهاب عند المكوي خوف من ألم المكاوي.
فقام أخرين بتقييدي وربطي و إيصالي إلى المكوي ، فأوقد النار ونفخ الكير وتوهجت المكاوي و أنا أصيح : قدنا بخير فكوا لي ، بلا فائدة.
حط المكوى الأول خلف رأسي و شعرت بالشرر خرجت من عيوني ، و الثاني في جبهتي صدع رأسي نصفين ، و الثالث فوق صدري رجف قلبي كالطاحون.
بعدها فكوا رباطي فمشيت نحو البيت مسرع و ألم المكاوي تلذعني ، بعدها عادت لي العافية و ذهب عني ما كان بي من صرع و وسواس .

فقالوا :  سلام الله على الشريف عالج فرحان من الصرع والجنان.
لكن فرحان بعد فترة عاد له المرض فكان يخرج من البيت منتصف الليال ، وأخيراً وُجد جثة هامدة على قارعة الطريق .
كان فرحان رحمة الله يأتي ليلاً فيطرق على باب بيتي فأفتح له وادخله المجلس أسأله : من أين أتيت ؟.
فيقول: أتيت من السوق ، مع العلم أن بيتي يبعد عن السوق حوالي ثلاثة كيلو متر ، فاحضر له بعض الأكل المتوفر فيأكل ويبادلني الحديث .
ثم يخرج شكولاتة من جيبه ويسأل عن ابنتي. البالغة سنتان ونصف  كي يعطيها الشكولاتة فتكون نائمة فيصر على بأن ايقظها .

و في كل مرة يأتي هكذا ، و قبل أن ينام يقوم باستعراض خطوة عسكرية على طول المجلس و يؤدي التحية العسكرية ويقوم ببعض التمرينات وكأنه في طابور ، فسبق له أن ألتحق بالخدمة العسكرية ، ثم ينام إلى وقت صلاة الفجر و يذهب إلى الجامع.
كان يشكو من الشخص الذي يضرب له الحقن و كيف أنها تقيد حركة رجليه ، فقد كان يمشي بخطوات متقاربة و كأنه مقيد بسبب تأثير الإبر حق الأعصاب.
وفي احدى الليالي طرق بابي الحديد طرق شديد و كان الوقت بعد منتصف الليل ، فتحت الباب مسرعاً فإذا بفرحان يرتجف من شدة الصقيع ، تقف على رأسه بومة كأنها جماد.
هم بالدخول ، فمنعته وقلت : ما هذا الذي على رأسك ؟.
فضحك وقال : عند مروري من المقبرة استوقفني
عزيز سعدان ومثنى خطاب و إلى جانبهم بنت .

فقالوا:  يا فرحان خذ هذه البنت تكن زوجة لك ، ستنجب منها عيال.
فمشيت و مشت البنت خلفي ، و في الطريق شعرت بطير حط على رأسي و التفت فلم أجد البنت.
فمسكت الطير الذي حط على رأسي فإذا بها هذه البومة فالقيت بها بعيداً لكنها تعود وتحط على رأسي.
بعد سماعي هذا شعرت بخوف شديد و شككت بأن هذا الشخص الذي أمامي ليس بفرحان ، فقد يكن أحد مردة الجان ، فالشخصان الذي ذكرهما قد ماتا منذ زمان من الرعيل السابق لا نعرفهما إلا عن طريق ذكرهما على لسان الأجداد ، فكيف عرفهما فرحان و ذكر أسمائهما ؟.
فقلت : لن اسمح لك بدخول البيت مع هذه البومة.

فأمسكها بيده و ألقاها ، لكنها دخلت مسرعة وتعلقت على أحد أخشاب الصالة و أحدثت مشكلة و ربكة و بصعوبة أخرجتها بعصاء المكنسة و أغلقت الباب.
فدخلنا المجلس و أحضرت الطعام فأكل و استلقى لينام ، فإذا بالبومة تنقر الشباك خلف الزجاج.
أطفئت الأنوار و أغلقت الباب على فرحان.
و حسب المعتاد وقت صلاة الفجر خرج فرحان وذهب المسجد ولم يعود.
كانت تلك الليلة هي أخر ليلة يأتي بها إلى البيت.
….

أبنتي تكرر علي سؤال : أين ذهب فرحان يا أبي ؟
كأنها افتقدت الشكولاتة.
بعد شهر من وفاة فرحان قمت بزيارة إلى السرداب
الذي يبُعد اثنين كيلو متر ، فهو سرداب شهير ينبع منه ماء عذب وفير ، دخلت فيه حتى أحاك بي الظلام ، فأتيتكم بأوصافه التي ذكرتها في المقدمة.
شعرت و أنا بداخله براحة نفسية ، فالجو داخله يشفي العليل ، فربما ذلك يعود لوفرة الأكسجين وتلطيف الجو لتشبعه ببخار الماء ، وكلما وجدته هو جلد ثعبان ضخم ، فتعجبت كيف خلع هذا الثعبان جلده بهذه الطريقة ؟.
فأول ما وقع نظري عليه اعتقدت  أنه ثعبان حي ، و بعد أن دققت النظر فيه لاحظته خاوي.
فسبحان الخلاق كيف يستطيع الثعبان خلع جلده بهذه الطريقة دون تمزيقه !.
نطلق عليه اسم ( خُلسة الحنش).
تحية للمدقق و مثلها للمحرر و ضعفها للناشر
و زد عليها لمن قراء و علق.
 

تاريخ النشر : 2020-11-09

مقالات ذات صلة

36 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى