الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

قاعة السينما المسكونة 2

بقلم : محمد الشريف العلاوي - الجزائر
للتواصل : [email protected];fr

خُيّل إلي أني لو كنت أخذت القطعة مكانه لصرت إلى ما صار اليه
خُيّل إلي أني لو كنت أخذت القطعة مكانه لصرت إلى ما صار اليه

طلبت من السيد "ب ل" أن يُكمل سرد قصته الغريبة ، فقال :
أنني تحاشيت أن أنظر إلى جموع المتفرجين وهي تغادر القاعة لا لشيء سوى أني كنت لا أريد أن أرى مرة أخرى تلك العيون الغريبة وتلك النظرات القاتلة ، وقد طلبت من صديقي بعدها بأن لا يتأخر عن عمله كالعادة و أن لا يحرجني بأن أبيع التذاكر خلال مماطلته ، فقلت له " نعم ، و لكن ما الذي حدث لصديقك القابض ، هل رأى ذلك الشخص الغريب ؟.

فتبسم ثم قال " لا ، أبداً لم يقابله ، بل ذلك الشخص لم يعد مرة أخرى ، ولكن الغريب بالأمر هي تلك القطعة النقدية التي استبدلها صديقي .
فقلت مستغربا "القطعة النقدية أم الشخص الغريب ؟.
فقال صديقي " بل القطعة التي فعلت الأعاجيب".
بعد مرور حوالي شهرين لأحظت فرقاً جذرياً في تصرفات وسلوكيات صديقي إذ كان دائماً يأتي إلى العمل مبتسماً و رائحة العطور الثمينة تنبعث من ذاته فتملاء مدخل الباب الكبير وكشك بيع التذاكر و أحياناً كنت أباغته فى الكشك فأجده يغني و ينقر على الطاولة.
فقلت مقاطعاً "هل أُصيب بجنون ؟ ".
فقال ضاحكا " لا ، بل أصبح ثرياً ".
قلت مندهشاً "ماذا ، ثرياً و كيف ؟.
فقال " أصبر".

و بدأ القابض يرتدي بدلة في الزوال وبدلة في المساء ، وكان أحياناً يقول بجد " اذا كنت بحاجة إلى بعض المال فسأقرضك و سدد كما تشاء و وقتما تشاء".
فكنت أجيب باستغراب و مازحاً "هل أنت جاد ؟ ".
فكان يقول "نعم".

ثم سمعت ذات يوم بأن الإدارة تعمل على ترقيته وسمعت من مصدر موثوق بأنه بدأ يبحث عن سيارة ليقتنيها .
وضربت الأخماس في الأسداس ولم أفهم شيئاً ،
ما سر هذا الانقلاب الكبير ؟ أي حظ سعيد !
لقد ضحكت الحياة لصاحبنا .
فعزمت أن أبادره بالسؤال ذات يوم " هلا تفضلت وقلت لي ما سر هذا التحول الجذري الذى أنت فيه ؟ ".

فقال " ألا تعلم أنها القطعة النقدية ، كان عليك ألا تبدلينها أبد يا صديقي".
فقلت وقد شعرت ببعض الغيظ " أنا لا أحسدك ولم أعر لتلك القطعة أي اهتمام ، على العموم حظ سعيد".

واستمر صديقي على هذا المنوال عدة شهور وكان يزداد سعة و زيادة في الرزق وقد انتقل إلى وظيفة أخرى و كان يزورني بين الحين والأخر ويعرض علي المساعدة المالية ،
وكنت قد نسيت الموضوع بل رأيتني في بعض الأيام أدخل الكشك وأبيع التذاكر ، ولعبت الحياة لعبتها ودارت الأفلاك دورتها وعاد صديقي إلى حيث عمله السابق بائع التذاكر ، ولا أخفي عليم بأني استغربت الأمر وبادرني بالإجابة قبل أن أسأله "إنها الوشاية إلى المدير '' لقد كانوا يكتبون تقارير مختلفة عني".

وها أنت كما ترى ، ولم استطع أن اهضم الموضوع ، كنت أشعر أنه يخفي عني شيئاً ما
، و مع مرور الأيام سرعان ما لاحظت أن هندامه غير متناسق وتسريحة شعرة منكوشة ولم أعد أشم منه رائحة فارهة ، حتى طلب مني ذات ليلة عندما انتهينا من العمل بأن أقرضه بعض المال ، وكانت دهشتي كبيرة فوافقت فوراً ، فسألته مرة أخرى عن سبب هذا التحول الغريب ؟.

فقال متأسفاً " إنها زوجتي ، عندما أتذكر ذلك أرغب في قتلها ، إنها منحوسة ".
فقلت " لم أفهم ! ".

فقال " لقد وضعت تلك القطعة النقدية في جيب محفظتي الصغير وكان دائماً يمتلاء بالنقود ، فكتمت السر حتى عن أهلي وقد عشت شهوراً في غبطة وسعادة وكنت اشتري السمك الطازج واللحم ثم بدأت أفكر في فتح دكان تجاري ......الخ ، لكن و لسوء طالعي دخلت بيتي واستلقيت أتابع البرامج على الشاشة حتى دخلت زوجتي تطلب مني أن أعطيها دراهم لتشتري البيض ، فقلت لها : خذي ما شئت من المحفظة إنها في معطفي ، فقامت بفتح الجيب الخلفي للمحفظة وأخرجت القطعة النقدية وأعطتها لابني واشترى بها البيض الملعون ،

وبعدها تذكرت فجأة القطعة فقمت فوراً من السرير وفتشت المحفظة و أنا ارتعش ولم أجدها ، كانت سلسة الجيب الخلفي مفتوحة وبدأت اصرخ واضرب الأشياء بقدمي ، فجاءت زوجتي مسرعة تستقصي الأمر كونها ظنت أني قد جُننت ، فقلت لها القصة كاملة ومنذ ذلك اليوم وحالتي تزداد سوءاً ".

وشعرت بالأسف الشديد و بت أفكر في صديقي المسكين ، و خُيّل إلي أني لو كنت أخذت القطعة مكانه لصرت إلى ما صار اليه ، وبعدها تم توقيفه عن العمل بسبب كثرة غيابه وتأخره.

وسكت السيد "ب ل" عن سرد قصته ثم حول نظراته إلى القاعة السينمائية وتنفس الصعداء ، و كأن القصة وقعت بالأمس القريب
 

تاريخ النشر : 2020-06-29

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر