ألغاز تاريخية

جيمس جراي : عندما وقف العلم عاجزاً

بقلم : عبدالرحمن العنزي

للتواصل :
[email protected]

ربما لا يكون اسم ” جيمس نيكولاس جراي ” مألوفًا بالنسبة إليك  ، ولكن إذا كنت قد استخدمت جهاز كمبيوتر من قبل ، فأنت بالتأكيد قد تعرّفت عليه -ليس شخصياً – ولكنك تعرفت على القليل من تأثيره  في عالمنا هذا ..
 ولد الدكتور جراي في عام 1944 ، وأصبح شخصية كبيرة  في عالم برمجة الكمبيوتر والترميز البرمجي ،  من خلال مسيرته المهنية كباحث ومصمم برمجيات في عدد من الشركات الصناعية الكبرى ، بما في ذلك IBM و Tandem Computers ، ومايكروسوفت ، والعديد من الشركات الاخرى .
من اهم ما قدّمه جراي تطوير تقنيات معالجة قواعد البيانات و التي اصبحت اللبنة الاساسية و العمود الفقري لعديد الأنظمة المختلفة ، مثل التجارة الإلكترونية و التسوق وحجز التذاكر  عبر الإنترنت ، أيضاً انظمة ما كينات الصرافة الآلية و محرك البحث الاكبر ” غوغل” .
و في عام 1998 حصل على جائزة
” AM Turing ” المرموقة ، والتي تُمنح للمساهمات ذات الأهمية الكبرى في مجال الكمبيوتر وهي أقرب إلى كونها نوعًا من جائزة نوبل في الحوسبة.
 يمكننا القول أيضاً أن الفضل يرجع في الأساس في أي شيئ تفعله على جهاز الكمبيوتر إلى العمل الرائد الذي قام به جراي، وقد ساعدت تلك  الإنجازات  في رسم اتجاه العصر الرقمي. جراي لم يكن عملاقًا في صناعة التكنولوجيا فحسب ، بل كان محبوبًا من قبل الجميع  ، زملاءه في العمل ، اصدقاءه ، عملاءه ، عائلته ، وهذا ما جعل له كاريزما خاصة تستطيع التأثير بمن حولها .

blank
جيمس جراي ، العالم العبقري

في 28 يناير 2007 ، انطلق جراي البالغ من العمر 63 عامًا من خليج سان فرانسيسكو على متن مركبته الشراعية التي يبلغ ارتفاعها 40 قدمًا .. كان جراي بحارًا متمرسًا و ذو خبرة ، وقد غادر في ظروف ملائمة جدًا وهادئة في طقس مثالي ، كانت وجهته هي جزر فارالون ،  على بعد 27 ميلاً من الشاطئ ، كان سبب رحلته هو لنثر رماد والدته المتوفاة و التي كانت قد ماتت في أكتوبر الماضي ، وتنفيذاً لوصيتها التي نصت على حرق جثتها ونثر رمادها اضطر جراي لرحلته تلك .   عند انطلاق القارب كانت حالة البحر مستقرة للغاية وهذا يعني انَّ ظروف الملاحة والرؤية في ذلك الوقت كانت هادئة بشكل ممتاز جداً .  خلاصة القول انه انطلق في بيئة وظروف محيطية “مثالية للغاية” .

“- مرحباً عزيزتي كيف الحال ..

– اوه .. سعيدة انك اتصلت كنت قلقة عليك .

– كفي عن هذا دونا ، انا بحّار كما تعلمين ، ثم أن الجو منعش و المنظر مريح للغاية ، ربما سأصطحبكم إلى هنا لاحقاً لتدركوا روعة المشهد .. انا على بعد 15 ميلاً من اقصى نطاق للتغطية الخلوية .. قد اتصل مجدداً ، الى اللقاء “

إقرأ أيضاً : دي . بي . كوبر : تحدٍ مستحيل و اختفاء غامض

بعد وجيز من انطلاقه اجرى جراي مكالمة هاتفية مع زوجته ، دونا كارنز ، ومن الواضح من  خلال حديثه أنه كان  بحالة معنوية جيدة جداً  ، وأخبرها أنه كان على بعد حوالي 15 ميلاً من النطاق ، وكان قد اتصل بها مرة أخرى عندما كان في نطاق التغطية الخلوية .

“سأصطحب الجدة إلى مثواها الأخير . أنا محاط بالدلافين هنا . الجو غائم قليلاً ولكنه ممتع للغاية . لا توجد حيتان ولكن حولي الكثير من الدلافين الجميلة جدًا . احبك يا اميرتي الجميلة  ، اعتني بنفسك وبالطفل الصغير أيضاً ، إلى اللقاء.”

كان هذا فحوى البريد الصوتي الذي تركه جراي لابنته . كان صوته مبتهجاً جداً ، و ربما تمنّت  لو ان والدها لم يرسل لها ذلك البريد ، لأنه سيكون آخر حديث تسمعه منه   ..

 من غير الواضح ما حدث لجراي  بعد ذلك التسجيل ، كم استمر في رحلته بعدها أو إلى أي مدى قد وصل فيها . لكن ما هو واضح ومؤكد أنه لم يصل إلى وجهته “جزر فارالون ” أبداً ..

كانت المشاهدة الأخيرة لقاربه من قبل أحد الصيادين على بعد ميل أو ميلين عن الشاطئ ، حيث كان يبحر باتجاه الشمال ، وهذا الامر المنطقي اذا ما اراد الذهاب لجزر فارالون  ، فلماذا لم يصل ؟ ، والسؤال الاهم :
ما الذي حلّ به ؟!

blank
خليج فرانسسكو و جزر فارالون .. مقصد جراي في رحلته

عندما فشل جراي في الوصول إلى وجهته وتعذر الاتصال به ، تم الإبلاغ عن فقدانه وسرعان ما بدأت عمليات التحقيق والبحث .  الأمر برمته كان غريبًا جدًا ، حيث لم تكن هناك اي إشارات استغاثة ، ولا حتى إشارة من الراديو التلقائي للقارب ، والذي  تشير إلى وقوع حالة طوارئ في المركب ، عدا انَّ مثل هذه الاشارات من المفترض أن تنطلق تلقائيًا إذا ما حدث خطب ما ، والأغرب من ذلك كله  كما اسلفنا هو أن الطقس وظروف الإبحار كانت جيدة ، بل لو ان بحّاراً اراد الذهاب برحلة بحرية ، لم يكن ليتمنى ظروفاً افضل من تلك التي ابحر جراي فيها ، علاوة عن كونه متمرسًا للغاية في قارب حديث على أعلى مستوى . لم تكن هناك عاصفة ، ولا أمواج هائجة على المسار الذي سلكه ، ولا يوجد سبب واضح لمواجهته لأي مشكلة .

ولأن جراي كان ذو ثقل كبير و معروف في عالم صناعة التكنولوجيا ،  انتشر على الفور خبر فقده في جميع الأخبار  ، وتم إطلاق عملية بحث واسعة النطاق . خلال الأيام الأربعة المقبلة ، كان البحث يشمل مئات القوارب والمروحيات والطائرات ، وسيشمل خفر السواحل وإدارات الشرطة المحلية ، و جهاز الحماية الوطنية ، و الذين بدورهم  جابوا 40 ألف ميل مربع من المحيط بحثًا عن أي علامة على قارب جراي ، إن لم يكن القارب ، فأي قطعة منه ، وبدرجة أقل ،  بقعة زيت صغيرة تدل عليه . لكن .. لا شيء ، لا أثر ، لا شهود عيان ، لا شيئ على السواحل (بافتراض انّ حطام المركب انجرف نحو الساحل) ،  كما فشل البحث المتطور تحت الماء باستخدام معدات السونار المتقدمة والمركبات غير المأهولة في العثور على أي علامة على وجود جراي. 
كان كل هذا يحدث في ظل أجواء صافية و مثالية ،   الشمس معتدلة في حرارتها  ومياه البحر  هادئة بشكل غير معقول ، لذلك كان من المحير أنه لم يتم العثور على علامة واحدة للسفينة أو الحطام . 


وضع خفر السواحل بمهمة صعبة للغاية ، قائمة بكل سفينة كبيرة كان من الممكن أن تكون في المنطقة في ذلك الوقت والتي كان من الممكن أن تصطدم بجراي ، وبعد ذلك قاموا بتفتيش هذه السفن بحثًا عن أي علامة على الاصطدام وقاموا بتفتيش سجلات الإبحار لكل سفينة بحثًا عن أي ذكر للتصادم ما ، لكنهم لم يجدوا شيئًا . كان الأمر كما لو أن جراي وقاربه قد تبخرا في الهواء. 

blank
جراي مع والدته وابنته

على اثر فشل محاولات العثور على جراي أو أي شيء قد يدل على مصيره ، شهد العالم نقلة نوعية وهائلة فيما يتعلق بعمليات البحث ، ولربما تكون عملية البحث الاشمل و الاكثر تطوراً في التاريخ ، ففي محاولة من قبل المهندسين الكبار في عالم التكنولوجياً لايجاد زميلهم ، تم تجميع كل ما بحوزتهم من افكار وتكامل ذلك مع استخدام الاقمار الصناعية للولوج إلى الشبكة العالمية لتنسيق بحث ضخم لآلاف الصور عالية الدّقة ، وبالتعاون أيضاً  مع شركات كبرى مثل أمازون ، ومايكروسوفت ، وجوجل ، وأوراكل ، بالإضافة إلى علماء من البحرية الأمريكية ، ومختبر التقنيات النّفاثة التابع لوكالة لناسا ، ومعهد “مونتيري باي” المعني بدراسة جيولوجيا البحر . لقد كان تعاونًا غير مسبوق في جميع المجالات نتج عنه عدد لا يحصى من الصور ،  ومعالجة كميات هائلة من البيانات بمساعدة الآلاف من المتطوعين من ألمع العقول عبر الإنترنت ،  وهذا ما أدى إلى مسح قرابة  132,000 ميل مربع من المحيط بين جنوب كاليفورنيا و أوريجون .
حيث تم مسحها ضوئيًا بحثًا عن أي علامة على القارب المفقود .  تم فحص الصور وبياناتها ومراجعتها مرة أخرى ، مروراً  “بجونز هوبكنز”  وجامعة هاواي ومعهد علوم تلسكوب الفضاء في بالتيمور بالإضافة إلى ذلك ، تم إنشاء العديد من عمليات محاكاة الكمبيوتر المتقدمة لمحاولة تحديد المكان الذي قد ينجرف إليه القارب .  حتى أن ناسا سمحت للبحث باستخدام طائرة ER-2 المتطورة للغاية ، وهي في الأساس نسخة مدنية من طائرة تجسس ، لمسح المنطقة لمئات الأميال حولها. لقد كان تنسيقاً مذهلاً  في علم التقانة الحديث ولم   يسبق له مثيل من قبل . لكن .. دون اي جدوى تذكر ..

إقرأ أيضاً : الكترا لوكهيد : عندما يقف العالم عاجزاً أمام شبح المحيط الهادئ

بافتراض انّ القارب كان مصمماً للسرعة ، فمن المحتمل انّه اصطدم بشيء ما ، ربما جذع شجرة طافٍ على مياه المحيط ، وهذا ما قد يسبب ثقباً في جسم القارب ، تفسير منطقي جداً .. لكن لماذا لم يرسل النظام الآلي اي اشارة !
لنفترض انّ النظام كان قد تعطل بطريقة ما ، فأين القارب ؟ ، أو أين جثة جراي !

يقول احد المحققين في قضية اختفاء جراي :

يمكنني تخمين سيناريوهات كثيرة ، لكن في كل مرة اصطدم بشيء غير منطقي ، اتفهّم انه شخص رزين و متّزن ، وبما أنه مهندس فقد يقول في قرارة نفسه عندما ادرك حدوث خطب ما في قاربه :
– اوه .. يا إلهي ، يمكنني اصلاح هذا و التعامل معه ، الامر بسيط لا حاجة للاستغاثة..

اكاد اجزم بأنه لن يصاب بالذعر ، على عكس شخص قليل الخبرة ، كان سيستغيث فوراً .

بعد كل ما فعلناه لم نجد له او لقاربه أثر ، لقد توقف عقلي عند هذا الحد .. لا يمكنني قول المزيد .

blank
عدة نظريات طرحت حول اختفاء جراي ..

الإنتحار ..

كان جراي متعلّق بوالدته بشدة ، ولربما لم يستطع تقبل فكرة نثر رمادها ، ووداع اخر ما تبقى منها فقرر الانتحار . فكرة كانت لتكون معقولة لولا مكالمته مع زوجته وتسجيله المبتهج لابنته ، عدا عن ذلك فهو شخص ناجح جداً في مجاله وعمله ، رجل ثري و أرباحه في تصاعد ، ولم يكن يوماً مدمناً على اي مادة كحولية أو أي نوع من انواع المخدرات .
بالإضافة إلى ذلك ، لم يكن لديه مشاكل مالية أو قانونية معروفة ، ولا أعداء معروفين ، فما هو السبب لترك كل شيء وراءه ويقدم على الانتحار .. لا معنى لذلك ، إضافة إلى ان كل من عرفه يرفض الامر  هذا بشدة باعتباره احتمالًا . 

هل قرر جراي التخلي عن كل شيء و العيش بهدوء ؟

نظرية واردة .. لربما ان العبقري خاصتنا ، قد سئم لسبب ما من حياة الترف التي يعيشها ، وفي سبيل بحثة عن نمط حياة مريح وبسيط ، كان قد دبّر كل شيء بنفسه ليختفي الى الابد دون أن يترك أي أثر وراءه ، لكن هذه المقولة قوبلت بالرفض من قبل محيط جراي ، لأنه على حد قولهم يتمتع بفكر متجدد وطموح ولا يقبل بالعودة للخلف .

الاختطاف

كما قلنا ..كان جراي عبقرياً حقيقيا ً ، وهذا قد يكون سبباً مثالياً لاختطافه ، سواءاً من قبل احدى شركات التجسس الخاصة ، أو من قبل حكومة أجنبية ما ، يمكننا تخيل غوّاصة مخصصة لمثل هذه العمليات ، تخرج على حين غرة امام قارب جراي ، ويتم اقتياده لداخلها ، و سيكون من السهولة عليهم نسف اي اثر للقارب بعدها ..

وبالطبع لا بد أن يطلّ علينا اصحاب نظرية الكائنات الفضائية ، فقد عزوا اختفاء جراي الى اختطافه بواسطة احدى المركبات الفضائية المتطورة  ، بسبب ذكائه وعبقريته الشديدة .

أياً كانت أسباب اختفائه .. فلم يتم العثور على الدكتور جيمس جراي مطلقًا ، وتم إعلان وفاته قانونيًا في 28 يناير 2012 .
اطلقت شركة ما يكروسوفت تطبيقاً خاصّاً يحمل اسم العالم المفقود ، وأيضاً قامت بتسمية  القسم الذي كان يشغله فيها باسمه .  لا يزال اسم جراي يتردد في عالم صناعة التكنولوجيا حتى يومنا هذا . ماذا حدث للدكتور جراي هناك على تلك المياه الهادئة؟ لماذا لم يوجّه نداء استغاثة أو أي إشارة لما كان يحدث؟ و كيف يمكن لجميع التكنولوجيا التي ساعد في إنشائها ألا تؤدي إلى أي شيء على الإطلاق ؟
لا أحد يعلم ، ليبقى اختفاء الدكتور جيمس جراي أحد أكثر حالات الاختفاء مأساوية وغموضاً وصدمة على مدار التاريخ .
ومن يدري ، لربما مازال على قيد الحياة سواءاً على احدى الشواطئ في دولة نائية ، أو في احدى المختبرات السرية لدولة ما ، وربما على إحدى الكواكب خارج المجرة .

ملاحظة :جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس ، لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي او المرئي للمقال المنشور دون اذن مكتوب من ادارة الموقع ، وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
Wikipediamysteriousuniverse

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
34
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x