منوعات

ملك اللؤلؤ

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

و يظل اللؤلؤ هو سيد المجوهرات بلا منازع منذ قديم الزمن
و يظل اللؤلؤ هو سيد المجوهرات بلا منازع منذ قديم الزمن

 
الذهب ، الماس ، الياقوت ، الزمرد ، اللؤلؤ ، كلها أحجار كريمة تتمنى أي أمرأة أن تتزين بها ، لكن تُرى هل تعرف النساء من أين تُستخرج هذه الأحجار ؟ أكيد الكثيرات لا يعرفن و لا أعتقد أنهن يرغبن بالمعرفة ، فسحر هذه الأحجار قد يطغى على كيفية استخراجها ، و صعوبة نقلها و تشكيلها ، لذى اليوم سنتعرف على قصة احدى هذه الأحجار والرحلة الشاقة المليئة بالصبر والعمل والتعب والانتظار التي خاضها رجل بسيط وفقير من أجل أن تتزين عنق كل أمرأة بعقد جميل من اللؤلؤ ، قصة اليوم هي عن اللؤلؤ ، فهيا نكتشفها.

blank
يعتبر اللؤلؤ من أغلى الجواهر التي تباع بثمن باهظ
 قد يعلم البعض أن اللؤلؤ يستخرج من نوع معين من القواقع البحرية ، حيث يقوم صيادون مختصون بصيدها و من ثم فتحها واحدة تلو الأخرى لإيجاد اللؤلؤ ، لكن ليس كل قوقعة تحمل لؤلؤة ، لذى كان من النادر إيجاد لؤلؤة داخل قوقعة ، ما جعل اللؤلؤ باهض الثمن ، لكن رجل واحد فكر في جعل كل قوقعة تحمل لؤلؤة ، هذا الرجل هو ميكوموتو الياباني.

blank
ميكوموتو كويتشي  ملك اللؤلؤ
 وُلد ميكوموتو كويتشي عام 1858 م في قرية توبا ، و هي قرية بسيطة تبعد حوالي 13 ساعة عن طوكيو ، في عائلة فقيرة تمتهن بيع أطباق الأرز المسلوق ، و كان ميكوموتو أكبر أخوته ، و رغم أنه كان ضعيفاً و هزيل البنية إلا أنه كان يحمل إخوته الصغار على ظهره كعادة أهل اليابان ، فالكبير يجب عليه حمل إخوته الصغار ، كان كل يوم يحمل أخاه الصغير على ظهره و يدفع عربة الأرز إلى القرية ليبيع أطباق الأرز و الأسماك النيئة ، كان شاباً عادياً يعمل كل يوم و يذهب إلى المعبد كل يوم أيضاً ، لكنه صبور ، عندما كبر اشتغل ميكوموتو في صيد السمك و الغوص و صيد اللؤلؤ .

blank
عمل ميكوموتو في بيع أطباق الأرز و كانت زوجته تساعده
 في احدى المرات زار صديقاً له يعمل بعلم الأحياء المائية و سأله : لما بعض القواقع تنتج لؤلؤاً و بعضها لا ؟ فأجابه صديقه : السبب هو أن بعض الطفيليات تدخل القوقعة و تجرح لحمها الرقيق ، فتدافع القوقعة عن نفسها و تعزل الطفيليات التي هي أجسام غريبة بالنسبة لها بإفراز مادة جيرية شفافة فوسفورية ، و مع الوقت تتراكم هذه المادة لتصبح لؤلؤة.

 بقيت هذه الفكرة تشغل بال ميكوموتو و فكر أن يجرب ذلك بنفسه ، أي أن يدخل جسماً غريباً داخل القوقعة و ينتظر لمدة لكي تنتج القوقعة لؤلؤة ، و في خضم هذه الفكرة و تنفيذها تزوج ميكوموتو من فتاة تُدعى أومه ، و هي  من عائلة غنية ، لكنه جعلها تعمل معه في بيع الأرز ، فهو فقير و هي يجب أن تعيش معه حسب ظروفه.

blank
كانت الفكرة أن يتم زراعة جسم غريب داخل المحارة لتتكون اللؤلؤة 

 

بقي ميكوموتو منشغلاً بفكرته حول اللؤلؤ و التي سماها زراعة اللؤلؤ ، حيث جمع عدداً من القواقع و زرعها بإدخال أجسام غريبة من الرمل أو الزجاج داخلها ، و تركها في أقفاص في البحر وانتظر عامين كاملين و بعد فتحها و لم يجد شيئاً ، حاول من جديد و زرع عشرة الأف قوقعة ، لكن هذه المرة هبت العاصف بشدة فغرقت القواقع و ضاعت في البحر ، و حاول من جديد لكن التيار الأحمر ، و هي مواد طفيلية حمراء كثيفة تحجب الأكسجين عن القواقع قتلتها و ماتت ، بدأ ميكوموتو يحس بأنه يطلب المستحيل و بدأ الفشل يتسلل اليه ، و حتى الناس بدأوا يعتقدون أنه مجنون و أمتنعوا عن شراء الأرز منه ، فقرر ترك بيع الأرز لزوجته و بقي هو مشغولاً بتجاربه.

blank
استمرت تجارب ميكوموتو 15 عاماً دون كلل أو ملل
 استمرت تجارب ميكوموتو 15 عاماً ، لكن هذه الأعوام علمته الكثير ، علمته أن انخفاض درجة الحرارة أقل من 7درجات يقتل القواقع ، كما أن وضع عدد كبير من القواقع في قفص واحد يقتلها بسبب الجوع ، و الطفيليات تقتلها أيضاً ، و مع كل ما تعلمه بقيت القواقع التي يزرعها تموت و بيته ينهار شيئاً فشيئاً ، لأن تجارته بدأت تخسر و زاد جرح الناس له ، إلا شخصا واحداً هو زوجته المخلصة ، فقد بقيت صابرة لا تشكو فقراً و لا كلام الناس ، بل ظلت تسانده وتربي أطفالها و هي قانعة مشجعة له ، و كان هاذا كافياً بالنسبة له ، لم يستسلم ميكوموتو و قرر أن يجرب ثانية رغم كل ما ينهار حوله ،

blank
صورة لزوجة ميكوموتو و أطفاله

فأخذ قوقعة طبيعية و بدأ دراستها وعرف أشياء جديدة ، عرف أنه يجب أن يضع الجسم الغريب في مكان معين و يجب أن يؤلم هذا الجسم القوقعة و يثيرها لتلتهب و تفرز السائل الجيري الشفاف ، ثم قام بزراعة 5ألاف قوقعة ، و كان بين اليأس والأمل ثم يئس في النهاية و أعلن للناس أنه مخطئ و أنه قرر أن يعود لبيع الأرز كما كان من قبل ، كان ذلك عام 1893 م  ، لكن زوجته عرفت أنها لحظة ضعف واستسلام لزوجها و أنه فعل ذلك لأجل إسكات الناس لكنه مؤمن بالنجاح يوماً ما.

 بعد سنتين من الزراعة ذهبت زوجته سراً إلى الشاطئ و مدت يدها مرتجفة إلى احدى القواقع و فتحتها بخوف و صرخت : لقد وجدت لؤلؤة !. نادت زوجها و أرته اللؤلؤة ، لم يصدق عينيه ، فرحا و رقصا معاً على الشاطئ و كان ذلك في يوم 28 سبتمبر و الذي سيصبح بعد زمن يوم عطلة مدفوعة الأجر في كل شركات ميكوموتو.

blank
تعلم ميكوموتو وضع البذرة بين الكبد والمعدة في القوقعة ينتج لؤلؤ كروي الشكل

 لم تدم فرحة ميكوموتو فاللؤلؤة التي أنتجتها القوقعة ليست كروية بل نصف كروية ، و قرر أن يجد الحل لذلك ، و بدأ البحث و التجارب من جديد حتى عرف أن وضع البذرة بين الكبد والمعدة في القوقعة ينتج لؤلؤ كروي الشكل ، كما عرف أن طول الحبل الذي يشد أقفاص القواقع يجب أن يكون متراً أو مترين أحياناً ، و عرف أن هذا هو الارتفاع المناسب للقواقع ، كما عرف أهمية تنظيف القواقع ، و أن ثعبان البحر و الأخطبوط هما ألد أعداء القواقع ، و بدأ الناس يشترون الأرز من زوجته و عادوا و أعترفوا بنجاحه ، بل و أصبح الأرز الذي يبيعه شافياً للمرض و كل أقواله حكماً ! .

blank
استأجر ميكوموتو جزيرة صغيرة و بدأ الإنتاج على نطاق واسع
 بدأ ميكوموتو العمل واستأجر جزيرة صغيرة و بدأ الإنتاج على نطاق واسع ، حيث تبدأ عملية صيد اللؤلؤ ، فتغوص النساء الغواصات ، لأن صيد اللؤلؤ يعتمد على النساء و ليس على الرجال ، فالمرأة لها وسادة دهنية تحت الجلد تمكنها من تحمل البرد أكثر من الرجل ، و تبدأ النساء في الغوص منذ سن العشرين و حتى سن 45 عام ، و تبدأ بالغوص لعمق 5 متر ثم 10 متر و ذلك لمدة 20 ثانية ثم إلى دقيقة كاملة ، و في الزورق ينتظرها زوجها ليساعدها على الصعود ،

blank
ساهمت النساء بالعمل في مشروع زراعة اللؤلؤ تحت اشراف ميكوموتو

ثم تؤخذ القواقع إلى الشاطئ و يتم تنظيفها و تبدأ عملية التلقيح باستخدام أدوات بسيطة ، و تُفتح القوقعة و تُوضع البذرة ، و هي عبارة عن قطعة من الزجاج أو الرمل أو المحار ،  ثم تُنقل إلى البحر في أقفاص خشبية و تُعلق في الماء ، اكتشف ميكوموتو أن وضع بذرتين في قوقعة واحدة أو ثلاث بذرات فتنتج القوقعة لؤلؤتين أو ثلاث مرة واحدة ، كما تمكن من التحكم في حجم اللؤلؤ و شكله ، فكلما بقيت البذرة داخل القوقعة مدة أطول كلما كانت اللؤلؤة أكبر حجماً ، و اكتشف أن القواقع المريضة تعطي أجمل اللؤلؤ ،

blank
يتم تعليق المحار على الحبال او في صناديق خشبية في الماء 

كما تمكن من التحكم في لون اللؤلؤ بحيث يضع بذوراً ملونة فتكون اللؤلؤة ملونة ، و أندر و أغلى أنواع اللؤلؤ ، هو الأسود ، ثم الأبيض ، و الوردي ، والبنفسجي ، ثم الأزرق ، بعد نجاح ميكوموتو أصبح يُسمى ملك اللؤلؤ و أصبح في إمكان الكثيرين أن يشتروا اللؤلؤ ، لذى رُفعت عليه قضايا بأنه يحتال و أن لؤلؤه غير طبيعي ، لكن المحاكم أنصفته و حكمت لصالحه ، و طلبوا منه أن يكتب على سلعته لؤلؤ طبيعي ، لكنه رفض و كتب لؤلؤ مزروع ، فهو مؤمن بعمله و إنجازه .

blank
يأتي اللؤلؤ باللوان كثيرة و متعددة منها الأبيض و الوردي و البنفسجي
 رغم الشهرة التي حققها ميكوموتو إلا أنه بقي متواضعاً بقي في منزله المتواضع ينام على الأرض مثل كل اليابانيين و يأكل طعاماً عادياً بسيطاً ، و يلبس ثياباً بسيطة أيضاً ، وحتى عاداته لم تتغير ، وعندما قام بدعوة بعض الملوك و الأمراء لزيارته أصابتهم الدهشة من حياته البسيطة.

blank
رغم الشهرة التي حققها ميكوموتو إلا أنه بقي متواضعاً بقي في منزله
 بعد الثروة التي حققها طلبت منه الجمعيات الخيرية أن يتبرع ، لكنه أجاب : أريد أن أعرف أسم الجمعية التي عاونتني في فقري و محنتي ؟ لقد ماتت التي كانت تساعدني و تقف بجانبي ، و يقصد زوجته ، فقد ماتت ، وعاش سنين طويلة بدون زواج ، و خلال الحرب العالمية الثانية عندما تم قصف اليابان لم يترك الجزيرة و لا القواقع ، بل بقي يعتني بها و يحرسها ، و حتى عند استسلام اليابان رفع ميكوموتو العلم الأمريكي على الجزيرة ، و عندما سُأل ؟ قال : بأنه يريد أن تكون تجارة اللؤلؤ أول تجارة تزدهر بعد الحرب ، فالسلام مهم لازدهار التجارة.

blank
خطوات زراعة البذرة في المحار لانتاج اللؤلؤ 
 زار ميكوموتو الكثير من دول العالم ليعرّف بإنتاجه ، و قد أصبح اللؤلؤ أكثر أنتشاراً ، وعندما زار الولايات المتحد التقى باديسون مخترع المصباح الكهربائي ، فقال له : لقد أضئت العالم و أنا أضئت أعناق النساء ، فبكى أديسون ، فقال له ميكوموتو : لقد رأيت أجمل لؤلؤتين في العالم ، و قصد دموع اديسون.

 بعد سنوات من العمل و التجارب والتعب والانتظار توفي ميكوموتو عام 1954 م تاركاً إمبراطورية لإنتاج اللؤلؤ المزروع كما سماه.
 
كيفية التمييز بين اللؤلؤ الطبيعي و بين اللؤلؤ المزروع ؟

يستطيع خبراء المجوهرات التمييز بين اللؤلؤ و تقييم جودتها بسهولة مستندون بذلك على خواصها الفيزيائية ، و من بين تلك المميزات أن اللؤلؤ الطبيعي لا يأتي كامل الاستدارة على عكس اللؤلو المُصنع ،

blank
يمكن التمييز بين اللؤلؤ المزروع و الطبيعي بواسطة الاشعة السينية

هذا بالاضافة الى أنه يمكن الكشف عن اللؤلؤ المزروع عن طريق أشعة أكس ، ففي اللؤلؤ المزروع تظهر البذرة تحت الأشعة ، و في اللؤلؤ الطبيعي لا تظهر ، لكن هذا لا يعني أن اللؤلؤ المزروع غير حقيقي ، بل هو حقيقي فقط تدخل الأنسان في تكوينه.

blank
و مع هذا يظل اللؤلؤ هو سيد المجوهرات بلا منازع 
 و الآن أعزائي القُرّاء هل تعرفون لماذا اللؤلؤ غالي الثمن ؟ لأنه يحتاج إلى تعباً كبيراً و انتظاراً طويلاً كي نحصل عليه ، فهل ستشترونه إن توفر لكم المال الكافي أم هل ستكتفون بتأمله و تأمل بريقه ؟.
 
مصادر :

كتاب حول العالم لانيس منصور

مواقع انترنت

 

تاريخ النشر : 2021-01-03

مقالات ذات صلة

66 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى