أدب الرعب والعام

عذراء البحيرة

بقلم : رائد قاسم – السعودية
للتواصل : [email protected]

ترقص في وسط مياه البحيرة على نور القمر وأشعة النجوم
ترقص في وسط مياه البحيرة على نور القمر وأشعة النجوم

يستيقظ الأهالي على صراخ راعية الغنم ، يخرجون من مخادعهم وبساتينهم ومتاجرهم فيشاهدون الضحية الجديدة … رأس مقطوعة… عينين مخرمتين.. أذنين مبتورتين.. لسان يتدلى من الثغر الذي ينخر بالدماء… اطراف مقطعة الأوصال….
تبكي النساء ويصرخ الرجال ليحيط بالقرية آهات حزن وولع رهيبين..

أحد الأهالي- إنها ضحية جديدة لهذه المرأة المتوحشة، ما عسانا فاعلين؟
أحد آخر- لقد أغلقنا كافة الطرق المؤدية للبحيرة، ورغم ذلك يغامر هؤلاء الشبان الطائشون بحياتهم من اجل الفوز بوصالها، ولكنهم لا يظفرون حتى بلمس واحد من أصابعها العشرة، وكل من خرج منهم بطلبها يعود جثة هامدة مقطوعة الرأس ومنزوعة الأمعاء.

أحد ثالث – لا نستطيع سوى إعادة إحكام إغلاق الطرق ووضع لافتات تحذيرية ، وإرشاد الأهالي ، لا سيما الشباب إلى خطورة الذهاب إلى هذه البحيرة الملعونة.

يتوقف مسلسل القتل البشع قليلا إلا أن أهالي القرية يسمعون ضحكاتها الفاتنة ونداءاتها الغناء لتشعل ما في نفوس شبانها من أشواق ملتهبة وعواطف هائجة ورغبات جامحة…

ماجد – لم أعد أحتمل هذه الأنثى، أريدها بأي ثمن وإن كان حياتي.
علاء – دعك منها، ستمل يوما وسترحل عن قريتنا.
– ألا تسمع صوتها العذب؟ ألا تشعر بدغدغات كلماتها المعسولة وتوسلاتها اللاهبة ؟
– ولكن ما بعدها دقائق رعب قاتلة.
– لا يهمني ذلك، سوف أذهب إليها هذه الليلة ، خاصة وأن القمر سيكون في أبهى صوره.
– لا تفعل أرجوك، إنك تحفر نهاية دامية لحياتك.
– بل قد عزمت.

في منتصف الليل يتوجهان إلى الطريق المؤدية للبحيرة…. ضوء القمر ينير الطريق ويزيل وحشته وظلامه الحالك..

ماجد – ألن تكمل معي الطريق؟
علاء – كلا، هنا سأتوقف.

يسمعان نداء أنثويا ساحرا …
– تعال يا ماجد.. تعال إنني بشوق إليك.
– إنها تناديني.
– أرجوك ارحم نفسك، ستقتلك لا محال.
– كلا إنها تدعوني ، إنها تريدني أنا ، لا يمكن أن اصدق أن هذا الصوت العاشق لقاتلة محترفة.
تناديه مرة اخرى :
– تعال يا ماجد إني في شوق إليك…تعال.

يهرول إليها تاركا صديقه علاء وسط الطريق المظلم إلا من نور القمر…. يناديه علاء بأعلى صوته .. يرجوه العودة لأمه وقريته إلا انه يغيب عن ناظريه…
يعود علاء إلى بيته ويختبأ في سريره راجيا أن لا يكتشف أحد انه ذهب برفقة ماجد إلى البحيرة…

في الصباح يستيقظ على وقع نداءات أهل القرية ، يسارع بالذهاب إليهم ….
– ماجد أين أنت… ماجد اجبنا.
تسأله أمه …
– علاء ، أنت صديقه المقرب ألا تعرف أين ذهب؟
– (بوجه شاحب) كلا. لم أره منذ يومين.
ثم يدير ظهره لها…
والدة ماجد:
– أخشى انه ذهب للبحيرة.
يلتفت إليها قائلا:
– لا اعلم.
تنهمر دموعها ثم تذهب لمواصلة البحث عن إبنها..
يدخل غرفته باكيا..
– يا الهي ما حدث لك يا ماجد؟ ، هل أصبحت أشلاء ؟ لماذا لم أمنعك؟ لماذا لم أخبر أهالي القرية عما تنوي فعله؟ إن قتلتك هذه المرأة فسأكون شريكها في قتلك.

**
يذهب علاء إلى كبير القرية…
– آن الأوان لتخبر الناس عن سر هذه البحيرة وعن سر هذه المرأة التي تقتل كل من يقترب منها.
يطأطأ كبير القرية رأسه للأرض …
– أخبرنا ما سر هذه البحيرة الملعونة؟ أليس لنا الحق في أن نعرف؟
يلود بصمته…
– أخبرني أرجوك ، لقد فقدت اليوم أعز أصدقائي وبالأمس وقبله وما سبقه فقد أهالي القرية عدد من خيرة الشبان.
يقف بثبات بعدما عادت له رباطة جأشه …
– استمع إلي يا علاء… قبل أكثر من خمسين عام قتلت فتاة عذراء ظلما على شاطئ هذه البحيرة.
تنتاب علاء صدمة عارمة من كلام كبير القرية…
– كيف قتلت ولماذا؟!!

– كانت إحدى أجمل الفتيات في قريتنا، في يوم ما انتابها مرض غامض، أدى إلى انتفاخ بطنها، فظن شقيقها أنها حبلى، فقرر القضاء عليها وقتلها على ضفاف البحيرة في ليلة قمرية ، ثم رماها في مياهها ، وعندما طفت جثثها انتشلها الأهالي وتبين لهم أنها لم تكن حاملا ، ومنذ ذلك الحين ظهرت لنا هذه الشيطانة الرجيمة وأصبحت تقتل شباب القرية بين الفينة والأخرى ، وأضحت هذه البحيرة التي كنا ننتفع بسمكها ونتنزه في مياهها مكانا ملعونا لا يجرؤ أحد على الإقتراب منه ، إلا من هؤلاء المغامرين الذين تتفنن في قتلهم.

يغادر علاء منزل كبير القرية وهو متعجبا مما سمعه منه، يحاول النوم دون جدوى، يخرج من مسكنه باتجاه الطريق المؤدية للبحيرة….
– أين أنت يا ماجد هل أصبحت في عداد القتلى ؟
يصرعه النوم في الطريق ….يحلم بفتاة ممشوقة القوام.. بيضاء كالثلج، شعرها الأسود الغجري ينساب كجداول مياه صافية ليغطي جسدها الساحر…
– أين ماجد هل قتلتيه؟
– كلا ليس بعد انه ليس كغيره.
– ماذا تقصدين؟
– عندما أهم بقتل أحدكم أشمه. فأن كان ذو نفس دنيئة أقتله فورا ، أما إذا كان ذو نفس زكية أفكر مليا قبل أن أقتله وربما أعفو عنه.

يستيقظ من نومه صباحا ليرى أشلاء آدمية مقطعة… يصرخ صراخا مجلجلا…
يقبل عليه بعض أبناء القرية فيشاهدون رأسين مقطوعين، وجثتين دون أطراف، والكلاب قد نهشتها وبقرت بطونها، والهوام تتغذى على دمائها السائلة…
ينقل الأهالي الأشلاء إلى المقبرة ومشاهدها المروعة لا تغيب عن مخيلتهم، تجتاحهم أجواء حزن وأسى ليس لها نظير، مصدرها مسلسل قتل دموي مجنون…
يستلقي علاء على فراشه، وقد تمكن منه اليأس إلا انه يسمع صوتا طالما تمنى سماعه…

– علاء أنا ماجد أجبني إن كنت هنا.
يسارع إلى فتح نافذته فيرى صديقه ماجد، يهم إليه معانقا ومباركا له على سلامته…
– لم تقتلني يا علاء، لقد تمكنت من النجاة.
– أخبرني ماذا جرى لك بالضبط؟
– لقد رأيتها ، إن جمالها أكبر من الحلم وفوق المستحيل، إنها أجمل مما يمكن أن يتصوره إنسان ، لا أستطيع أن أتخيل للحظة أن هذه المرأة الفاتنة من الممكن أن تكون قاتلة محترفة تقتل ببشاعة ليس لها نظير.
– خذني إليها.
– أرجوك لقد رحمتني أنا ولكن قد لا ترحمك أنت.
– هيا بنا.
– ربما تموت يا صديقي.
– لا بد أن أراها مهما كلف الأمر.

في منتصف الليل يتوجهان إلى البحيرة .. يسمعان ضحكاتها الغانجة…
– اقترب يا علاء ، أدنوا مني ، إن جسدي مشتاق للمسات أصابعك الحانية.

يتصبب العرق من جبين علاء ، بينما يتجمد ماجد في مكانه وكأنه فقد القدرة على الحراك.. يقف علاء بصعوبة بالغة على ضفاف البحيرة ، يلمح فتاة هائلة الجمال أضاء القمر جسدها العاري وهي تضحك ضحكات متناغمة مع الهواء العليل لتضفي أجواء من النشوة العارمة…

– انتِ التي قتلت كل هؤلاء؟
– (بابتسامة ماكرة) أنا من فعلت ذلك يا علاء، أنا من قتلتهم وسوف أقتل المزيد منهم.
– أيعقل أن يختبأ الشيطان في صورة ملاك؟
– (باستعلاء وزهو ) انظر إلي يا علاء ، ألا تريد امتلاك جسدي الغض هذا؟
– لا يوجد رجل على سطح هذه الأرض لا يرغب بك؟
– أنا الآن عارية أمامك ولكنك لا تستطيع لمس ظفر من أظفاري ، أليس هذا أمرا مؤلما؟
يزداد علاء ضعفا ووهننا…

– تعال يا علاء ، اظفر بجسدي ، إنه لك وحدك في هذه الليلة القمرية الصافية.
يتصبب العرق من جبينه بغزارة.. تنتابه الرغبة الجامحة .. تقترب منه قليلا فيرى تفاصيل جسدها الذي انعكس عليه ضوء القمر لتتحول إلى حورية من رياض الفردوس…
ترقص في وسط مياه البحيرة على نور القمر وأشعة النجوم ونسمات الهواء المنعشة… تقترب منه أكثر ، بينما يظل واقفا وكأنه ينتظر لحظة وصال شبقة..

ماجد – كلا يا علاء إبتعد عنها فورا…. ستقتلك يا صديقي.
تقترب منه أكثر… يفيق من سكره على وقع حجر يصيب رأسه… يلتفت خلفه فيرى صديقه ماجد وهو يناديه بأعلى صوته… تقترب منه بشدة وهي ترقص رقصة الموت… يتمالك نفسه ويهرول بعيدا باتجاه ماجد، يمسكان ببعضهما البعض ويفران بعيدا لينجوان بحياتهما، بينما تختفي العذراء بعد أن تصرخ صرخة مدوية وكأنها تنهي حفلة دم لم يكتب لها النجاح…

**
يقرر الأهالي ردم البحيرة لتزول لعنتها وتدفن فيها العذراء إلى الأبد…

تاريخ النشر : 2021-07-16

رائد قاسم

السعودية

مقالات ذات صلة

24 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى