الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : اعتبارا من تاريخ 1 - 8 - 2019 سيعاود الموقع التحديث واستقبال المواضيع والمقالات والتعليقات

الغريب

بقلم : oussama - المغرب
للتواصل : misan thropie

الغريب
ظل الليل كله يقبل لوحات قد رسمها بطريقة شهوانية

 

كان يحبها و يكتب لها دائماً ، حيث كانت كلمات تناسب مزاجها المتقلب العصبي ، هي كانت مرآة له ، كانت تلهمه كي يكتب لأنها كانت مدمنة على كلماته ، هما عاشقان سافرا في أوراق و عاشا هناك حتى فارقهم الحسد و الغيرة ، كانت ستغير كل شيء في حياته ، كانت ستعيد له تلك الابتسامة التي فقدها منذ القدم ، كان ذاك الذي فهم ما يجري في عمق أعماقها ، كان شخص مريض أكثر لتحمل مرضها ، كان مهووس بها لدرجة فاقت معاني ما كُتب عن الحب يكتب و الأرق ، حتى تغير كل شيء فزعت الكلمات و رقصت أقلام بشهوة العذاب ، اختفت أم هو ظل كئيب حتى أنهار و أصبح غريب أطوار يقظي أيامه كأن شيء لم يحدث لكن داخله جحيم من ذكريات التي تتقد و تؤلمه ، يبكي من الداخل و لا احد يرى الدموع ، كل يوم يتذكرها و يستحيل أن ينساها ، كل يوم يعانق المرآة و يقبلها.

النوم أصبح شيء لا قيمة له بعد غيابها فقد آلف أن تنام قبل أن ينام هو ، ترى هل لازلت تتذكره ؟ هذا ما جعله يحادث نفسه كل ليلة كالمجنون و يكتب عنها طوال الليل و ينتظر حتى نومه في الصباح ، هرب من البشر انعزل و تعفن وحده في غرفته يدخن و يكتب و ينتظر ظل هكذا و سيظل هكذا حتى يجدها أو يلفظ أخر أنفاسه فوق قصة من قصصه التي لن تكتمل وستظل لغز ، كانت آمله الوحيد المتبقي الذي كان سينقذه من العذاب الذي يعيشه في عزلته القاتلة كانوا سوف يكتبون و يغزوا أوراق معاً إلى عالم أخر ، لماذا ؟ هل جنون الحب الذي وصلت إليه أرواحهم أثار غضب الماضي كي ينفي قصتهم إلى الوراء ؟ إدمانهم على العذاب وصل لدرجة الوداع ليزداد العذاب داخلهم.

كانت أنثى متمردة في حب كاتب كتب عنها قبل أن يجدها ، تنبأت له الكلمات ولم يعرف تنبأها ، كتب لها حتى لمس ذاك الجزء من عمقها الذي لم يجرء أحد على الوصول إليه في دجنة الكآبة بين المآسي و أحزان ، في قلب الألم التقت أرواحهم ، تلاحمت أجسادهم و تشابكت أناملهم ، أرتعش القلم عندما رأى ما لم يرى ، أحبها حباً غريباً معزول عن العالم ، دخل عمقها بطغيان طغى وسط ذكرياتها و اضمر بهجة بكلماته و امتلك قلبها و حضنه و قبله ، طرد ذاك الخوف الذي يؤلمها كل يوم كل لحظة.
أحبته و قالت : أنه الجنة تحدت الطبيعة ، و عشقت مجنون يعيش في ظلامه بين كلماته المريضة اليأسة التي لم يحبها أحد كما فعلت ، لم يستسلم لغيابها فغزى أوراق بقصائد هزت انفاس النسيان ، بعث في أوراقه التي كانت تحتضر بجانبه الحياة ، مجدداً أغراه غيابها المفاجئ للكتابة عنها ، أغلق غرفته إلى عالمه الصغير الحزين يكتب و يدخن و يثمل و ينام على مكتبه الصغير البسيط الذي يستلقي فيه قلم متعب و أوراق تحمل عواصف من القصص و القصائد ، ظل هكذا حتى سن الثلاثين و قرر أن يخرج من غرفته ليس فضول لمعرفة ما يجري بالخارج أو ملل من عالمه بل تمت هناك من أخرجه من كهفه المظلم.

خرج في الصباح الباكر و كان الندى يكون ضباب خفيف في مجال بصره حتى أنه لم يدري إلى اجن يذهب ، حتى سقط على أرض كالجثة ، جثة هامدة مهملة و الدموع تنزف من عيناه ، بصره كان محدق بقطة تموء و تمشي ، مد يده إليها طالباً نجدتها ، ترى ماذا فهم هذا الكئيب من مواء قطة في صباح مريض ؟ لم يعي نفسه حتى وجد نفسه في مستشفى و بعض أبر محشوة في كلتا يداه ، انتفض عن السرير مخلوع و جرى نحو زاوية الغرفة منكمش على ركبتيه و الدماء تسيل من يداه مكونة بقع من دم في أرجاء الغرفة و بدأ يستوعب ما يجري ، حتى كلمه الطبيب ، لكنه لم يتكلم ولو حرفاً ، يداه ترتعش و جبهته تتعرق و عيناه تائهتان ، ظل هكذا حتى فقد الوعي مجدداً و أعاوده إلى سريره و كلفوا ممرضة بالعناية به و مكثت معه حتى جاء أهله.

عندما فتح عيناه كانت الغرفة مليئة بالناس ، لم يتعرف على أحد و كأنه فقد الذاكرة ، بدأ يتحرك دون وعي و يرتعش محاول التفوه بكلمة و كان كأنه يختنق ، فأخرج الطبيب كل من في الغرفة و هدأ ، لكن عشوائية أنفاسه حيرت الطبيب و قرر أن يرسله لطبيب نفسي لمتابعة حالته التي أثرت في المشفى بكامله و أثارت ضجة هناك ، في اليوم التالي نُقل بصعوبة إلى الطبيب النفسي ، كان عصبياً و منفعلاً لولا الحقن المهدئة لكان أثار فوضى عارمة ، وصلت السيارة إلى العيادة المقصودة ، أدخلوه في عربة لفشله و تعبه جراء الحقن ، عندما رآه الطبيب لم يرى أي آمل فيه سوى إرساله لمشفى المجانين لأن حالته كانت غريبة ، أدخله الطبيب إلى مكتبه و جلس أمامه متأمل في شكله الذي آثار جدله و سأل عائلته عنه ، قال الأب للطبيب : لم يخرج من غرفته منذ 10 سنوات.

- ماذا كان يفعل كل هاته المدة هناك ؟

- لا أعلم ، كان فقط يثمل و يدخن هذا ما أعرفه.

و قالت أخته : كان يكتب.

وقف الطبيب في حيرة من أمر هذا الغريب ، 10 سنوات من العزلة في غرفة التدخين و السكر و الكتابة أمر غريب حقاً ! دارت في عقل الطبيب تساؤلات كثيرة حتى استوعب ما يحدث ، طلب من أهله انتظاره و دخل إلى مكتبه ، حاول الحديث معه لكن لا إجابة كأنك يتحدث إلى شخص ميت ، ساعة و هو يحاول لكن لا جدوى ، خرج الطبيب فاقد الآمل فيه و طلب من آهله أن يقصدوا طبيب أخر لأنه رفض متابعة حالته ، أخرجه أهله من العيادة بدون أن يفهموا ما الذي حدث له.
ذهبوا إلى المنزل ، في تلك اللحظة التي فتح فيه باب المنزل هرع هارباً نحو غرفته ، أفزع الجميع يجري في رواق و يرتطم بالجدران حتى أقفل عليه الغرفة مخلفاً ورائه دهشة و غرابة ، لم يأبه له أهله لطالما آلفو غيابه في جوهم العائلي فقد كان كشخص ميت لم يكن موجود في نظرهم حتى للانعزال الغريب المريض ، بعد يوم سمعوا صراخ صادراً عن الغرفة و ضجة فلم يستسلم أبوه لحالته و قرر الدخول إلى غرفته و معرفة ما يجري فحطم باب الغرفة و وجده مستلقي على أرض ملطخ بالدماء و غرفته كلها أوراق مبعثرة في زوايا الغرفة و وجد وجوه مرسومة في جدار الغرفة تعبر عن الآلام و الوحدة و المعاناة و العبث وجد فوضى ، فخرج حانياً رأسه مستغرباً محاولاً فهم ما يجري ، فقرر إدخاله لمستشفى المجانين لأن حالته تزداد حدة و اضطراباً ، بعدها بلحظات اتصل الأب بالمستشفى و قبلوا طلبه و حدد معهم موعداً في اليوم التالي .

هو ظل الليل كله يقبل لوحات قد رسمها بطريقة شهوانية ، نساء عاريات و بتفاصيل جنسية مثيرة مريضة ، كان عارياً كله و يتمرغ على الأرض و يحاول ممارسة الجنس مع أي شيء في الغرفة ، أخد يشرب الويسكي طوال الليل ، عندما واكب الصباح سمع صوت سيارة و خرج من غرفته لأنه كان قد كتب قصة أن سيارة سوف تأتي و تخطفه ، و لما فتح باب المنزل وجد أمامه أشخاص بلباس أبيض و بدأ شخص يسأله : هل هذا منزل فلان ؟ ، و كأنه لم يرهم و غادر ناحية الشارع بمعطف أسود و قبعة قديمة و في يده قنينة ويسكي حتى وصل إلى جسر عتيق خارج المدينة ، كان الجسر بين أشجار كثيفة و كان من الصعب أن يراه أحد ، فصعد فوق الجسر و أخد يشرب و يشرب حتى انتهت القنينة و رماها من أعلى الجسر حتى صوت انكسارها لم يسمع ، كانت المسافة بعيدة جداً بين الجسر و الأرض ، فوق الجسر وقف و قرر أن ينهي هاته القصة بموت قاسي انتقام من عذابه ، أغمض عيناه و انزلقت يده اليمنى عن الجسر ليوقفه صوت من وراء متسائل :

- أنه وقت مثالي للانتحار .

- من أنت ؟

- أنا طبيبة دفعت شخص البارحة للانتحار.

- ما همي أنا ؟ دعيني وحدي.

- أنت وحدك الآن فأنى أشعر أني نكرة ميتة.

التفت إليها قائلاً ما رأيك أن تنظمي إلي ؟

قالت : الموت سيخطف روحنا يوماً لذى سأنتظره ، لماذا تريد الانتحار ؟

قال : هذا العالم المجنون المريض لم أعد أطيق المكوث فيه ولو لحظة أخرى ، أكره البشر و لا سعادة فيه.

- قالت : السعادة قرار.

صرخ و قال لها : أنا لم أقرر أن أخرج إلى هذا العالم الكاذب المنافق العبثي كي أقرر ما إن كنت أريد أن أكون سعيد أو لا .

اتسعت عيناها في استغراب و تخمين لما قاله ووقفت بجانبه و أمسكت يده ، كانت رطبة و ناعمة و حركت فيه شيء في داخله ، و نظر إليها نظرة بريئة و قالت له : لماذا شخص مثلك سوف يرمي بهذا الجسد و يتعفن هناك بدون أمل ؟ قال : لماذا فتاة مثلك تتجرئ و تقف بجانب مريض يوشك على الموت بخطوة واحده ؟ قالت : فما عساني أفعل بعد أن أراك تقفز ، أظل أتصارع مع ذكراك للأبد التي ستطارني في كل لحظة مررت بجانب هذا الجسر الذي أحب التسكع بجانبه كل صباح ؟ لمس وجهها و عانقها ، كيف غيرت هاته الفتاة كل شيء رغم حزنها و اكتئابها ، قد نجد في الحزن ما لا نجده في السعادة من إنسانية ، بعد العناق افترقوا و كلاً ذهب من طريق وحده فاستدارت و قالت له : أكون هنا كل صباح إن أردت أن تتحدث أو تفصح عن شيء ما ، و ذهبت.
لم يعرها اهتمام و ذهب إلى منزله فوجد ضجة وأبوه يصرخ و دخل و كأن شيء لم يحدث و أشار لهم بعينه ، و خزوا إبرة في عنقه أفقدته الوعي و حملوه إلى مستشفى خارج البلدة يخص المضطربين و المجانين الذين فُقد الآمل فيهم.

استيقظ و وجد نفسه مكبل بقيود ، بدأ يقاوم لكن لا جدوى و صرخ صرخة أرعبت الجميع ، صرخة ممزوجة بالألم و الحزن و الاكتفاء ، دخل عليه الطبيب خائفاً و قال له : أرعبتني ، و أعطاه مهدئ بالرغم عنه و ظل يتكلم معه و شرح له قوانين المشفى و هدده بغرفة يتم فيها صعق بالكهرباء لمن خالف القوانين ، لكنه اغمي عليه كلياً ، في الليل وجد نفسه نائماً في غرفة. استفاق و يداه ترتعش و استوعب أنه في مكان ألم يركز و يتحكم بأحاسيسه لن يخرج منه فهدئ ، في الصباح كان له موعد مع الطبيب نفسي أول موعد له الذي ستشخص فيه حالته النفسية ، فتح باب الغرفة و أخرجوه إلى مكتب التشخيص ، وقف أمام الطبيب و طلب منه الجلوس.

بدأ الطبيب يسأله ، لا إجابة منه و عيناه محدقة بالسجائر في جيب الطبيب ، عندما لاحظ الطبيب أن يركز على جيبه أعطاه سيجارة و أشعلها بسرعة و كأنه وجد شيء ، دخن و حدق بالطبيب و قال بصوت خفيف : أنهم هناك أمام الباب يطلبون مني الهروب لكن لا آبه لهم ، و انتفض من الكرسي وقال : اسمع ، أسمع أنهم ينادونني ، و سأله الطبيب : من ؟ و أجابه : ألا تراهم ؟ أنت تستطيع إن تراهم ، أنظر ، استغرب الطبيب لحالته و سأله : متى أصبحت ترى تلك الأشياء ؟ قال : أنها أتية ، و انكمش في حضن الكرسي و راسه بين رجليه حتى سقط وتمدد على الأرض كأنه مات ، حتى نفسه لم تكن تخرج و استيقظ كشخص استيقظ من كابوس مروع وسأله الطبيب : ماذا حدث ؟ قال له : لقد اخدوا روحي مني ، أنا ميت ، أنا ميت الآن ، امسك الطبيب راسه و خرج من الغرفة و أعادوه للغرفة و ضعوا له كاميرات مراقبة و ممرضة تحرسه ليلاً ، استدعى الطبيب معظم أطباء البلاد ليناقش معهم حالته الميؤوس منها مما أدى لاستدعاء أهله مرت أخرى ، بعد يوم جاء أهله إلى المستشفى و للتفاهم ، أنفرد الطبيب مع أبيه و سأله : من أقرب الناس إليه في المنزل ؟.

- أخته ليست قريبة كثيراً ، لكن هي من تعطيه الطعام و السجائر ، هي الوحيدة التي يفتح لها باب.

- هل هي معكم ؟.

- نعم.

- نادها لأتكلم معها .

جاءت أخته شاحبة الوجه حزينة لما حدث معه ، و سألها الطبيب : ماذا يفعل في غرفته عادةً ؟.

- يكتب و يرسم.

اتسعت عينا الطبيب في استغراب : ماذا يكتب ؟

- لا أعرف ، فقط كل يوم عندما أدخل غرفته أجده منهمك في الكتابة و العديد من القصائد المتبعثرة في الأرض ، حتى أنه يقول لي شكراً فقط .

فطلب الطبيب أن يأتوا بكل شيء كتبه في الأسبوع المقبل عندما يأتون لزيارته ، فوافقت عائلته على ذلك ، جلس الطبيب في مكتبه مستغرباً متسائلاً 10 سنوات من الكتابة دفعة واحدة أي عالم سافر إليه هذا الغريب ، انتظر الطبيب مطولاً متشوقاً لقراءة كتاباته عسى أن تساعده في فك حالة هذا الشخص الذي أثار الجدل في المشفى.

هو ظل في غرفته مشتاق إلى الكتابة بعنف يلمس الحائط بأذنه و يتحرك بغرابة في غرفته و ينظر إلى الكاميرا و يعود لسريره ، حتى الطعام كان يرفضه ، كان أحياناً يلعب به و أحياناً يصنع به أشكال في الطبق ، بقي على تلك الحالة. حتى جاءت أخته بكتاباته كلها و أعطتهم للطبيب و قالت له : هل يمكن أن أراه ولو للحظة ؟.

فطلب الطبيب من أحد الممرضين الذهاب معها إلى غرفته لرؤيته ، و عندما رأها بقي جامد في مكانه ، و بخطوات بطيئة اقترب و قال لها : شكراً.

فأحست كأنها مذنبة لأنها كانت تحضر له الطعام و الآن هو هنا وقوله شكراً كأنها السبب ، و فكرت في كتاباته التي أعطتها للطبيب ، ذاك العالم المنفرد الذي لم يرد لأحد أن يراه و أعلنت عنه ببساطة ، فخرجت تجري و تبكي تجري كأن شيء ما يتبعها من وراء ، مخلوعة دفعت الباب بقوة و سقطت في حديقة المشفى على ركبتيها محدقة بالسماء و غابت عن وعيها برهة و استيقظت و أكملت طريقها في الغابة متوغلة بين أشجارها حتى جلست بجانب نهر تراقب المياه و أسماكها التي كانت تسبح بشكل جميل داخل النهر مداعبة إياها بأناملها الناصعة البياض ، حتى جاء أحد الممرضين وعاد بها إلى المشفى.

دخلت مكتب الطبيب و طلبت منه مهدئ و عندما استدار الطبيب نحو صيدليته الصغيرة ظهر لها سكين في ظهره و الدماء غطت نصف سترته البيضاء ، أمسكت وجهها و كأنها صفعته و أخدت مهدئ و ارتخت على أريكة لتنام حتى المساء ، و تستيقظ في غرفتها بفوضى من أفكار و حاولت أن تتذكر ما حدث ، فنزلت الدرج إلى غرفة أخيها و جلست تتأمل في رسوماته الحائطية المهووسة و التي كانت كثيراً من أجساد تصرخ و تتعذب من خلال أفواهها المرسومة بشكل مريض و أخدت تبحث في أغراضه لتجد كتلة من أوراق و عندما فتحتها وجدتها رسائل إلى فتاة تدعى جينفر ، لكن كان العنوان مكتوب فيه الجحيم ، اتسعت عيناها مستغربة بشكل مضطرب لترتعش يدها دون وعي ، أخدت تقرأ الرسائل حتى النصف ، أظنها فهمت شيء من هذا ، فهرعت إلى أبيها طالبة منه مفتاح السيارة ، و بالطبع لم يرد طلبها و صعدت السيارة متجهة نحو المشفى مسرعة بأقصى حدود سرعة السيارة و دخلت المشفى بطريقة أثارت قلق الممرضين و قصدت مكتب الطبيب ، دخلت بطريقة عنيفة اتخذ الطبيب فكرة في عقله ، فكر أنها تريد مهدئ أخر ، لكنها دخلت صلب الموضوع مباشرة .

- أعطيني كل كتاباته .

في استغراب : لماذا ؟

- فقط أعطيني إياها.

لم يتردد الطبيب و أعطاها إياها .

حملت كل الكتابات و وضعتها بالسيارة و أسرعت نحو المنزل و دخلت إلى منزل و استراحت معلقة كل آمالها في الكتابا، ت دخلت غرفته و أخدت ترتب الأحداث ، و دخل أبوها فجأة و سألها : ماذا تفعلين ؟.

إجابته : هنا تكمن كل الحلول لحالته ، هنا اللغز ، و ذهب الأب فاقد الآمل غير مبالي لكلامها .

رتبتها طوال الليل لتصنف و تجد أربع روايات و ديوان و قصة ، كانت الرواية تأخذ طابع روحي و القصائد طابع جنسي و رومنسي مظلم ، و قفت يداها أمام القصة الأخيرة التي فهمت من خلالها كل شيء ، ربطت بها الرسائل و انهارت على السرير منهكة ، وجدت أنه أحيا تلك القصة في واقع كتب عن فتاة من كثرة وصفها و جماليتها غارت عليه و ترك في عمقها هيجان أنثوي ، و وجدت أنه في نهاية القصة لعنت تلك الفتاة جينفر لعنة ابدية و عقوبة في الجحيم ، و تلك الرسائل كانت تكتب لها و ظلت أربعة أيام تفكر كيف انتقل بقصته إلى الواقع أي حدود للجنون فاقها ، تغيرت فلسفتها في الحياة منذ ذلك اليوم ، و عندما قررت إكمال الرسائل اتضح لها كل شيء في أخر رسالة ، أنه سيصنع جحيم هنا و يعيش فيه و كانت تلك السنوات العشر هي الجحيم حسبما استنتجت ، لكنها غيرت رأيها بعدما قرات خلف الرسالة ، حبيبتي جنيفر قريباً سأهرب من جسدي و أرسل لك روحي لتنقذك من عذابك .

اغرورقت عيناها بالدموع كوردة تكسيها قطرات الندى ، جلست أخته في أريكته و راحت تتأمل في رسوماته المثيرة و الغريبة و تفكر في شيء ما حتى تسرب إلى عقلها شيء من الجنون .

هو ظل في غرفته هادئ لا يأكل و لا يتحرك أحياناً يذهب للحائط و يرسم بيده دون أن يظهر ما يرسمه رغم ذلك ، وحده يرى ما يرسمه و يتخيله في واقع الخيال مرسوماً في حائط يبدو أنه أراد أن يخلق عالمه هناك ، مر أسبوع فقرر الاستسلام مشتاقاً للكتابة ، بعدها أصبح يندمج مع المشفى و بدأ يخرج إلى الحديقة يتسكع فيها و أحياناً يجلس في الكرسي حتى المساء ينظر إلى شجرة زُرعت للتو في الحديقة و كل يوم يحدق بها و ينتظر نموها حتى تكفل بها و أصبح يعتني بها و يسقي عطشها ، كان منعزل تماماً عن الكل حتى المرضى هناك كانوا خائفين منه ، بعد مرور أسبوع جلس في كرسيه و لاحظ نمو بعض الورود في شجرته المحبوبة ، فأمسك وجهه كأنه انتابه الخجل و كأنه رأى ولادة طفل جميل و داعب تلك الورود بيده حتى جلست بجانبه أمرأة عجوز فعانق الشجرة خائفاً عليها.

قالت له : لماذا الخوف ؟ فأنا فقط أجدك هادئ و أردت أن احظى بالقليل منه ، فتراجع إلى الكرسي و حدق بها و أخد يلمس وجهها كأنه لأول مرة يرى فيها بشر ، كأنه كان يرى الآخرين في شكل غير شكل البشر ، لم يتفوه بكلمة ، فقالت له : أتعلم ؟ لقد رموني هنا بالغلط ، قلت لهم أن أصوات تناديني من الجنة و لم يصدقوني فظنوا أني مجنونة ، و رغم كتاباتي عنها بطريقة مهووسة لم يصدقوني فأنتهى بي الأمر هنا ، ماذا عنك ، ما قصة وجودك هنا ؟ أخيراً تكلم هذا الغريب ، ربما كان لهم نفس السبب ، الكتابة ، فقال لها : أنا فقط كنت انتظر حبيبتي جينفر ، لكن انتظاري لم يكفي فخرجت للبحث عنها ولم أجدها و ظنوا أني مجنون فحبيبتي تتعذب في جحيم النسيان و لا تعلم أني انتظرها و لا زلت أكتب لها كل يوم لكنها لا تجيب عن رسائلي التي كتبها لها ، فذهب بعد أن قطف تلك الورود التي تفتحت للتو و دخل غرفته ، استغربت لأنها أيضاً كانت ترسل رسائل للمجهول و ظلت جالسة هناك بشعرها البني و عيناها الكبيرتان بلون رمادي تفكر في قصته الغريبة تلك .

بعد أن ذهب لغرفته انتظر منتصف الليل ينظر إلى جدار نظرات ثاقبة تدل على الغرابة ، بعد أن نام الجميع استيقظ بعد أن خدع الممرضين بنومه وأخد يرسم في ذلك الحائط طوال الليل ، في الصباح كان صباح يحتله الغمام دال على المطر ، كان اليوم الذي يزور فيه الطبيب المرضى متفقد حالتهم إن كانت تتحسن أو تزداد سوئ ، كانت غرفته في أخر الرواق ، و عندما حان دوره دخل عليه الطبيب مصدوماً من الرسومات على الجدار و وقوفه أمام النافذة ملتصقة يداه بالنافذة محدق بالمطر كأنه يحدق في شيء غريب و لم يجرؤ الطبيب على تعكير هدوئه و عاد إلى مكتبه منشغل بالتفكير العميق في تلك الرسومات على حائط ، فقرر الطبيب أن يساعده في خياله و طلب أدوات للرسم و الوان و كلما يحتاجه رسام ليبدع.

في اليوم التالي عند الوقت الذي يخرج فيه المرضى للتسكع في حديقة دخل الطبيب الغرفة و وضع فيها كل المعدات التي اشتراها له و غادر ، بينما هو كان يتجول في الحديقة و يقطف كل ما يظهر له شيء يساعده على الرسم وجلس في كرسي و جاءت بجانبه تلك الفتاة الغريبة مجدداً و قالت له : ماذا تفعل بهذه النباتات الميتة ؟ أنت تقتل الطبيعة و تظلمها و تسرق جمالها ، أجابها : أنا أحاول أن أحيي بهذه الأشياء الميتة طبيعة داخلي مظلمة ، أريد أن أرسمها كلها.
و غادر بخطوات سريعة إلى غرفته فتجمد مكانه من تلك الأشياء التي أحضرها الطبيب ، ظن أنها هلوسات حتى لمسها و استوعب أنها حقيقية ، بعدها سقط أمام تلك الزهور التي قطفها من الحديقة يبكي و يلمسها و كأنها شيء كان يتنفس و تذكر كلام تلك الغريبة و أنهار يصرخ بعصيبة  و أخرجوه من غرفته بينما يداه كانت تشير إلى الحديقة ، ففهم الطبيب أنه يريد الخروج للحديقة ، و عندما تركه الممرضين بدأ يركض حتى سقط على ركبتيه محطم حزين يتكلم مع الأشجار و الورود و أخد يحفر بيده فدفن كل تلك الجثث في مقبرة صغيرة و عاد أدراجه و في كل أربع خطوات يلتفت للوراء و يحدق بمقبرته الصغيرة ، كان الكل يحدق عبر النوافذ و العبرات تذرف من أعينهم ، و دخل إلى مشفى حانياً رأسه محبطاً والكل يحدق به بعطف فقد حرك بداخلهم جزء من عواطفهم لم يسبق لهم الشعور به ، لقد تدوقوا طعم أخر للحياة.

دخل غرفته محطماً و جلس في سريره محدق بالحائط ، بعدها عندما حل الظلام أخد يرسم رسم مقبرة بألوان داكنة و خلفها زهور بأشكال مائلة إلى الحزن و الأسف ، طوال الليل و هو يرسم كأنه غائب عن الوعي تماماً و كأن روحه سكنت تلك اللوحة وأصبحت حية ، بعدها جلس محدق بصداع في رأسه لم يكن في الحسبان حتى سمع باب غرفته يفتح بصمت و اقترب بخوف هادئ فسمع صوت يناديه ، قادم من وراء الباب فوجد تلك الفتاة التي كانت تجلس معه في الحديقة فخطت نحو ممر يؤدي إلى درج ، تبعها متلفت ورائه خائف و حائر ، فنزلت الدرج ببطء حتى وصلا إلى مكان غريب به كثير من الغرف و سألها:  ما هذا المكان ؟ قالت : هنا يُعذب المرضى عندما يصلون إلى حالة جنون لا آمل فيها ، كنت ستُعذب هنا لو طالت حالتك جنوناً ، فأشعلت سيجارة و أخدت تدخن و تحكي له أنها تتسلل إلى هذا المكان دائماً لتدخن و أعطته سيجارة وأخد يدخنان و يتكلمان حتى دخلت غرفة من أحد الغرف و تبعها ليجد عدة لوحات مرسومة هناك فجلس يدخن مستغرباً و هي بدأت ترسم فسألها : من أين تأتين بالسجائر و هي ممنوعة هنا ؟
قالت : هناك شيء في هذا المشفى لن تطيق معرفته ، قالت : إن الطبيب يتحرش بالمرضى و يمارس معهم الجنس مقابل دواء نادر يجعلهم مهلوسين و يستغل خوفهم و يلبي طلب شهواتهم ، حتى جاء ذلك اليوم الذي أراد التحرش بي مقابل الدواء ، لكن عندما كان يعطيه للمرضى لاحظت أنه هناك شيء خاطئ ، لأنه كان في بعض زيارته المعتادة لتفقد حالة المرضى يقضي وقت طويل في بعض الغرف ، و تلك الغرف كان يتعمد عدم زيارتها في بعض أحيان كي يزداد جوع المريض للدواء الذي حكيت لك عنه و يستغله جنسياً ، أما أنا فكنت أخبئ الدواء و لا أستعمله ، و ارثه كثيراً من حبات ذاك الدواء ، و عندما تعمد عدم زيارتي لم يجبه صمتي و هدوئي لأنه كان يظن أني سأبيعه جسدي مقابل الدواء كما فعل مع مرضى آخرين و دخل علي الغرفة و وجدني هادئة ، فأخد يسألني كي يعرف لغز هدوئي و قال لي : إن ذاك دواء المسمى X6 تم قطعه بصفة نهائية ، لكن لم تتحرك في وجهي أي ملامح تدل على خوف أو جوع فخرج في حيرة. لماذا أنا بالذات لم أبدي أي ردة فعل لسماع خبره الزائف ؟

طلب تفتيش غرفتي شاكاً أني أخبئ الدواء فلم يجد شيء واستغرب و نسي أمري ، و سألها : كيف وجدت هذا المكان و كيف دخلت اليه ؟ قالت : في الحديقة هناك شجرة في أخر الحديقة بها حفرة كنت أتجول هناك و تعثرت رجلي بها و عندما دفعني الفضول لمعرفة ما بداخلها و جدت خريطة و عدة مفاتيح ، لكن تظاهرت كأن شيء لم يحدث لأن الممرضين دقيقو الملاحظة و خفت أن يأتوا لمكان الحفرة و يأخذوا تلك خريطة و تلك المفاتيح لأني كنت مصممة على الهرب لما يحدث في هذا المشفى من غرابة و الغاز ، بعدها بيومين أخدت معي الخريطة و أدخلتها الغرفة و فتحتها فوجدت أنها خريطة للمشفى ، لكن آثار جدلي جزء من خريطة لم يكن يظهر فيها المشفى ، عندما تبعت مسار محدد وجدت هذا المكان الذي قررت فيه الرسم ، فسألها : من أين لك هذه المعدات و الألوان ؟ قالت : وجدتها هناك ، أشارت لمكان هناك مقابل الغرفة التي يجلسون فيها التي وجدت فيها قصة آلمتها كثيرة لمريضة كانت محبوسة هناك و كانت ترسم لكن كل رسوماتها كانت مثيرة و مهووسة فأنتابه الفضول لمعرفة قصتها ، و قالت له : أذهب للغرفة و ستعرف كل شيء .

و دخل إلى تلك الغرفة فوجد الحائط كله مكتوب بلون أحمر لكنه داكن ومن رائحة المكان وجد أنها دماء ، فبدأ يقرأ  ويبكي لعمق ما كُتب في جدران تلك الغرفة ، يقرأ و يتخيل و ينتابه صداع كأنه يرى في مرآة أظهرت له أعماق لم يسبق له الوصول اليها ، فعاد بوجه مغمر بالدموع و الحزن و جلس يدخن فحضنته بعناق دافئ وبعدها قالت له : أنها خارج المشفى الآن لقد تم شفائها على حسب علمي ، لكن كل ذاك الحزن داخلها لا أظن أنه سيُشفى ، ستكون بكل الأحوال ميتة و لن تطيق لحظة في الواقع بعد أعوام من الوحدة في تلك الغرفة المظلمة.
عادوا إلى غرفهم قبل أن يستيقظ الممرضون و أخد هو يرسم كأن شيء لم يحدث كي لا يعرف أحد بأمرهم ،  في اليوم التالي رسم لوحتان الأولى عن تلك الفتاة ، فرسم حائط به ورود و فتاة مصلوبة عليه و أخرى رسم تلك الفتاة ، فدخل الطبيب عليه و أعجب باللوحتين وأخدهما قائلاً : سأخد كل لوحاتك كل يوم من أجل سلامتهم فقد تنفعل و تمزقهم والفن لا يُمزق ، قد تنفعل في أية لحظة حيث أن هناك دواء لن أسمح لنفسي بإعطائك أيام ، أنت تتأقلم و تُشفى بسرعة عكس المرضى الأخرين ، فتذكر سر هذا الدواء الذي كان يستغل به المرضى و فكر أنه إن منع الطبيب من أحد اللوحات سوف يعطيه هذا الدواء رغم عنه ، فقرر إعطائه كل اللوحات التي سيرسمها كل يوم ، في ليلة ذلك اليوم كالعادة التقى تلك الفتاة و حكى لها ما جرى ، و قالت له : إن كنت تود الرسم أرسم هنا لأنه يبيع لوحاتك كما فعل مع الفتاة التي حكيت لك عنها ، باع أزيد من 200 لوحة دون التي أخدها لمنزله ، وقاطعها نعم قرأت هذا في قصة على حائط وأيضاً قرأت عن اللوحة التي كانت السبب في زواجه ، نعم صحيح أعطاها لزوجته قبل الزواج مما طلبت منه الزواج فور رؤيتها للوحة لما تحمل من عذاب وحب و حرية.

أشتهر كثيراً و أعد معارض و لقاءات مع فنانين كبار ، فقرر أن يرسم معها محافظ على لوحاته كما فكر في رسم لوحات غير مكتملة لكنها تظهر مكتملة محافظة على فنه و انتقام من الطبيب فظل شهور يرسم و يبيع الطبيبة لوحاته بينما يرسم معها و هي أيضاً ترسم لمدة عام ، رسموا 450 لوحة و 300 لوحة التي أعطيت للطبيب ليبيعها بعد ذلك ، فكروا في الهرب بعدما سمعوا الطبيب يهاتف أحد العائلات يقول لهم : إن أبنهم أو أبنتهم لم يشفى بعد و تزداد حالته سوئ ، لذى استنتجوا أنهم سوف يظلون هنا حتى يموتون ، و فكروا في الهرب في يوم ، في ساعة التجول اخرجوا معهم أدوات الرسم و الصباغة ليرسموا لكن بالضبط فوق الحفرة التي وجدت فيها الفتاة المفاتيح و اخذوا يحفرون فيها ليجدوا رسالة مدفونة في عمق الحفرة و أخدوها حتى الليل ليقرئوها ، تعمدوا رسم المشفى كي يتأخروا في رسم اللوحة وأثارة أعجاب الطبيب كي ينسى أمرهم ولم تعد الحراسة تأبه لهم بل زاد لطفهم و تعامل معهم كأشخاص عاديين ، ثم التقوا في تلك الليلة في مكانهم المحبوب و قرأوا الرسالة التي كُتب فيها :

الى من يقرأ هذه الرسالة غير الأرواح التي ستسكنها و الديدان التي ستسعى إليها ، لقد ذقت مرارة العذاب مع طبيب ، لقد اغتصبني و كان بإمكاني الهرب لكن فكرت في المرضى الذين سيأتون ورائي لهذا الجحيم ، لقد صعقوني حتى صرخت و احمرت عيني ، لهذا رسمت لهم كي يرحموني ، أعطيتهم شيء من كآبتي و حزني في لوحات قاموا ببيعها ، لقد باعوا الشظايا التي بقت مني فلم أعد إلا جسد لا فائدة منه ، إن كنت تقرأ هذه الرسالة فأنت محظوظ ، لقد أرهقت نفسي من أجل هذه الرسالة ، حفرت نفق تحت في المكان الذي في الخريطة أعلاه ، إنه جحيم لكن يحمل نفق يؤدي إلى الضوء ، إلى الحياة ، إلى الهواء ، كم هي جميلة هذه الورود التي رايتها في أخر النفق ، لكن لم اتجرا على الهرب مفكرة في أجساد أخرى ، تلك الفتيات الصغيرات التي ستغتصبن دون وعي ، فضحيت بكل شيء من أجلهم و رسمت من أجلهم.
وتُركت في أخر الرسالة رمز غريب سكن عقله ، و اخذوا يبحثون بعد بكاء كثيراً تأثراً برسالته فوجدوا النفق و نزلوا إليه بحبل و تمشوا معه حتى أخره لتتلقي عيونهم بمنظر حرك فيهم الحياة داخلهم.

قالت له : سأجلب لوحاتنا و نذهب ، انتظرها وذهبت هي لكنها تأخرت فحزن حزن شديد فوقف محبط ليذهب فاقد الأمل في مجيئها حتى أتت فجرى نحوها و عانقها بقوة و حملوا لوحاتهم و ذهبوا حتى وصلوا إلى طريق طويلة منتظرين شخص يقلهم للمدينة قبل بزوغ الفجر ، فأقلهم شخص حتى مدينة مقابل لوحة واحدة فوافقوا وصلوا إلى المدينة حتى وقفوا على جسر واحد مقابل أخر ، قالت : ماذا الآن ، هل نودع بعضنا أم ماذا ؟ وعيناها تذرف الدموع بينما هو واقف دون إظهار أي حزن قائلاً : هنا تنتهي قصتنا لكن لن انسى أبداً هذا دائماً ، قالت : ماذا ستفعل ؟.

- سأذهب لعرض لواحاتي .

- أنت ؟.

- أنا أيضاً ، أذن الوداع ، فاستدارت و ذهبت و ذهب هو أيضاً لكن أرواحهم ظلت ممسكة بأياديها باشتياق ، فوصل للمدينة كأنه شخص أتى من زمن أخر بشعره الطويل و لحيته ولباسه الغريب الذي وجده في القمامة فنام في الشارع لأسابيع بأعين مفتوحة مصدومة بعيدة عن كل شيء ، حتى جاء اليوم الذي أخد لوحتين من لوحاته ليبيعها بعدما قرأ في إعلان عن مدرسة للرسم ستُفتح أبوابها ، أختار لوحتين وذهب في اليوم التالي و دخل المدرسة و الكل يحدق به ، البعض خاف من غرابته ولباسه ، المظاهر لا تخدع الفنانين ، ودخل إلى المكتب ليبحث عن من يشتري لوحتيه ، فأرسلته موظفة إلى مكتب المدير متأثرة بحالته ، دخل دون أن يطرق الباب ، فوجد المدير يدخن ، دون قول كلمة أعطاه اللوحتين ، عندما امسك المدير اللوحات اندهش في حيرة كأنه سافر في عالم من الألوان ، فقال له المدير : هل أنت من رسم هذا ؟.

- نعم ، أنا.

- متى ؟

- قبل أعوام.

هذه اللوحات رغم قدمها تدل على موهبتك ، أنت مرحب بك للدراسة هنا و سنكون فخورون بك.

- أريد بيع هذه اللوحتين.

تغيرت نظرات المدير وسأله : بكم ؟

قال : لا أعلم ، لا استطيع تقدير ثمن أحاسيسي.

أعطاه المدير بعض أوراق و التي لم يعرف مقدارها.

خرج و أوقفه سؤال من المدير : هل لديك لوحات أخرى ؟.

- نعم الكثير من اللوحات .

قال : خد هذا الرقم سيساعدك كثيراً.

ذهب للبحث عن شقة صغيرة للإيجار فوجد شقة مناسبة للعيش و الرسم و النوم بعيدة عن ضجيج السيارات و في حي هادئ ، دفع ثمنها و عاد ليأخذ لوحاته ، لكنه وجد شخص يجلس بالقرب منها و كأنه يحاول سرقتها ، اقترب منه ليأخذ لوحاته وسأله هل : هي تخصك ؟ أعني اللوحات .

- نعم إنها ، لي استأجرت شقة و ساخدها معي.

انصدمت عيون ذلك الغريب ، كيف لأنسان يشعر بهذا العذاب كله لأنه رأى معظم اللوحات و أراد سرقتها ؟ لكنه تراجع وانتظر حتى يأتي صاحبها .

فقال له ذلك الغريب:  لقد حركت في داخلي لوحاتك شيء ، غيرت نظرتي للحياة ، أنت فنان يا صديقي حقاً فنان ، اغرورقت عيون الغريب بالدموع

سأله : أي لوحة آثرت فيك ؟.  

أشار إلى لوحة بها الوان غامقة و حزينة

، فأعطاه اللوحة و ذهب ، ظل ذلك الغريب في دهشة بعدها ادخل اللوحات إلى الشقة و أخد يفكر في الاتصال بالرقم الذي أعطاه إياه المدير لأن كل ماله كان قد دفعه للإيجار ، بعدها خرج وأتصل بالرقم من هاتف عمومي وسأله إن كان يريد شراء لوحات ، فحددوا موعد في حديقة عامة ثم عاد إلى شقته و جلس يدخن و يفكر في الفتاة التي كان معها في المشفى أين هي ، هل وجدت من يشتري لوحاتها ؟ فغمر يده في جيبه من البرد و كانت ليلة باردة لأن شقته بها فراش عادي فتلمست يداه بورقة أخرجها من جيبه و وجد أنها رسالة الفتاة التي أنقذته هو و الفتاة التي هربت معه ، لكن ما أثار حيرته رمز في أخر الرسالة الذي ظل يسكن بين أفكاره ، في الصباح ذهب للقاء ذلك الشخص الذي سيشتري منه اللوحات ، أخد معه ست لوحات وذهب ، وصل إلى موعد اللقاء فوجده جالس وسأله هل أنت ؟ ...

- نعم ، مرحباً.

- مرحباً.

أجلس ، عادةً ما تصلني مكالمة من مجهول و أصدقها لكن مكالمتك كانت جدية.

حسناً ،هذه هي اللوحات.

أخدها وتفحصها و أعجبته : كم ثمنها أيها الغريب ؟

- أنا لا أعرف ثمن أحاسيسي ، أنا فقط أرسمها.

ضحك الرجل ضحكة دالة على الغدر و النصب وقال له : سأعطيك 50 دولار للوحة ، هل هذا عادل ؟.

أعطاه 300 دولار و ذهب محدداً معه موعد الأسبوع المقبل أن يأتيه بست لوحات أخرى فوافق ، و ذهب كل منهم إلى طريقة ، هو ذهب إلى المتجر لشراء الأدوات التي سيحتاجها للرسم و بعض الطعام و السجائر ، لكن كأنه نسي شيء كان يحبه أنه الخمر فأشترى الكثير من الخمر و النبيذ و البيرة و ذهب للشقة و أخد يدخن و يسكر حتى قارب من الثمالة و خرج للتسكع حتى الصباح ، وجد نفسه نائماً في كرسي عام و عاد لشقته و بدأ يرسم حتى الثانية بعد الظهر ونام حتى الليل و أخد يسكر مجدداً و يدخن ، شعر بالوحدة القاتلة و ظل هكذا أسبوع حتى التقى ذلك الشخص مجدداً ، لكن هذه المرة عقد معه اتفاق أن يذهب معه إلى شقته و يبيع له كل اللوحات دفعة واحدة ، فوافق الشخص على فكرته في سعادة لأنه سيصبح ثرياً لأنه كان يبيع لوحاته كأنها ملكه وقد صدقه الجميع و تأثروا به .

مر أسبوع و كان طوال الأسبوع يرسم و يرسم لوحة استغرق فيها أسبوع ، أكبر لوحة سُترسم في عصره ، رسمها هو و انتهى منها قبل يوم من اللقاء و بعدها أخد عشرين لوحة من لوحاته لن يبيعها لأنه رسمها من اجل شيء ما ، ظل الليل كله يدخن منتظراً الغد لكي يبيع لوحات و يأخذ المال من أجل الكحول حتى أشرقت الشمس و اتصل به و أعطاه العنوان ، و جاء الشخص متحمساً بسيارته المتواضعة و دخل الشقة و انصدم من اللوحة في جدار التي كان يرسمها لمدة أسبوع و قال له : سأشتري هذه أيضاً ، و جلسا يحتسيان الخمر و يدخنان و أتفاقا على ثمن اللوحات و أعطاه النقود كلها وأمسكها دون أن يعدها ، وبعدها أخد الشخص كل اللوحات بما فيها اللوحة الكبيرة و ذهب إلى منزله.

و هو خرج لشراء الكثير من النبيذ و السجائر والطعام و علق في الجدار لوحاته المتبقية و كل يوم يحدق بها و يسكر ، مرت ثمانية أعوام من الثمالة و الوحدة حتى أنه لم يرسم فيها شيء غير لوحات كان يبيعها من أجل الخمر فقط ، كان صديق الليل و لم يكن يخرج صباحاً فيظل نائماً حتى الليل و ينتهي به الأمر في حانة بعد ذلك انتهى ماله حتى أنه لم يعد لديه الوان كي يرسم ، فقرر الخروج صباحاً كي يجد حل لمشكلته و أخد يتسكع و الناس تحدق به كأنه شخص غريب عن كوكب الأرض ، لكنه كان يمشي بدون أن يرى الناس ، لم يكن يراهم فهو ينظر عله يجد شيء به الوان فقط ، حتى وقعت عيناه على ملصقات حائطية في جدار معروف في المدينة ليجد أحد لوحاته مصورة فوق مقال كتب عليه الفنان المعجزة الذي أثر في ملايين الناس ، فنان جاء في آلة زمن ليغير معنى الجمال ، ستُعرض لوحاته في معرض دولي يوم 4 في شهر أغسطس حيث سيأتي الناس من كل أنحاء العالم لهذا الفنان المعجزة ، لم يبدي أي ردة فعل و ذهب يبحث عن الوان كي يرسم لوحات  ليدفع الإيجار و شراء خمر ، فوجد عامل بناء لديه صباغ و طلب منه القليل من الألوان ، لكن البنّاء سأله : ماذا تريد أن تفعل بها ؟.

قال له : سأرسم بها بعض اللوحات.

قال له : الفن قليل هذه الأيام و قليل من بات يرسم.

أجابه هو : إنه فن مات للأسف و أنا أدفنه فقط.

فضحك البناء مستغرباً.

فذهب هو إلى شقته و رسم ثلاث لوحات باعها لأحد الأشخاص بثمن رخيص فقط ليشتري الخمر و حتى الإيجار لم يعد يفكر به أخد يثمل بينما حل الليل ، خرج يتسكع بين الحانة حتى طرد من كل الحانات التي كان يقضي فيها ليله الوحشي الوحيد ، حل الصباح و استيقظ مجدداً ليجد نفسه في كرسي عام فأخد يمشي حتى وقعت عينه على حشد من الناس مر من جانبهم ممسك رأسه تجنباً لصراخهم و كلامهم حتى وصل إلى شقته و فكر أن لديه بعض البقشيش فذهب دون أن يفكر حتى فوجد نفسه أمام باب المعرض الذي سيعرض لوحاته ، وجد صعوبة في الدخول لولى أحد الحضور الذي ادخله ، أخد يتسكع بين لوحاته و شعر أنه في مكان يخصه في عالمه ، في أعماقه ، حتى وقف أمام لوحته الكبيرة ، لكن أتعلمون ما الغريب في الأمر! أنه وجد لوحاته بتوقيع أخر ، أي أنها تظهر أنها ليس له ، فحزن و بدأ يلمس وجها في لوحة حتى صرخ عليه حارس : هيه ، ممنوع اللمس.

قال في نفسه : هل تمنعون أنسان من لمس أحاسيسه التي سُرقت ؟.

لكن الصدمة كنت هنا ، لقد وجد قسم من اللوحات يحمل الرمز الذي يوجد في الرسالة ، سقط على ركبتيه محدقاً في لوحة تشبه قبو المشفى فوقف مجدداً كي لا يثير الجدل ،لكنه ظل محدقاً بتلك اللوحة حتى سمع كلام من وراء يقترب إليه .

- من هذا الغريب ؟ يجب أن أتفقده قبل أن تقع كارثة ، سمع خطوات قادمة من وراء ظهره لتقف

- هيه ، لقد اطلت النظر في هذه اللوحة ، هل أعجبتك ؟و

- إنها لوحة حية.

اندهشت الفتاة ورائه لأنها لم تنتظر سماع وصفه حتى أنه لم يسبق لأحد أن قال عن لوحتها حية.

سألها : هل أنتِ من رسمت هذه اللوحة ؟.

- نعم أنا ، إنها لوحة قديمة .

- أشعر أني عشت في هذه اللوحة و كأن روحي عاشت فيها.

استغربت وقالت : كيف عاشت فيها ؟ استدار و أعطاها الرسالة و ذهب.

عندما أمسكت الرسالة وفتحتها سقطت ترتعش و تصرخ و تنظر نظرات مصدومة .

خرج من المعرض و تبعته بخطوات سريعة من وراء حتى استدار و وجد أنها هي صاحبة الرسالة ، فطلبت منه الذهاب معها إلى حانة أو أي مكان للحديث معه ، فوافق على الحانة و ذهبوا في سيارة فاخرة إلى الحانة و أخدا يتكلمان عن الأمر ، حكى لها كل شيء إلا أمر اللوحات فتأثرت به و طلبت منه المكوث في منزلها الخالي لأنها انتقلت إلى منزل زوجها.

قالت له : اترى تلك اللوحات التي عرضت للتو إنها لزوجي ، هو أيضاً رسام يسمونه بالفنان المعجزة ، عبرت عن حبها له بوصفها اللوحات التي قالت : أنها تشعر بها و بما مرت به من صعوبات الحياة.

بعدها أخد يشرب و يفكر في لوحاته التي تُنسب لشخص لم يرسمها بل إنه لم يعرف الشعور الذي رسمت به تلك اللوحات ، لكنه يفكر في شيء مجنون ، التفت نحوه بعد أن تاه قليلاً في التفكير و سألته هل تعمل أو ماذا تفعل في الحياة ؟

- أنا فقط أشرب الخمر كل ليلة .

- مستحيل ! و كيف انتهى بك الأمر في المعرض بوصفك الذي لم أسمعه حتى من الفنانين ، هل تعرفني ؟ اشعر كأنك تخبئ شيء عني .

تظاهر أنه لا يعرف شيء لكن أنبه ضميره وابتسم ابتسامة غريبة كأنه عاد للحياة مجدداً فلم يكن يأبه لحياته أو نفسه منذ بدأ شرب الكحوليات و غادر الحانة و أعطته عنوان شقتها كي يقطن فيها لكنه غيّر رأيه و قال لها : أسف لن أستطيع المكوث في شقتك ، أني لا أحب التطفل أو الاعتماد على أحد و ألفت أن أقاتل هذا الواقع المر وحدي ، فركبت سيارتها دون أن تودعه و ذهبت ، لكنها لم تتوقف عن التفكير فيه ، كانت تشعر أن هناك شيء ما خاطئ فقررت العودة إليه و طلب السماح منه كي تعرف ما الذي يخبئه ، و عادت و كان يفتح باب التاكسي و تعقبته عن كثب حتى وصل لشقته و عادت لمنزلها في حيرة من أمرها .

في الصباح ذهبت إلى شقته و سألت عن صاحب الشقة و دفعت إيجار الشقة لشهرين و طلبت من صاحبها أن لا يبوح بأمرها ويختلق كذبة عليه وغادرت بعدها ، استيقظ من نوم عميق و فكر أن اليوم هو اليوم الذي سيعود فيه للشارع لأن ماله كله أنفقه في الخمر و ذهب إلى صاحب الشقة ، طرق الباب و خرج صاحب الشقة فقال له : أعرف إنه  اليوم الأخير لي ، هل استطيع المكوث حتى الغد فقط لأجد مكان أنقل إليه أغراضي ؟ فأجابه : لا تتعب نفسك ، سأعقد معك اتفاق ، ارسم لي لوحتان و امكث شهراً كاملاً ، لم يرد أن يستغله لكن أراد أن يشجعه على الرسم لأنه كان يعلم بأمر بيعه اللوحات و العيش بالطريقة التي يريدها ، أحبه و طريقته في العيش ، فوافق على أن يرسم له لوحتان بشرط أن يعطيه مال لشراء بعض الألوان و اللوازم الذي يحتاجها و أعطاه دون تردد.
و بعدها ذهب و اشترى أرخص الأشياء التي يحتاجها موفراً بعضال مال للخمر و عاد لشقته ورسم أمرأة صاحب الشقة بطريقة غريبة ، رسمها بلون أبيض و لها أجنحة في جنة من الورود ، واللوحة الثانية كانت الصورة لصاحب الشقة متقنة الملامح يحمل في يده وردة حمراء لها أجنحة ، لكن كانت اللوحتان لوحة واحدة رغم أنهما كل واحدة على حده و أخد يثمل حتى منتصف الليل بعد انتهاء الرسم في المساء و ذهب يطرق باب صاحب الشقة وأعطاه اللوحتين وقال له : هل يمكن أن اعلقهما على الجدار؟ فوافق و دخل و علقهما بطريقة غريبة تجعلك تظن أنها لوحة واحدة و في نفس الوقت ترى أن كل لوحة وحدها ، و ترك صاحب المنزل في عناق مع زوجته عناق دافئ مليء بالحب بعدما فاجئها بلوحتين و ذهب لينام مباشرة نوم عميق بعد شعوره بالتعب وتفكيره في الغد البعيد.

مرت ليلة هادئة في الصباح و أتت زوجة صاحب المعرض الفنان المعجزة لصاحب الشقة لتطرح عليه بعض الأسئلة عنه و استقبالها بلطافة وجلسا يتحدثان وسألته عن ما يفعله و كيف هي حياته لتقع نظراتها على تلك اللوحة و تقف بدهشة أمامها بنظرات و تسأله من رسم هذه اللوحتين ، أهما للبيع ؟ سأعطيك أي مبلغ تريده ، و بدأ صاحب المنزل يضحك و قال لها : هذه هي حياته.

- كيف ، لم أفهم قصدك ؟.

منذ أن استأجر تلك الشقة و هو  يرسم و يثمل وحيداً.

اندهشت و خرجت من شقة صاحب المنزل حائرة و ترددت للذهاب اليه فقط لتسأله لماذا أخفى الأمر عنها ؟ و عادت لمنزلها حزينة تائهة في الأفكار وفوضى عارمة .

أغرمت به لأنه الوحيد الذي سيفهم لوحاته لأنه وجد رسالتها في المشفى و عرف مأساتها و معاناتها.

استيقظ و جلس يدخن و يفكر في الرسم من أجل أن يثمل لكنه تراجع عندما تسربت له فكرة أيقظت فيه ماضي بعيد ، فقرر أن يكتب مجدداً فذهب لصاحب الشقة و اقترض بعض النقود من أجل لوحة كبيرة و ذهب مسرعاً لشراء آلة كتابة و عاد إلى المنزل بأوراق و دخل ، أغلق كل نوافذ و جلس أمام آلة الكتابة ، وضع يده على الحروف و كأنه لمس جزء منه ، أخدت يداه تتحرك و الكلمات تكتب ، أسبوع من الكتابة و الكتابة حتى صاحب الشقة ظن أنه مات أو حدث له مكروه ، فكان يزوره كل مساء و  يجلب له الطعام و يسأله عن اللوحة ، فقال له : إن ستنتهي في أخر الأسبوع ، حتى انتهى أسبوع وجلس أمام كتلة من الأوراق كلها كلمات ، و انصدم بنفسه و شعر بسعادة لعودته للكتابة لكنه كان هذا أخر شيء سيكتبه لأنه قرر أن ينهي حياته رغم ذلك كان سعيداً بأنه قرر إنهاء حياته فقد عاش مخلف ورائه شيء جميل تلك اللوحات المعجزة ، وذهب لينشر كتابه و دخل دار النشر و انتظر مطولاً ليلتقي المدير و يتحدث معه عن الرواية التي كتبها التي تحكي حياته كلها بالتفصيل.

حان دوره و دخل إلى مكتب المدير و وضع روايته فوق المكتب ، كان أسمها ألوان حزينة ، و عندما رأى المدير حجمها قال : سنستغرق وقت طويل كي نعرف أن كانت روايتك ستُنشر ، و عندما أزاحها المدير باتجاهه صُدم للاسم و وقف يرحب به ، إنه لأشرف لي أن تنشر روايتك في مطبعتي ، هو اندهش ، و بعدها قال له المدير : لقد أترت بي بقصائدك التي نُشرت بواسطة أختك ، لقد أثرت ضجة بقصصك العميقة و غيرت الكثير في حياة الناس ، و جلب له ديوان و كتاب من القصص الصغيرة التي تحمل أسمه ، لم يستوعب شيء لأنه لم يكن ينتظر يوماً أن قصصه و قصائده ستُنشر و تثير كل تلك الفوضى في العالم ، لم يعجبه الأمر فهو لم يكن يبحث عن الشهرة و لم يكن يهمه الأمر ، كان يريد المغادرة لكن قنينة الويسكي التي جلبها المدير أوقفته و ظل يشرب معه حتى ثمل وظل يتحدثان لكنه لم يعطيه أي شيء قد يفيده عن حياته  و ذهب بعدما ، قال له المدير : غداً سنبدأ بالعمل على روايتك و ستُنشر في أقرب وقت ، و ذهب إلى شقته ليجد زوجة الفنان المعجزة جالسة على عتبة الباب ، كان في أشد حالات السكر لأنه قرر في تلك الليلة إنهاء كل شيء ، و أدخلها إلى الشقة و جلسا يشربان النبيذ و هي حزينة تنظر إليه ، لم يتحدثا أبداً حتى مرت ساعة ، و سألته : هل نستطيع الحديث ؟ .

- بالطبع ، قد ننام إن لم نتحدث الأن .

- لكن أريد معرفة الحقيقة ، أريد حديث جدي.

حسناً ، لكن لن أتحمل المسؤولية بعد الحديث.

- لا يهمك ، فقط أريد حقيقة ما يجري هنا.

- لن تتحملي تلك الحقيقة ، لكن انتظري ، ذهب و حمل لوحاته المخبئة و سألها : هل يمكنها الدخول للمعرض ليلاً ؟ أجابت نعم ، أشار للوحاته وقال أنها السر والحقيقة التي تودين معرفتها ، استغربت و قالت : لماذا لا نذهب الآن ؟ قال : لا أطيق الناس ولا أريد أن يعرفوا بأمري لأن هذا يعنيك وحدك ، و ظلا جالسين يحتسيان النبيذ حتى المساء ، خرجا من الشقة و ركبا سيارتها و تجها نحو المعرض ، ساعة ولم يصلا بعد وهي ظلت تحدق به بينما هو كان يحتسي البيرة و ينظر عبر النافذة نظرات وداع ، كأنها عرفت أنه سيقبل على إنهاء كل شيء ، و وصلا للمعرض و تكلمت مع الحارس وادخلهم.
بعدها قالت : أريني ما يحدث ؟ قال : أحتاج لسلم ، طلبت من حارس سلم و جلب لها سلم من القبو و عادت به إليه ، فطلب منها الذهاب و الانتظار بعيداً حتى يكمل ما يود فعله ، ونفذت طلبه ، فأخد يعلق لوحاته في جميع الأرجاء لتكتمل كل لوحة وتصبح لوحة كبيرة حتى هو استغرب لهذا ، لكنه كان سعيداً لأنه أخيراً أكمل كل لوحة كما يجب أن تكون ، و ناداها : هيه ، أنتِ ، تعالي ، أتت بسرعة و قال : هذه هي الحقيقة التي تريدين معرفتها ، فبدأت تحدق غير مصدقة ما يحدث في اللوحات التي تغيرت بكاملها ، فسقطت على ركبتيها و انهارت مغمى عليها بعد صرخة قوية ، و دخل الحارس فزع من تلك الصرخة وسأله : ماذا حدث لها ؟ وقال له : لقد أرادت أن تعرف ما يجري و عبرت لها بطريقتي عما أرادت أن تعرفه ، و سقط ثمل وهو يتلفظ تلك الكلمات ، و طلب الحارس سيارة إسعاف لنقلها ، و نقلا بعدما ، أقترب أحد منه و وجده يحتضر و قلبه ينبض ببطء ، و صرخ : أحمل معي هذا أيضاً حالته خطرة ، و نقلوهما إلى المشفى،  يوم كامل وهما في غيبوبة و موشكة على الموت في غرفة واحدة في العناية المركزة ، بعدها استفاق هو لكن ليس بجسده بل روحه فقط ، أخد يتسكع في الغرفة طائراً ، استغرب لكنه شعر بحب قوي و راحة ولم يخف أبداً.

كان يرى جسده حتى انبثق ضوء مشع ، نور من عالم أخر وسمع ضجيج ، حتى ظهر له أطباء ينعشون جسده ، لقد فقدناه أحضر كذا و كذا ، و بدأ ينظر و يقول : ماذا يفعلون ؟ أني ذاهب نحو الخلاص ، أيريدون أن يعيدونني إلى ذاك الجسد المحتضر مرة أخرى ؟ حتى لفت نظره تلك الفتاة بجانبه التي حركت بداخله شيء من الحياة و عاد إلى جسده ، و فرح الأطباء الذين ظنوا أنهم أنقدوه ، و قال لهم : أنتم لم تنقدوني ، أنا من أنقدت نفسي من أجلها ، كفاها عذاباً ، و أنت ، أشار إلى الطبيب الآخر و قال له : لماذا ترددت عندما أردت أن تصعقني كي تنعش جسدي ؟ رأيت كيف كنت تنظر إليها ، وانصدم الطبيب في حيرة من نفسه مستغرباً و بعدها ذهب الكل ، و جاءت ممرضة في المساء لتفقد حالته و قالت : كيف حال كاتبنا السكير ؟ أجابها : يبدو أنه يحتضر ، لكن أرادوا أن يعيدوه إلى الحياة ليتعذب مرةً أخرى ، وقالت : لقد انقدوا حياتك لأنك تغدي أرواحهم بكلماتك العميقة المجنونة ، و ابتسمت و ذهبت ، نام الليل حتى حل الصباح و استيقظ من الكومة و كأنها استيقظت من كابوس و استدعت ممرضة كان بينهم ستار لا يمكن لأحد رؤية الآخر و قالت لها : إن حالتها تستقر ، و صرخت : أنا لا آبه لهذا ، أين هو ؟ و قالت : زوجك ، إنه هناك ، و قاطعتها : ليس زوجي ، إنه إلهي ، أنه ... ، و ذهبت الممرضة و أتت عنده وقال لها : الألهة لا تسكر ، و تجاهلت كلامه و قالت له : غداً سنخرج و سوف تبدأ حياة جديدة ، ستصبح الشخص الذي يجب أن يعرفه الناس أنه ليس أنسان ، و سيعرف الكل عنك غداً سيكون يوم حظك ، ظل نائماً اليوم كله و خرجت هي من المشفى في صباح اليوم التالي لتجد كمية من الصحافيين يسألون عنه.
تجاهلت أسئلتهم و بعدها استقالت سيارة أجرة و ذهبت لتسمع في المذياع رسامة زوجة فنان المعجزة تخونه مع أعمق كاتب في عصره بعد تأثرها بكلماته ، انصدمت و ذهبت مباشرةً إلى مدير المعرض و مدير أعمالها و حكت له ما حدث ، بعد أقل من يوم عرف العالم حقيقة الفنان المعجزة و طلبت طلاقها منه أمام الملاء و عادت بعد يومين لتجده أنه أختفى كلياً ، و غادرت المشفى بسرعة إلى شقته فوجدت الشقة فارغة ، و سألت صاحب الشقة و قال لها : إنه قال له : أنه سيمضي إلى النهاية ، فهرعت تبحث عنه ، حتى سمعت خبر أن شخصاً ما يوشك على الانتحار في جسر أخر المدينة من مذياع في سيارتها ، و شغلت محرك السيارة و هي تبكي و انطلقت نحو جسر المدينة بسرعة تفوق قدرة السيارة ، و وصلت لتجد الشرطة واقفة هناك و كثير من الصحفيين و هو جالس في أعلى الجسر يبدو أنه يشرب شيء ما ، و صرخت : هيه أنت ، أنزل إلى هنا.
فنظر إليها مصدوماً و التفت مجدداً إلى الأمام و أخد يكتب شيئاً في ورقة و أعطاها إياها و عندما فتحت الورقة وجدت فيها " أطلبي من الشرطة إخلاء مكان كله إن أرادوا  أن أنزل من هنا ، و أعطتها للضابط ، و تم أخلاء المكان بكامله حتى حل المساء ، و خاطب نفسه قائلاً : ما بال هؤلاء الأغبياء بكاميراتهم و أسئلتهم الدرامية الخداعة ، ألم يجدوا ما يتحدثون عليه غيري ؟ إن هناك مرضى و فقراء و إجرام و ظلم ، فأنا فقط أريد إنهاء حياتي ، و هؤلاء الضباط ألا يرون أن كل يوم تموت أعداد من الأرواح دون علمهم والآن يهتمون بي لأني أريد قتل نفسي ، تباً ما هذا العبث ؟ و نزل إلى الأسفل بعدما اشفق عليها لحزنها ، و ركضت نحوه بعناق طويل ، هامست في أذنه : أيها المريض السكير ، أتريد إنهاء حياتك هكذا بهذه طريقة البسيطة ؟ لو اشتريت مسدس لكان أمراً سريعاً ، و قال لها : أريد الطيران ، أريد أن أحلق

حلق ، و غطيني بأجنحتك الكئيبة .

- لا ، أنت صدقتي فكرة تغيير حياتك و تغيرت

أما أنا لم أصدقها و لن أستمر في الحياة.

و تراجعت عنه و قالت : أحقاً هذه النهاية ؟

- إنها نهايتي ، لقد تعبت كثيراً.

- لك ما تريد ، أه لم أخبرك ، لقد طلبت الطلاق من زوجي و الكل علم بأمر اللوحات.

- لماذا الطلاق ؟ ، فلم يفعل زوجك ذلك عمداً ، كان يحبك وطمح أن يحصل على حبك بأية طريقة.

- أنا أحبك.

- لم يعد في داخلي متسع للحياة الثقيلة هذه.

تغيرت ملامحها و أغرورقت عيناها و قالت له : فقط أردت أن تعرف أني أحبك.

لم يتأثر و كأنه شخص ميت ، و بدأت تضرب صدره و تقول : أنت تعرف كل العناء و الكآبة التي مررت بها في ذلك المشفى وستتركني هكذا ، أنت بلا روح تباً لك تباً ، و بدأت تصرخ و هدئت و قالت له : أنا أسفه أحياناً أنفعل و أفقد السيطرة ، و قالت له : ستكون نهايتك ذكرى ستظل تحييها تلك اللوحات كل يوم ، لن أنساك أبداً ، الوداع أيها الغريب المية.

و ذهبت بينما ظل واقف و صعد إلى الجسر متأملاً السماء و يحتسي النبيذ حتى قارب الفجر ، و بعد أن أشع شعاع السماء الدال على الصباح أشعل سيجارة و دخن ، بعدها سقط وحده كطائر يحلق للمرة الأولى ، و الشرطة تصرخ : لا لا لا .

صنع نهايته وخلّص نفسه من كل ذكرياته الكئيبة ، بعدها وجدوا جثته في قاع الوادي تحت الجسر و دفنوه في مقبرة معروفة في المدينة ، ظلت تزوره كل أسبوع حتى ماتت بعده بعامين جراء إدمانها للكحول.

النهاية....

تاريخ النشر : 2018-11-13

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل

التعليق مغلق لهذا الموضوع.