تجارب ومواقف غريبة

ليلة رعب في الوادي

بقلم : ابو رامي – اليمن
للتواصل : [email protected]

نوع من الجن ييشبه الحمار يسحب السلاسل خلفه
نوع من الجن يشبه الحمار يسحب السلاسل خلفه

 
في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، تعودنا أنا و بعض الأصدقاء على السمر ليلاً و مضغ القات في غرفة حراسة أحد مزارع القات في الوادي ، كنا أنا و صديقي أحمد المداومين في الغرفة كل ليلة ، حيث أن المزرعة و غرفة الحراسة التابعة لها من ممتلكاتهم.
المزرعة تعتبر من أكبر مزارع القات في الوادي و هي تتوسطه و بعيدة عن منازل القرية.
 
غرفة حراسة المزرعة والتي نسميها  ديمة ، قديمة جداً و تحيط بها أشجار القات الكبيرة من ثلاث جهات ، مساحتها مترين في مترين تقريباً ، تبعد عن مجرى السيل ( السائلة ) ما يقارب 15 متر ، بابها باتجاه أشجار القات و ظهرها باتجاه مجرى السيل ، مفتوحة دائماً و لا يوجد فيها باب للإغلاق.
 
مجرى السيل هو عبارة عن أخدود صنعته سيول الأمطار القادمة من الجبال المحيطة بالوادي عبر الزمن ، يشق الوادي إلى نصفين ، تحيط به مزارع القات والمدرجات الزراعية من الجانبين ، نسبياً هو بعرض ثلاثة أمتار و ارتفاع مترين ، يزيد و يقل ، و يستخدم كطريق لسكان الوادي.

كان هناك كلب يتواجد باستمرار حول غرفة الحراسة ، و كان أحمد يجلب له الطعام كل ليلة ، و هذا سبب بقاء الكلب في المزرعة .

 
تلك الليلة قمت أنا و أحمد بقطف أغصان مجموعة من أشجار القات ، و في الغرفة قمنا بتجهيزه ليتم بيعه في السوق ، عند الساعة 11 ليلاً ، ذهب أحمد بالقات إلى السوق لبيعه ، و سيعود خلال ساعة لنكمل السمرة .
 
جلست في زاوية الغرفة لارتاح و أمضغ القات على ضوء السراج ، و هو أداة إضاءة قديمة ، إضاءته تعادل ضوء شمعة صغيرة ، الساعة 12 ليلاً و أحمد لم يعد من السوق ، قلت أنتظره ساعة أخرى ، الساعة 1:30 صباحاً بدأت أشعر بالملل و الضيق لأن أحمد تأخر كثيراً ، في هذه الأثناء وصل كلب إلى باب الغرفة ، لم يكن ينبح و إنما كان مرتبك و خائف و يتلفت إلى الخلف و يئن و ينظر إلي و كأنه يريد أن يقول لي شيئاً ، كان يريد أن يدخل إلى الغرفة ، إلا أنه لم يجرؤ على الدخول و أنا في الداخل ، استغربت من حركات الكلب و قلت : أكيد في شي أخافه.
 
زادت حركات الكلب و تجرأ و دخل إلى الغرفة وجلس على مؤخرته و يديه  في الزاوية على يميني ، مرت دقائق و هو يركز نظره بشدة للظلام خارج باب الغرفة ، شعرت بالخوف والقشعريرة في كامل جسدي.
 
من جديد الكلب يتوتر و يئن بخوف ويلتفت إلي و يكرر هذه الحركات و كأنه يستنجد بي ، ينظر إلى الباب لثواني و يبعد وجهه بخوف غريب و كأنه يرى شيء مرعب أنا لا أراه.
 
كنت قد وصلت إلى قمة الرعب ، جسمي يرتعش بالكامل من شدة الخوف ، و متأكد أن الكلب يرى شيء خفي يقف في باب الغرفة ، و لم أجرؤ حتى على الحركة أو إشعال الكشاف و تسليط الضوء إلى خارج الباب ، حاولت أن أقرأ قرآن  إلا أني لم أستطع تذكر أي آية .

لم أدري بنفسي إلا و لساني ينطلق بالأذان داخل الغرفة ، بعدها قرأت الفاتحة ثم أول سورة البقرة و آية الكرسي و المعوذات و كل ما أحفظ من القرآن ، إلى أن بدأت أشعر بالاطمئنان ، و كذلك الكلب ، بعدها انطلق الكلب إلى الخارج و تركني وحدي و ذهب .
 
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً ، خرجت من غرفة الحراسة ، وقفت خلفها قليلاً ، كانت مثانتي ممتلئة بالبول و تكاد تنفجر ، ظلام دامس و هدوء مخيف ، كنت متردد ، هل أجلس للتبول أم أغادر المكان إلى المنزل ، إلا أن شدة البول غلبت ، أطفأت الكشاف و جلست تحت شجرة كبيرة معمرة للتبول ، كان بيني و بين مجرى السيل ما يقارب 8 متر ثم جدار ارتفاعه بحدود المترين ، أنزل منه إلى المجرى.
 
أكملت التبول و قبل أن أضيء الكشاف بدأت أسمع صوت قادم من بعيد ، كان الصوت تقريباً مقابل الطريق المتفرع من المجرى إلى المقبرة التي تبعد عني 200 متر تقريباً ، الصوت يسير في مجرى السيل و يقترب مني ، كلما أقترب يتضح أكثر ، كان صوت سلاسل حديدية كثيرة تُسحب في المجرى ، تسمرت في مكاني في الظلام و أنا أحاول اكتشاف مصدر هذا الصوت.

اقترب الصوت و بدأت أسمع خطوات حمار أو حصان ، كان كأنه يسير بالخطوة السريعة و يجر خلفه سلاسل ، ثواني و مر الصوت محاذي لي في المجرى ، كان صوت السلاسل قوي يشق الظلام مع صوت حوافر الحصان أو الحمار ، مر الصوت في المجرى و واصل السير في اتجاه أسفل الوادي إلى أن أختفى.
 
قفزت إلى مجرى السيل و ركضت بكل ما أوتيت من قوة و لم أتوقف إلا و أنا أفتح باب المنزل ، وصلت إلى غرفتي و أنا استرجع الموقف و في رأسي العديد من الأسئلة التي لا إجابة لها.
 
ما هذا الشيء الذي يسير في المجرى بهذا الوقت كأنه حصان ؟ ما هذه السلاسل التي يجرها خلفه ؟ ما الذي كان سيحصل لي لو كنت غادرت قبل أن أجلس للتبول ؟ كنت سوف أقابل هذا الشيء وجهاً لوجه في المجرى ، أين كنت سأهرب منه ؟.

مجرى السيل تحيط به الجدران المرتفعة و الأشجار الشوكية من الجانبين  و لا يوجد منفذ إلا منفذ المقبرة و بعده بمسافة 300 متر منفذ الطريق التي توصلني إلى المنزل .
أقل من دقيقة جلست فيها للتبول أنقذت حياتي ، بعد فترة  حكيت لواحد من الأسرة و هو كبير في السن ، و قال لي : أنه قبل عقود كان يسمع عن أشخاص حصل لهم مواقف و سمعوا نفس ما سمعت أنا ، وذكر لي أسم هذا الشيء.

قال : أنها من الجن ، تتواجد ليلاً في الطرق القريبة من المقابر ، تشبه الحمار إلا أنها أكبر حجماً و أصغر من الحصان ، تسحب سلاسل خلفها ، تسير في طريقها ولا تظهر إلا للرجال فقط ، اذا صادفت في طريقها رجل يسير وحده يختفي من الوجود و لا أحد يعلم ما الذي يحصل له و لا كيف تأخذه.
 
بعد كل هذه السنوات ما زلت أشعر بالقشعريرة كلما تذكرت هذا الموقف.
 

تاريخ النشر : 2020-12-24

مقالات ذات صلة

55 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى