الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

بركة جافة

بقلم : أم سهيل - الجزائر

واذا بها بركة مخيفة على أطراف المدينة قد جف ماءها

اصيبت بمرض غامض عجز الأطباء عن تشخيصه، حتى أصبحوا يتحاشون زيارتها لأنهم لا يجدون لها اجابة،  فذهبت للراقي، ولقد رافقتها عدة مرات و في كل مرة يقراء عليه الشيخ، تنتفض كالدجاجة المذبوحة واذا طلب منها الشيخ الراقي اغماض عينيها ووصف اي شئ ، تصفه ولكن اذا طلب منها وصف شارعها و بيتها تقول : بأنها لا تستطيع، وأنها لا ترى الا الظلام .

كانت "فاطمة" شابة مرحة تضحك لأبسط الأشياء، والكلمات والابتسامة لا تفارق محياها ،كريمة محسنة لأهلها بارة بوالدتها وحياتها بسيطة خالية من العقد، تملك زوج طيبا يحبها وبنت و ولد ومنزلا صغيرا جميلا ومرتبا، ولكن كانت حماتها  ـ سامحها الله،  تكدر صفو الحياة الهادئة، لطالما وجدتها ترش ملابسها بماء...؟

أو وجدت أشياء غريبة في بيتها ، ولكن الشابة لم تكن تعير اهتماما لتصرفات الخالة ونعتها لها بأبشع الصفات.

بدأ مرضها يزداد يوما بعد يوم، وكانت تقوم بصعوبة تمشي لقضاء شغل البيت ورعاية ولديها، وأحيانا تعمل جالسة وابنتها الصغيرة هي من يناولها الأشياء أو تحبو كالصبي لاتمام واجباتها ، كان زوجها يساندها ويعينها أحيانا ولما يشتد بها المرض يرعاها ويقوم بشؤونها .

ولكن دوام الحال من المحال في يوم من الأيام تزوج الحبيب والعشير والشريك وانقلب الصفو كدراً ، والهناء شقاء ، وحلاوة العيش رغم المرض مرار دائم،  ومنادي ينادي في السماء أن الدنيا دار شقاء وفناء والآخرة دار هناء وقرار.

زاد الألم النفسي مرضها فلم تكن تذق الزاد أياماً طوالاً، ولم تجد من يقوم برعاتها وخدمتها فالذي كان بالأمس القريب حبيبا مواسياً، صار اليوم عريساً منعماً بأسرة جديدة وابنين صغيرين يتحاشى أحيانا الدخول عليها ويعاف لمسها ،تركت ابنتها ذات الاربع عشرة عاما المدرسة وبدأت ترعاها وحتى هي الأخرى مريضة بداء القلب فكانت لا تقوى على تحريك جسم أمها المتضخم الذي لا يقوى على حمله اربعة نسوة .

على مدى أكثر من أربع سنوات مع المرض وعدم تحريك أي عضو عدى شئ يسير من اليدين، أمضتها فاطمة على سرير لم تخفت ابتسامتها ولم تخبوا ضحكاتها، بل جالسة أمام التلفاز تحمل هم حال المسلمين والعرب في كل مكان وهذا ما هون مصيبتها ،وكلما سألت عن حالها تجيب بابتسامة الحمدلله ،ولم تلم قط من فرط فيها رغم كثرة الأهل.

بعد صلاة المغرب كانت أمها العجوز تجلس مقابلة لها، وعند لمح البصر جاء زوجها وابنها واخوتها مشكلين حلقة حول الجسد الممدد الذي تغادره الروح رويداً رويداً ، كنت اتحسس جسمها واقرأ "سورة يس" بيقين تام حتى ردت الأمانة لخالقها نقية تقية طاهرة. نفذت وصيتها، اذ غسلتها وكفنتها وحملها الرجال على الأكتاف جنب والدها وأخواتها ومن أهلها الكثير  .

بعد مدة من وفاتها رأيت بأنني أسير معها في المنام ، وتمسك بيدي واذا بها تقول لي : أنظري يا أختي هنا دفنوا السحر الذي أهلكني .

واذا بها بركة مخيفة على أطراف المدينة قد جف ماءها، حتى أصبح التراب متشققاً ،ولكنني فزعت وافلت يدي منها و ركضت نحو أضواء المدينة .

فهل من الواجب علينا فك السحر بعدما توفيت اختي ام انه هذا لا يجدي نفعاً ؟

تاريخ النشر : 2016-06-06

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر