تجارب من واقع الحياة

هل سُرِقَتْ شخصيتي ؟

بقلم : آية – جمهورية مصر العربية

الآن أصبحتُ أشعر كأن شخصيتي مسروقة ، لم أعد أستطيع فعل شيء بسبب أختي
الآن أصبحتُ أشعر كأن شخصيتي مسروقة ، لم أعد أستطيع فعل شيء بسبب أختي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
أنا طالبة في السنة الأولى من الجامعة ، عمري تسعة عشر عاماً ، أعيش مع عائلتي المكونة من أبي وأمي و أختي و ثلاثة إخوة ذكور، والحمد لله حياتنا عادية لا تخلو من مشاكل موجودة في كل بيت.
 
لدي مشكلة مع أختي ، هي تصغرني بعام و نصف العام ، و مشكلتنا معاً تمتد جذورها إلى مرحلة الطفولة ، و المشكلة الأكبر أن أختي لا تشعر أن بيننا مشكلة.
 
في البداية ، ربما قبل خمس أو ست سنوات لم تكن أختي قريبة مني و لم تكن تتحدث معي أو تشاركني الغرفة ، لم تكن بيننا أي أشياء مشتركة ، و كانت أختي تفضل صديقاتها ، تتحدث معهن دائماً و تحكي لهن كل شيء ، والغريب أنني كلما قابلت صديقاتها لم يكنَّ يرحبنَ بي ، بل ينظرنَ إلي نظرة استغراب و ربما شعرت من بعضهن بالكره ، لا أدري هل أختي قالت لهنّ عني شيئاً ؟.
 
تغير الأمر قبل سنتين عندما اكتشف أبي أن صديقات أختي يؤثرنَ عليها بشكل كبير، فصارت أختي تقلدهنَّ في كل شيء ، حتى أنها كانت تكره أبي وأمي وعائلتها بالكامل لأنها لا تشبه عائلات صديقاتها ، و كانت تخرج من المنزل بملابس ، و حين تكون معهن ترتدي ملابس أخرى ، و قد عرف أبي ذلك من محادثاتها مع صديقاتها على الإنترنت ، فصارحها بكل شيء و أخبرها ألا تقابل صديقاتها ثانية و أن تقطع علاقتها بهن ، خاصةً أنهن كنَّ قد يشجعنها على التمرد.
 
طلب مني أبي مراقبتها خاصة أنني معها في نفس المدرسة ، لكنني كنت نادراً ما أخرج من المنزل فلم أستطع الذهاب معها إلا مرات قليلة ، و كنت أراها تقف معهن – صديقاتها – أحياناً ، لكنهن جميعاً تجاهلنني عندما اتجهت إليهن ، بل و كنت أرى نظرات الكره في عيونهم جميعاً.
 
في الإجازة بقيت أختي في المنزل و لم تقابل صديقاتها إلا مرات نادرة ، و كانت تخبر أبي أنها مع صديقاتها ، لكنه ظن أنها مع صديقات أخريات فلم يمانع ، لأنه كان يحذرها قبل خروجها من أن تلتقي بصديقاتها اللاتي حذرها منهن قبل ذلك ، لكنني كنت أشعر أنها معهن ، فأختي لم تكن لتترك الأمر بتلك السهولة ، خاصةً أنها تعتقد أن أبي يتحكم في كل شيء في حياتها، و أنا لها حرية اختيار الحياة التي تريدها ، و كانت تعاند دائماً.
 
بدأت المشكلة تزيد قبل عام عندما اكتشف أبي أنها عادت تتواصل مع صديقاتها ، و تغيرت تصرفاتها للأسوأ ، فصارت تصارح أبي وأمي بقولها ” أنا أكرهكما ، و أريد أن أعيش بلا أب أو أم أفضل من عيشي معكما ” وصارت تجلس وحدها دائماً ، حتى أصبحت لا تتناول الطعام معنا ، و قد وصلت درجة تقليدها لإحدى صديقاتها ، أن صديقتها كانت نحيفة جداً بسب مرضها ، فقررت أختي أنها تريد أن يكون جسمها مثل جسم صديقتها هذه ، فامتنعت عن الطعام ثلاثة أشهر كاملة حتى أصبحت الأن هيكلاً عظمياً ، عبارة عن عظام فقط.
 
كان أبي ينصحها كثيراً و يحذرها من ألا تغضبه ، و حاولت أمي معها ، لكنها كانت تنهي المحادثة دائماً بقولها ” أنا أكرهكما، ولا أريد العيش هنا أصلاً “.
 
تطور الأمر و نفد صبر أبي مع أختي ، فأخذ منها الهاتف المحمول و منعها من التواصل مع أي شخص ، خاصةً بعد أن رأى أنها كانت تتفق مع صديقاتها على ما ستفعله و ما ستقوله ، ثم قرر أن ينقلني من غرفتي لأصير معها في الغرفة ، و قال لي ” لن تكون لوحدها في غرفة بعد الآن ، هي تحتاج من يراقب تصرفاتها حتى لا تتمرد “.
 
حزنت كثيراً لهذا القرار لكنني لم أظهر حزني، فغرفتي أنا اخترت كل شيء فيها ، لونها و ترتيبها وأثاثها ، حتى أن أبي نفذ فوراً قراره و في نفس اليوم كنت قد انتقلت إلى غرفة أختي.
 
بدأت أختي تتحدث معي ، تخبرني كم تكره نظام عائلتنا ، و كم تكره كذا وكذا ، شعرت بأنها تكره كل شيء نفعله ، هي حتى تكره نفسها لأنها في هذه العائلة.
 
واجهتني بعض المشكلات معها لكنني تجاهلتها، مثل أنها دائماً تذكرني أن هذه غرفتها هي و ليست غرفتي لأنقل شيئاً من مكانه أو أغير فيها أي شيء، وأنها كانت تفتش في أغراضي دائماً ، بل و تأخذ ما يعجبها.
 
لقد مضى الآن على بقاءنا معاً في نفس الغرفة سنة كاملة ، انقطعت فيها أختي عن صديقاتها تماماً ، وأصبحت تتقرب مني و تحكي لي كثيراً من الأشياء ، و تصارحني إذا كانت حزينة ، و قد رأى أبي وأمي أن هذا شيئاً جيداً ، لكن الأمر أصبحت له نتائج أخرى لا أحد يراها غيري.
 
أصبحت أختي تتقمص شخصيتي ، كل حرف أقوله تقول هي نفس الحرف ، لدرجة أنني يوماً بطني آلمتني و هي شعرت بذلك فأسرعت لأمي تخبرها بأن بطنها تؤلمها ، و كلما شكوت من مرض أو تعب أو أي شيء رأيتها تشكو لأمي من نفس الأمر.
 
أنا أحب الطبخ منذ سنوات و أتعلمه من خلال اليوتيوب ، أما أختي فكانت تقول دوماً بأنها لا تحب الطبخ ، لذلك كان الطبخ هو مهمتي ، فكنت أطبخ للعائلة و أحب تجربة وصفات جديدة ، تفاجأت قريباً بأن أختي تقول بأنها تحب الطبخ ، وأصبحت تدخل المطبخ دائماً و تجرب وصفات جديدة ، بل إنني إذا دخلت المبطخ تقول بأنني أقلدها لأنها تحب الطبخ وأنا أغار منها لذلك أصبحت أحب الطبخ ، فأصبحت تقريباً لا أطبخ لأن أمي سعيدة بتغير أختي فصارت تسمح لها بفعل أي شيء تريده و تقول ” حتى لا تعود كما كانت”.
 
أنا أيضا أحب الكتابة ، و أكتب منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية ( المتوسطة )، فجأة أصبحت أختي تحب الكتابة ، بل إذا رأتني أكتب قصة عن شيء معين تسرق أفكاري و تكتب عنها ، و إذا كتبت و قرأتْ كتابتي تقول دائماً ” هذه فكرتي بالضبط “.
 
دائماً كانت أختي تقول ” أكره أن أكون معلمة ، إن مهنة التدريس مملة ، التعامل مع الطلاب شيء صعب و ليس لدي صبر للتعامل معهم ” أما أنا فكنت أحب مهنة التدريس و كنت أذاكر لإخوتي بدلاً من أن يذهبوا لدروس خاصة ، حتى ابنة جيراننا كنت أذاكر لها أيضاً ، فجأة رأيت أختي تذاكر لهم ، بل إذا ذاكرت أنا لهم لا تكف عن تعليقات مثل ” أنا التي أفعل ذلك ” ، ” لماذا تقلدينني ؟ “، بالإضافة إلى نظراتها الكارهة والمشمئزة ، حتى أنني أمس كنت أقول لأمي ” أنا أحب أن أكون معلمة ، التدريس أمر رائع “، فقالت أختي ” أنا أيضا أحب التدريس ، إنه فعلاً رائع “
 
مجال دراستي في الجامعة هو التدريس ، و قد كانت هذه الجامعة هي حلمي منذ سنوات ، و عندما كان أحدهم يسأل أختي عن المجال الذي تحبه كانت تقول ” الترجمة الإنجليزية “، لكنها فجأة قبل أسبوع قالت بأنها تريد دخول نفس جامعتي، بل عندما سألتها أمي عن أي قسم تريد الدخول قالت ” لغة عربية ” وهذا نفس قسمي !.
 
حتى في قسم الثانوية ، أختي كانت تريد الالتحاق بالقسم العلمي ، لكنني عندما دخلت القسم الأدبي غيرت رأيها فجأة و تفاجأت بأنها دخلت القسم الأدبي !.
 
أيضاً أنا أحب الرسم ، و لم تكن أختي تحبه ، فجأة بدأت ترسم و تتعلم الرسم ، و إذا رأتني أرسم قالت بأنني أقلدها.
 
اتجهتُ مؤخراً إلى قراءة الكتب و الروايات و غيرها ، فأصبحت أختي قارئة من الدرجة الأولى ، بل و تسارع لقراءة كل الكتب التي قرأتها.
 
أحب التحقيق و عالم الغموض والجريمة ، و كنت أتابع القضايا منذ ما يقارب سنتين ، تفاجأت أن أختي أيضاً و التي لم تكن تطيق سماع الجرائم أصبحت تتابع كل قنوات ومواقع الجريمة ، بل حتى إنني أمس كنت أقول ” إذا لم أكن معلمة ، كنت سأتمنى أن أكون محققة “، قالت ” وأنا أيضاً أحب أن أكون محققة “.
 
حتى الحيوانات لم تكن أختي تحبها ، لكنها فجأة صارت تحبها لأنني أحبها.
 
المشكلة هي ليست أنها تحب نفس الأشياء التي أحب ، بل المشكلة أنها لا تريدني أن أحب نفس الأشياء التي تحبها ، بل و تقول أنني أقلدها في كل شيء.
 
و عندما كنت أشكو لأمي كانت فقط تبتسم بسخرية وتقول ” أنت تغارين من أختك منذ أن كنت طفلة “.
 
الآن وصلتُ إلى مرحلة أنني لم أعد أفعل شيئاً ، كل ما أحبه أصبحت أختي تحبه وهي التي تفعله ، حتى إن الشيء الوحيد الذي كنت أفرح به هو أنني كنت أخرج مع أمي مرتين كل شهر، أصبحت أختي هي التي تخرج مع أمي ، و لا تجرؤ أمي على رفض طلبها ، و تقول ” حتى لا تعود مثلما كانت “.
 
لماذا يريدون تغييرها على حسابي أنا ؟ أنا التي انتقلت إلى غرفتها وأنا التي تخليت عما أحبه لأجلها حتى لا تعود كما كانت ، أنا التي دفعت الثمن و ليست هي !.
 
الآن أصبحتُ أشعر كأن شخصيتي مسروقة ، لم أعد أستطيع فعل شيء ، كل شيء أصبح لأختي وهي التي تفعله حتى لا تعود كما كانت ، و إذا شكوت فإنني أغار منها وأعطي الموضوع أكبر من حجمه ، بل أختي نفسها تقول بأنني أغار منها.
 
والدي يريد أن تدخل أختي نفس الجامعة معي و يقول لي ” حتى تعرفي صديقاتها ولا تعود كما كانت “.
 
أنا لا أريدها أن تدخل معي نفس الجامعة و لا نفس القسم ، لا أريد أن أرى صديقاتها و لا أريد أن أعرفهن ، لقد أصبح محور حياتي يدور حول أختي ، حتى لا تعود كما كانت.
 
أشعر أنني أصبحت أعيش لأجلها و ليس لأجل نفسي ، وأبي وأمي يريان أن هذا هو الصواب لأنني الأخت الأكبر ، لكنني تعبت و لا أدري هل هذا حقاً هو الصواب ؟ هل على الأخت الكبرى أن تضحي بكل شيء فقط حتى لا تعود أختها كما كانت ؟.
 
ماذا أفعل ؟ أنا لا أريد أن أكره أختي ، لكنني أشعر أنني لم أعد أحبها .

تاريخ النشر : 2021-04-10

مقالات ذات صلة

36 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى