أدب الرعب والعام

هدية عيد الحب

بقلم : وفاء محمد – مصر

وحتى الآن لا يعرف السبب لتلك الوفيات التي غالبا ما تقع لأولئك الذين قد تبادلوا هدايا عيد الحب
 لا يعرف السبب لتلك الوفيات التي غالبا ما تقع لأولئك الذين قد تبادلوا هدايا عيد الحب

تشرب نور من كوب الشاي وهي تستمع إلى المذيع وهو يقول : أنا أحب عيد الحب إنه اليوم الذي ينتشر فيه الحب بين الناس ،هيا أيها المستمعين فلتخبروني بالهدية التي تلقيتموها أمس ، لقد جاءتني رسالة من مستمعة تقول فيها :

أتعلم سامي .. الحب جميل حقا خاصة عندما يتخطي العقبات التي وضعها الناس كالجمال والمال والعمر ، لا أخفي سعادتي كامرأة وحيدة رأت الكثير وعانت من الكثير بعد زيجتين استمرت حتى المقابر، تعيش في فيلا ،عندما ابدى زوجي العزيز منذ سنوات إعجابا واهتماما بي رغم فارق السن الكبير بيننا ، كان زواجنا كالقصص الخيالية أحببنا بعضنا كثيرا وكان شغوفا بالخرافات وحكايات الأساطير وبتتبع الأحداث الخارقة للطبيعة، فكثيرا ما كان يذهب في رحلات إلى تلك الأماكن ويبعث لي من هناك بالهدايا ورسائل يحكي فيها ما رأه ،وفي يوم نشر في الجريدة مقال عن قرية تحقق نسبة وفيات عالية في يوم واحد في السنة وهذا اليوم هو اليوم التالي لعيد الحب ، قرأ لي زوجي جزء من المقالة : وحتى الآن لا يعرف سبب لتلك الوفيات التي غالبا ما تقع لأولئك الذين قد تبادلوا هدايا عيد الحب ، والغريب في الأمر أن كبار السن في هذه القرية لديهم عادة فهم يذهبون إلى المقابر في يوم عيد الحب ويرفضون تلقي أي هدية .

أنهى المقال وقال في سرور : لابد أن أزور هذه القرية إني أشعر بوجود شيء مثير وخارق للطبيعة .

حاولت كثيرا أن أثنيه عن الذهاب ولكنه أصر وقال في سعادة : هذه ستبدو إضافة رائعة لكتابي وربما ستكون الخاتمة التي أبحث عنها أخيرا ، لا تقلقي عزيزتي إنها مجرد خرافة كغيرها ، وأكمل ساخرا : ربما سأرسل لكِ هدية من هناك .

وبالفعل أرسل لي هدية عيد الحب أمس وخطابا يحكي لي فيه ما رأه حيث قال : مرحبا عزيزتي أعتذر مسبقا عن عدم إرسالي أي خطابا لكِ لأطمئنك على أحوالي حتى هذه اللحظة ، أعلم كم أنتِ مستاءة من ذلك ولكن معذرة أردت أن يكون الخطاب الذي أرسله لكِ مميزا وفي يوم مميز بالطبع لكن قبل أن تكملي خطابي أرجو أن تفتحي هديتي أولا ، الآن دعيني أخبرك ما حدث ، أول ما وطأت قدمي هذه البلدة
شعرت بشيء غريب أكد لي من أن هناك لغز ما يحيط بها فقد رأيت التباين بين وجوه الشباب الباسمة والمستقبلة للحياة في حب ووجوه العجائز الصلبة الغاضبة حتى وإن أبدى أحدهم إمتنانا ستشعر وكأنه يهينك او إبتسامة ستشعر كأنها طلقة نحو صدرك او على الأقل ستتمنى الموت بدلا من تلقي علاجا نفسيا طوال حياتك جراء تلك الابتسامة المرعبة!

وكالعادة عزيزتي تلقيت معاملة مميزة من هؤلاء العجائز كغريب جاء باحثا عن الشهرة والمال من تعاسة الآخرين في نظرهم فكان الرد بالصمت أحيانا والإعراض بالوجه مع بعض الكلمات التي لم أفهمها أحيانا أخرى ، وهذا الذي كنت على أتم الإستعداد له فعلي الفور اتخذت الخطوة
الثانية فما كان علي سوى أن أبحث عن تلك الأماكن التي تركت على حالها وانتشر حولها الأخبار ومنع الإقتراب منها فوجدت بيت من دور واحد مغلق بسلسلة حديد غليظة في نهايتها قفل كبير وعندما حاولت الدخول، رأني رجل عجوز وصاح بي وحثني على الإبتعاد عن المنزل وسار خلفي ملقيا سيل من الإتهامات والكلمات التي علمت معناها الآن ولقد وضعت ذلك الرجل على رأس قائمة من سأرسل له هدية عيد الحب العام القادم ، على أية حال لقد لعبت الصدفة دورها ومكثت في بيت شاب يعيش وحيدا ويكره الحب جدا ويلعن حبيبة أخيه التي انتقلت من القرية هي وأهلها بعد أن توفي أخيه وبعد وقت علمت أن أخاه مات في اليوم التالي لعيد الحب بعد أن وجد على باب الشقة هدية عيد الحب
رأى ذلك الشاب أن يحتفظ بالهدية بعد ان أصرت خطيبة أخيه انها لم ترسل له أي شيء في هذا اليوم لتذكره بخداع الحب والمحبين  على حد قوله، وأخبرني بأنه يرى ذلك الرجل العجوز الذي أخرجني من البيت دائما منذ صغره جالسا هناك عند البيت ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه وخاصة عند اقتراب يوم عيد الحب يكاد يكون كالتمثال لا يتحرك من مكانه ،
ولقد أثارني كل هذا الإهتمام والحرص من الرجل العجوز ولكن
ذلك الشاب للأسف لا يعلم أي شيء عنه ولكنه يظن من الشائعات والتكهنات التي دارت حوله أن البيت الذي يحرسه هو بيت إبنته التي توفت هي وزوجها في اليوم التالي بعد ليلة زفافهم .

في النهاية يا عزيزتي بعد عدة محاولات لأعرف أي شيء آخر
عن هذا الرجل والبيت لم أصل إلى شيء فكثير من أهل القرية قد مات او إنتقل منها وهؤلاء المتواجدين أبناء الذين ماتوا او آخرين انتقلوا إلى هنا ، أما العجائز فيرفضون الحديث عن الأمر رفضا تاما كأنه سر يحملونه معهم إلى قبورهم
وكل ما جمعته عن الأمر كان من أحد جيران الذي يظهر انه في نهاية العقد الثالث من عمره ، أخبرني أن أباه حكى له وهو صغير أن شابا من القرية المجاورة وفتاة من القرية كان يضرب بهما المثل في الحب ولكنها تركته فهددها الشاب بالإنتحار إذا لم تعود إليه فرفضت وبعد فترة تمت خطبتها لشاب آخر فهدد الشاب أهلها بالإنتحار إذا تمت هذه الزيجة ولم يعبأ والدها بذلك وأعلن يوم الزفاف ، وبالفعل خطط الشاب للإنتحار بطريقة انتقامية وفي ليلة الزفاف وجد العروسان هدية زفاف كبيرة داخل منزلهما عبارة عن
صندوق خشب كبير ملفوف من جميع جوانبه بشريط من القماش أحمر اللون مع بطاقة مكتوب عليها ” مُعللتي بالوصلِ والموتُ دونهُ إذا مِتّ ظَمْآنا فَلا نَزَل القَطْرُ! ” ، وبعض الحروف والكلمات الغير مفهومة ، وعندما فتحا الصندوق علت الصياح والصرخات والتف الناس حول بيت العروسين ورأوا جثة الشاب داخل الصندوق ، بعد دفن الشاب تبين أنه على مدى ثلاثة أشهر قام بتصفية جسده من الدم ولم يعلم حتى الآن كيف فعل ذلك وأين اخفى دمه ، وفي نفس اليوم الذي دفن فيه الشاب توفت الفتاة وزوجها وعلى وجوههم تعبيرات مرعبة تاركين خلفهم الشريط الأحمر الذي التف حول الصندوق وانطلقت الشائعات أن الشاب قام بعمل لعنة ولون ذلك الشريط بدمه وجرى الإعتقاد بين بعض القرويين أن من يأخذ جزء من ذلك الشريط ويرسله إلى آخر يموت في اليوم التالي على الفور ، وبعدما أن انتشر ذلك الإعتقاد انتشرت حالات الموت الغامضة في القرية ،وعندما تسللت إلى البيت لأتأكد لم أجد ذلك الشريط ،يبدو انها في النهاية خرافة اختلقها بعض الناس.

أتعلم سامي ، تعلمت أيضا أن الحب مؤلم وخدعة، خاصة عندما تحب احد من قلبك ولكن الآخر لا يبادلك ذلك الحب.

تغلق المذياع وتسحب شريطة حمراء موضوعة حول عنق دب
صغير ثم وضعتها في أحد الأظرف ووضعت معها بطاقة كتبت
عليها زوجي العزيز يظن الشباب ان كبار السن حمقى أما كبار
السن فيعرفون أن الشباب حمقى . بينما يدخل عليها كبير الخدم ويقول لها : أخشى يا سيدتي أني أحمل لك خبرا مزعجا، فالخادمة قد توفيت اليوم صباحا.

وأكمل مستاءا : لا أدرى ما الذي حدث! لقد كانت مليئة بالحياة
وسعيدة هل تذكري سيدتي كم كانت سعيدة عندما جعلتها تفتح هدية عيد الحب أمس التي أرسلها السيد؟

نظرت إليه وقالت : إنه خبر محزن حقا ثم مدت إليه يدها وأعطته الظرف وأخبرته أن يرسله إلى زوجها…

تاريخ النشر : 2021-06-27

مقالات ذات صلة

7 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى