ألغاز علمية

ماري تيفوئيد: طاهية الموت

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

الطعام من يد هذه السيدة هو وسيلة سريعة للموت
الطعام من يد هذه السيدة هو وسيلة سريعة للموت

بما اننا نعيش تحت وطاة وباء كورونا ، وهناك كثيرون يجلسون الان تحت الحجر الصحي مثلي انا تماما ، فقد قررت ان تكون قصتنا اليوم من وحي الامراض و الاوبئة ، لكن ليس بخطورة وباء الكورونا ..
انها قصة امراة ارتبط اسمها بوباء التيفوئيد ، ودعونا أولا نعرف بأختصار ما هو مرض التيفوئيد؟ ..

هو مرض معد ينتج عن طريق أكل او شرب مواد ملوثة بأنواع معينة من بكتريا السالمونيلا ، وتشمل الاعراض الحمى طويلة الأمد والخمول و تورم الغدد اللمفاوية والاسهال والام في المعدة والامعاء ، وتستمر فترة حضانة المرض من 7 الى 14 يوما قبل ظهور الأعراض.

blank
ينتشر المرض عموما في المناطق الفقيرة المكتضة التي تفتقد للنظافة والصرف الصحي

كان هاذا المرض منتشرا بكثرة في الماضي نظرا لسوء الاحوال المعيشية وانعدام النظافة ،  ومازال المرض موجودا في الكثير من بقاع الأرض ، لكن اليوم وبفضل المضادات الحيوية فأن نسبة الموت جراء هذا المرض انخفضت من 20 بالمائة إلى أقل من 1 بالمائة.

يعتبر الاشخاص المصابون الذين لا تظهر عليهم الاعراض هم الناقلون الرئيسيون للمرض ، وأمثال هؤلاء يمكن أن يحملوا المرض وينشروه طيلة حياتهم من دون أن يعلموا ومن دون أن تظهر عليهم أي أعراض. علما أن المرض ينتقل عن طريق البراز ، خصوصا بواسطة الطعام الذي يعده المصاب بيده ، وتكون احتمال العدوى مرتفعة في حال عدم الاهتمام بالنظافة وغسل اليدين جيدا بعد الخروج من الحمام.

والقصة التي سنرويها لكم اليوم عن امرأة اسمها ماري مالون ولدت في ايرلندا عام 1869 وهاجرت الى الولايات المتحدة في سن المراهقة ، حالها حال مئات آلاف الايرلنديين الفارين من المجاعة والفقر في بلادهم.

blank
هاجرت الى امريكا بحثا عن لقمة العيش

ليس هناك معلومات كثيرة حول ماري في صغرها ، لكنها على ما يبدو مرضت بالتيفوئيد وشفيت منه ، ربما من دون ان تعلم بذلك حتى ، لعلها ظنت بأنها اصيبت بمجرد نزلة برد ، لكنها بقيت تحمل جرثومة المرض دون ان تظهر عليها اي اعراض لبقية حياتها.

الطامة الكبرى في قصة مالون هو طبيعة عملها .. حيث أنها طاهية ، عملت في عشرات المنازل ، وساهمت من خلال الطعام الذي تعده بيدها في نشر المرض بين عشرات أو ربما مئات الأشخاص.

في عام 1900 عملت مالون كطباخة في منزل بمنطقة مامارنك بنييورك ، وخلال اسبوعين فقط من استلامها العمل اصيب جميع اهل الدار بمرض بالتيفيوئيد . بعدها انتقلت للعمل كطباخة عند اسرة اخرى في مانهاتن ، ولم يطل الوقت حتى اصيبوا بالتيفويئد وماتت احدى الخادمات جراء المرض ، فتركت مالون العمل وانتقلت لتعمل طباخة في منزل محامي مشهور ، وكالعادة لم يطل الوقت حتى سقط معظم سكان المنزل صرعى المرض ، وكالعادة ايضا تركت مالون العمل لتبحث عن منزل جديد.

عام 1906 وجدت مالون عملا كطباخة في منزل في لونج آيلند ، وخلال اسبوعين فقط اصيب 11 من بين 12 شخصا من افراد المنزل بالتيفيوئيد ، وبسرعة تركت مالون العمل وانتقلت الى منزل اخر ، وخلال السنوات القادمة عملت مالون في اربع او خمس منازل .. واينما حلت كان المرض يحل معها ..

في عام 1906 عملت ماري طاهية في بيت احد الاثرياء في ضاحية اوستر باي في نيويورك ، فأطل المرض برأسه كالعادة ، وتحير الاطباء في معرفة السبب ، إذ لم تكن للمرض سوابق في هذه المنطقة ، كما ان المرض كان معروفا بالانتشار في المناطق الفقيرة والضواحي المزدحمة وليس في منازل الاثرياء ، ونتيجة لذلك استنجد الاهالي بالطبيب جورج سوبر لمعرفة سبب تفشي المرض ، وبعد اجرائه لبعض الفحوصات والابحاث أرتاب الطبيب في أن تكون الطاهية ماري مالون هي السبب ، خاصة بسبب وصفة المثلجات بالخوخ والتي اعتمدت في اعدادها من مكونات غير مطبوخة.

وسرعان ما لاحظ الطبيب ، من خلال تتبع تاريخ مالون ، انتشار المرض في كل البيوت التى عملت فيها ، فكلما انتقلت الى منزل جديد سقط اهله بحمى التيفوئيد رغم عدم ظهور اي اعراض على ماري نفسها.

blank
اينما عملت ماري كان المرض يطل برأسه وتصاب عوائل كاملة

بعد عام التقى الطبيب بماري في نيويورك ، وكانت خلال هذه المدة قد عملت بعدة منازل اخرى ، وتزامن عملها مع ظهور حالات جديدة في المدينة ، فأمر الطبيب بارسالها فورا لاجراء التحاليل في المختبر ، لكن ماري رفضت التعاون ، واستنكرت بشدة اتهامها بنقل المرض للاخرين خصوصا وانها لا تحمل اي اعراض للمرض. وحاول الطبيب مرارا اقناعها بأنها ناقل المرض ، مستدلا على كلامه بأن كل المنازل التي تعمل فيها يظهر على سكانها المرض ، لكن مالون استمرت ترفض التعاون ، مما اجبر الطبيب بالنهاية على التوجه نحو حكومة الولاية وتمكن من اقناعهم من ان مالون هي ناقل رئيسي للمرض وان بقائها طليقة سيتسبب في ظهور اصابات ووفيات جديدة.

في عام 1907 تم القبض على مالون واودعت بالقوة في الحجر الصحي بمشفى محلي صغير بجزيرة نورث براذر ايلند بنيويورك حيث مكثت هناك لنحو ثلاث سنوات. وهناك اجبرت على اعطاء عينات من برازها ، فثبت بالدليل القاطع انها حاملة لجرثومة التيفوئيد دون ان يؤثر المرض على صحتها او تظهر اعراضه عليها ، وقد عرض الاطباء عليها استئصال مرارتها حيث كانوا يعتقدون ان المرارة هي مصدر المرض ، لكن مالون رفضت واصرت انها لا تحمل المرض وليست مسببا للعدوى وانها لا تنوي ايضا تغيير مهنتها كطاهية ، لذلك استمر حجزها.

blank
صفحة من احدى صحف ذلك الزمان تتنوال قصة ماري تيفوئيد

خلال هذه الفترة انتشرت قصة ماري في الصحافة ، وتعرضت للسخرية والتهكم ، وتم اطلاق لقب “ماري تيفوئيد” عليها ، واتهمت بنقل العدوى لكامل مدينة نيويورك ، وتم تصويرها كساحرة شريرة من العصور الوسطى. طبعا هذه الحملة اثرت كثيرا على نفسية ماري حتى انها ذكرت في رسالة لمحاميها ان اصبحت محظ انظار الجميع في المصحة سواء من المرضى او الزوار .. فالجميع يريدون رؤية ماري تيفوئيد الشهيرة!.

لاحقا رفعت ماري قضية على المسؤولين في نيويورك متهمة اياهم باجبارها على المكوث في الحجر الصحي مدة طويلة وكسبت بالقضية ، ساعدها في ذلك ظهور قانون بالولايات المتحدة يمنع حجز شخص بسبب مرضه. وهكذا اطلق سراحها عام 1910 ، على شرط أن تبتعد عن مهنة الطبخ وتغسل يديها جيدا باستمرار ..

فهل وفت ماري بوعدها ؟..

لا للأسف ..

الحكومة عثرت لها على وظيفة كعاملة لكوي الملابس ، لكن هذه الوظيفة لم تكن تدر الكثير من المال على عكس عمل الطاهية ، لذلك سرعان ما غيرت مالون اسمها واستأنفت مهنتها القديمة تحت اسم مستعار هو ماري براون وبقيت تعمل لمدة خمس سنوات نشرت خلالها المرض في العديد من المنازل حتى القي القبض عليها عندما انتقلت للعمل بقسم التوليد بمشفى في منهاتن حيث اصاب المرض حوالي 25 امرأة مات منهن 2 ، وبعد التحقيق اكتشف امرها وهويتها المزورة فارسلت للحجر الصحي مرة اخرى وبقيت فيه لـ 26 عاما.

قبل وفاتها بسبعة اعوام أصيبت بالشلل جراء جلطة ، وظلت راقدة في المستشفى حتى وافتها المنية عام 1938 ، والغريب في الامر ان وفاتها كانت بسبب الالتهاب الرئوي وليس بالتيفوئيد الذي ارتبط بها طول حياتها.

blank
صورة ماري مالون في الحجر الصحي حيث امضت ما تبقى من حياتها

في الحقيقة السؤال الذي يثور حول ماري مالون هو كيف انها لم تشك يوما بأنها سبب المرض مع ان المرض كان يطل برأسه في اي مكان تحط رحالها فيه ، هل هي نوع من الانانية؟ ، فللاسف الشديد هناك العديد من الناس لا يهتمون كثيرا في أن يكونوا سببا في نقل الامراض للاخرين ، هم يخشون المرض والعدوى عندما يكونوا اصحاء ، أما لو مرضوا فأن مسألة نقل العدوى للاخرين تكون غير مهمة كثيرا بالنسبة لهم.

هناك أيضا من يرى ان ماري مالون لم تكن سوى امرأة بسيطة ، فهي لم تتقصد نشر العدوى ورفضت أن تصدق حتى نهاية حياتها انها مصدر للعدوى لأنها ببساطة لا تحمل اعرض المرض ..

على اية حال ، فأن قصة ماري تيفوئيد فيها عبرة ويمكن ان تعطينا فكرة ، خصوصا في هذا الوقت الذي يعاني فيه العالم من جائحة الكرونا ، عن كيفية انتقال المرض عن طريق الاشخاص الذين لا تظهر عليهم الاعراض ، لذا يجب دوما اخذ الحيطة والحذر في مخالطة الاخرين حتى لو بدوا ظاهريا بصحة جيدة.

المصادر :

Mary Mallon – Wikipedia
Typhoid Mary’s tragic tale
10 Things You May Not Know About ‘Typhoid Mary’

تاريخ النشر : 2020-04-05

مقالات ذات صلة

37 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى