تجارب من واقع الحياة

مهمشة بينهم

بقلم : مارثا

تعبت من التبذ والإحتقار وكرهت نفسي
تعبت من النبذ والإحتقار وكرهت نفسي

ما تعلمناه منذ نعومة أظافرنا هي أن العائلة هي النواة الأساسية لتكوين شخصية الطفل ، من المفروض أن يتبادل أفراد العائلة الآراء و أن يتشاورون دائما في أبسط الأشياء. هذا ما تعلمته أنا أيضا و هذا ما رأيته في عائلات أصدقائي و أقاربي لكن للأسف لم أجده في عائلتي.

عندما كنت صغيرة كانت أمي تشتري لي ملابس العيد بنفسها دون أن تأخذ رأيي و كل ما كان علي فعله هو ان أوافق و أرتديها ، عندما كنت أشكو لجدتي عن كل هذا كانت تضحك و تقول لي : عادي عزيزتي والدتك تحب أن تقتني لكم أفضل ما في السوق و تحب أن تتجول في كل المحلات و أنتِ صغيرة و هذا قد يتعب قدماك الظريفتان..أخبريني ألا يعجبك ذوقها ؟
فأجيبها: بلى ذوقها جميل
فتقول: جيد إذا ليس هناك داع لكل هذا .
كانت تقنعني بتلك الكلمات فأسكت.

ثم كبرنا و صارت تأخذ معها أختي لتشتري ملابسها و ملابسي طبعا ، كانت جدتي تبرر ذلك و تقول : هذا لأنك الأصغر سنا.ثم تخيلي لو أخذتك أنتِ و أختيكي إلى المحلات لتختاروا ملابسكم، تخيلي كيف سيكون شكلكم في الشارع ، ألن يكون مضحكا ؟ ستبدون كقطيع من الخراف .
كانت تقنعني في كل مرة بروح دعابتها فأضحك ملأ شدقي و أنسى كل شيء.

المشكلة أني كبرت و تعرفت على أناس جدد خارج العائلة و صرت أقارن بينهم و بيني على مستوى التعاملات.
كانت عندي صديقة مقربة و أنا في الصف الثامن كانت تأخذني معها إلى منزلها أحيانا و كنت أرى كيف تقبلها والدتها كلما تعود من المعهد و كيف تغنجها و تنادينا بأسماء دلع لطيفة، كانت تناديها بقطتي الجميلة و فراشتي النشيطة و الخ من الأسماء اللطيفة و كانت دائما تثني عليها رغم أنها فاشلة في الدراسة. كنت أراقب كل هذا بابتسامة عريضة و كان يبدو لي هذا التصرف غريب، مضحك، مثير للسخرية لم أكن أدري أن هذا هو العادي و الذي يفترض أن يحصل في كل العائلات.

إلى جانب هذا، لاحظت أن عائلتي لا تأخذ رأيي في أي شيء حتى و لو كان يتعلق بي. لاحظت هذا عندما انتقلنا إلى منزلنا الجديد أذكر أن والداي عندما ذهبوا لمعاينة المنزل الجديد أخذوا أختي الكبيرة و حتى الصغيرة أما أنا فلا أحد قام بدعوتي ، بقيت وحيدة حتى أتوا، عندها أخبروني كم أن المنزل كبير و جميل و رأيت بعض الصور على هاتف أختي التي تصغرني بخمس سنوات ! أذكر اليوم الأول الذي ذهبنا لنسكن فيه كنت طوال الطريق أتذمر ، بدا لي الحي موحش و مقفر و ملوث ، غضبت و قلت لهم أن ذوقهم سيء و أنهم لا يفكرون ! عندها تجاهلوني أما الآن بعد أن عشنا في هذا المنزل لتسع سنوات جميعهم صاروا يرددون كلامي ، كنت كلما سمعنا عن محاولات سرقة في الحي أو اختطاف أقول لهم : أرأيتم ؟ هذا ما قلته لكم أول مرة أتينا فيها. فيصمتون و كأنهم يقولون معك حق .

ألاحظ ذلك أيضا عندما نقوم بتغيير أثاث منزلنا ، هم يتشاورون حول الصالونات و الأثاث و الستائر دون أن يعبروني ، أذكر مرة اتصلت بي ابنة عمتي و سألتني أين ذهب الجميع فأخبرتها أنهم ذهبوا لاقتناء صالون فقالت : و انتِ آخر من يعلم كالعادة ،حز ذلك في نفسي فقلت لها : أنا لا أحب أن أختار هذه الأشياء و أصلا لا أفهم فيها.

ثم مرت السنون و كبرت و اشتغلت و صرت قادرة على اقتناء ملابسي بنفسي ، كنت أشعر بسعادة عارمة عندما أذهب للتسوق لكن والدتي و أخواتي كانوا دائما عقبة في وجهي، لا يتوانون عن ثنيي عن شراء أغراض تخصني ، دائما يحاولون إقناعي أني متسرعة و لا أحسن الاختيار و يقولون لي تريثي ! حتى أكره الموضوع برمته و لا أشتري شيئا ،و كأنهم اتفقوا جميعا ليرموا علي طلامس حتى تكبلني حتى لا أقضي شؤوني و أظل دائما تحت رحمتهم ، كنت كلما أنوي الذهاب للتسوق تتحول أمي للوسواس الخناس و هي تردد : لا تذهبي، انتظري نهاية الأسبوع، انتظري حتى تتفرغ أختك و تختار معك
كنت أقرأ في عينيها و كأنها تقول : أنتِ غبية و لا تحسنين الاختيار، انتِ تحتاجين لوصية عليك حتى ترافقك.

ذات يوم أخذت قراري، من هنا فصاعدا لن آخذ رأي أي شخص ، إذا أعجبني غرض ما على الانترنيت سأشتريه ، إذا قررت الذهاب للتسوق سأذهب خلسة و أضعهم أمام الأمر الواقع ! و بدأت بالتنفيذ و عندها جعلوني أكره نفسي ، تخيلوا صرت كلما أعود للمنزل محملة بالملابس الجديدة يختلقون مشكلة و يقولون أن البائعات قاموا بغشي و جعلوني أشتري أغراض لا أحد يرضى بشراءها ، تخيلوا أنهم يقولون كل هذا دون حتى رؤية الأغراض الجديدة ! هل تدركون خطورة الموقف ؟ يعني بمجرد علمهم أني اشتريت شيئا ما سيحكمون عليه بالفشل دون رؤيته حتى ! كنت كلما أعود من التسوق أرمي الأكياس جانبا و أبلل وسادتي بالدموع .

عندما ننوي الذهاب إلى إحدى الحفلات أو المناسبات العائلية و أجهز نفسي دائما ما ينتقدون لباسي ، دائما يطلبون مني أن أغير لأن ملابسي بشعة و عندما أرفض تغييرها تخيلوا ماذا يقولون ؟ يقولون: نحن لن نخرج معك بهذا الشكل حتى تجعلين منا أضحوكة ، فأغير ملابسي و أبقى في المنزل.
أذكر ذات مرة حصل هذا في عيد ميلاد أحد أولاد أخوالي. خالي سألهم عني فأخبروه أني رفضت بكل بساطة فترك الحفلة و طلب منهم أن يوقفوا كل المراسم و جاء إلي، و عندما رأيته عند الباب انفجرت أبكي بحرقة و رويت له كل شيء فضحك و قال لي ارتدي ما تريدين و لنذهب هيا !

أحيانا أقول ربما معهم حق، ربما ذوقي سيء لكني سرعان ما أتراجع لأن أصدقائي يحبون ملابسي و أيضا يأخذون رأيي كلما كان لديهم موعد مهم أو مناسبة خاصة ،مرة قالت لي إحدى زميلاتي رغم أنها لا تحبني كثيرا : أحب أن آخذ رأيك لأني أعرف أن ذوقك جميل ، و هذا يقتلني أكثر لأنه إن دل على شيء فهو يدل على كره عائلتي لي.

في إحدى المرات اتفقوا على شراء صالون و كالعادة لم يأخذ أحد رأيي و عندما وصل الصالون إلى المنزل أتى إلي والدي و أخبرني أني سأدفع قسطي الشهري معهم و عندها استغليت الفرصة و قلت له : لن أدفع شيئا
فقال : كم أنتِ أنانية و وقحة !
فقلت : عفوا ؟ عن أي صالون تتحدث ؟ هل استشرتموني عند شرائه ؟ هل أخذ أحدكم رأيي ؟ أنا لم يعجبني الصالون و لن أدفع ثمن شيء لا يعجبني !
عندها دهش الجميع و ظلوا يتبادلون النظرات في ما بينهم ثم قالوا لي: كما تشائين !
و منذ ذلك اليوم صرت منبوذة بينهم أكثر . لاحظت أنهم صاروا يستشرونني في بعض الأشياء، هناك بعض التحسن لكني أعلم أن السبب هو النقود و ليس احساسهم بالذنب تجاهي ، فمشاعري هي آخر همهم.

عندما دخلت أختي الصغيرة الجامعة تولينا أنا و أختي الكبرى دفع مصاريف الكراء عنها لأن جامعتها بعيدة عن مسكننا. و ذات يوم قرر والدي أن تتوقف عن الكراء و تنتقل إلى المبيت الجامعي بحجة أن الكراء مكلف و أختي المسكينة خضعت له بكل حزن و عندها خرجت إليه و أنا غاضبة و قلت له : و ما دخلك أنت في الكراء ؟ هل تتدفع الأقساط حتى ؟ ها نحن نؤمن لها الكراء بأنفسنا
فصرخ في : اسكتي انتِ ما شأنك ؟

طيب أليست تلك المخلوقة هي أختي ؟ ألا تهمني راحتها ؟ سكتت و قلت لا بأس ربما كان غاضبا و لا يعني ما يقول
لكن القطرة التي أفاضت الكأس هو ما حصل البارحة.
هذه المدة أبي مشغول بإجراءات تقسيم الميراث بعد وفاة جدتي رحمها الله. و البارحة كان يتناقش مع أمي و أختاي ( الصغرى و الكبرى) في هذا الموضوع فهمت من حديثه أن أعمامي يحاولون خداعه من خلال عرضهم عليه فتدخلت و قلت له : لا تقبل يا أبي أكيد سوف ..
فقاطعني و قال بكل برود: اشش ! ما دخلك انتِ ؟
صعقت ! يعني أختي التي تصغرني بخمس سنوات يحق لها أن تتحدث في هذا الموضوع أما أنا فلا دخل لي ! طيب أليس هذا الميراث لوالدي ؟ أليست نقود والدي هي نقودي ؟ ألا يحق لي أن أخاف على ثروة عائلتي ؟

عندها قررت أن آتي هنا و أفضفض علني أجد بين تعاليقكم ما يثلج صدري لأني تعبت من النبذ و الاحتقار و كرهت نفسي بل و أفكر في الانتحار ..

تاريخ النشر : 2021-07-07

مقالات ذات صلة

22 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى