أدب الرعب والعام

“أتريده حلواً أم مملحاً؟!”

بقلم : أميرة الغموض – السعودية
للتواصل : [email protected]

إنها طفلة ! مبتلة بالكامل !!

أتريده حلواً أم مملحاً؟!”
ابتسامة جانبية
صرخة ألم .. جثة مطعونة .. دماء .. صوت سيارات الشرطة…………..

—–
سارت بقلق بين تلك الأعشاب الصغيرة .. الشمس قاربت على المغيب ، الطيور تعود إلى أعشاشها ، وصوت تغريدها المودع يزيد الرعب في قلبها .
نادت بصوت شبه خافت “آآر..”

تسير بلا هدف ، لا تعرف إن كانت تخطو الخطا الصحيحة ام أنها تتوغل في الغابة أكثر ، الظلام يزداد .، المكان موحش ، صوت حفيف الوريقات على إثر النسيم الهادئ يزيد المكان وحشة ، الأشجار متشابكة بطريقة مخيفة ، تشابكها كون سقفاً أخضراً على كامل الغابة ، جسدها يرتعش ، قوتها تكاد تنهار …

صوت شيء ما يتحرك بين الحشائش المجاورة ، لم تعد تقوَ على حبس دموعها ، نادت بصوت مرتعش ودموعها تسابق صوتها “آآريين”
تراجعت خطوتين للخلف عندما شعرت بأحدهم يقترب من بين الحشائش ، شعرت بحركة خلفها ، التفتت إلى مصدر الصوت بسرعة
أحدٌ ما يقف خلفها ..!

إنها طفلة! مبتلة بالكامل ، مع أن الجو صحو اليوم ، ترتدي قميصاً خفيفاً في منتصف فصل الشتاء!
وقفت لبرهة تحاول تبين ماهية من تكون ، ولكن شيئاً لم يتضح ، فتلك تنظر للأرض ، وشعرها يتدلى حول وجهها ، إنها تمسك شيئاً في يدها ، ولكن … ما هو؟!

تشجعت واقتربت خطوة وهي تحاول إبعاد شبح الخوف عن قلبها ، كونت كلمات خرجت منها عنوة وبابتسامة ارتسمت بصعوبة
– من أنتِ يا صغيرة؟ هل أنتِ تائهة؟
لم تجد رداً ، اقتربت أكثر بنفس تلك الابتسامة المتوترة
– أأنت تائهة؟ لا تقلقي فأنا مثلك تماماً
– أنا أعرف هذا
– ما الذي قلته؟!
ضحكت الصغيرة ضحكة لطيفة قصيرة
– أتريدينه حلواً أم مملحاً؟!

تغيرت معالم وجهها ، بدلاً من تلك الملامح المبتسمة ، صارت ملامح مذعورة ، مصدومة ، تراجعت للخلف وعيناها ما زالت على تلك الصغيرة ، ضاعت الأحرف ، وثقل لسانها ، لم يعد بإمكانها النطق ، تبعثرت الأفكار في عقلها ، إنها تعرف تماماً من هذه الفتاة التي تقف أمامها ، تلفتت حائرة ، وعادت تنظر لتلك الطفلة ، ما زالت في مكانها ، ولكنها …. ولكنها تضحك!

– أجيبيني يا آنستي

صوت ناعم ، صغير ، البراءة كلها تنبع منه ، نبرة هادئة ، تبعث بالاطمئنان ، كررت جملتها السابقة “أتريدينه حلواً أم مملحاً؟!”
حاولت تلك استرجاع الكلمة “ماذا كانت؟! ما الذي يجب أن أقوله الآن ، إنها هي ، لمَ نسيت ما يجب علي قوله ، ما هي الكلمة؟!! آآر أين أنت”

ولكن محاولاتها باءت بالفشل ، كل ذكرياتها الجيدة والسيئة مرت امامها كشريط ، إلا تلك الكلمة ، إنها تصر على الاختباء ، وكأنها تخاف تلك الطفلة أكثر من خوف ماي منها! ولكنها عزمت أخيراً ، الأمر الآن ضربة حظ ، ستنطق كلمة ، إن لم تصب ، فليحدث ما يحدث ، وإن أصابت ستكون محظوظة للغاية! وهو احتمال ضئيل للغاية!!

– حـ حلواً ، أريده حلواً
هه .. ضحكة صغيرة أطلقتها الطفلة ، ضحكة ساخرة بكل ما تعنيه الكلمة
– لا تخافي يا آنستي ، فكلانا ضائعتين!
قالتها بصوتها اللطيف ، وهي تقترب ببطء ، وتجر شيء ما خلفها ، إنه ثقيل جداً! كيف أمكنها جره؟! شيء ما بمقبض خشبي طويل ، نصله حاد كالسيف ، وملتف بطريقة تثير الرعب ، هاهو يخط أثره على الأرض ، ومع كل خطوة تخطوها تثقل أنفاس ماي ، لم تعد قدماها تحملانها ، ترتعشان بشكل مثير للشفقة! تراجعت للخلف ، محاولةً الهرب ، ولكن هيهآت!

صرخة شقت سكون الغابة … ابتسامة جانبية مريبة …. نصل حاد يُجر على الأرض ، ويرسم خطاً أحمراً خلفه!

سار متردداً حائراً ، يخطو خطوة ويعود عشرة! حركة شخص ما ، إنه قادم من الشرق ، التفت ببطء شديد ، ليفاجأ بصديقته بيرنارد
– بيرن! لقد أفزعتني
– آآر ، ما الذي ححـ صل؟! أين كنت؟ أين ماريبلا؟
– لا أعرف أنا أيضاً مثلك ، ولكن لمَ تبكين؟ لمَ أنتِ خائفة لهذا الحد؟
– آآرين ، كن صادقاً أرجوك ، لقد أخبرتني أنك ستظل معنا ، لمَ اختفيت فجأة؟
– آسف ، ولكنني سمعت صوت ماي ، فذهبت مسرعاً على أمل أن أجدها ، أظن أنني كنت أتخيل ، اهدئي الآن ، لا وقت للبكاء ، يجب أن نجد ماي ونعود للمنزل
– كيف سنجدها في هذا الظلام؟ لنخرج ونخبر الشرطة وهم يتكفلون بالأمر
– مستحيل ، دخلت الغابة وهي معي ، أأخرج بدونها؟ أي رجولةٍ تلك؟! ولا تنسِ .. ماي كل شيء بالنسبة لوالدتها ، كيف أعود وأخبرها أن ابنتها ضاعت؟!
– أليس أفضل من أن نضيع كلنا؟
– اصمتي فقط
– بدأ المطر بالهطول ، أتعتقد أن نور أتت؟
– أظن ذلك
– أنا قلقة عليها
– وأنا أيضاً
– آر أتسمع ما اسمع
– صوت شخص ما يسير
– أهي ماي؟
– لا ، إنها خطوات صغيرة وهادئة ، هذه ليست مشية ماريبلا
– إذاً
– اهربي فقط

هربا على غير قبلة ، أينما وجدا طريقاً سالكاً مروا به ، وكلما توقفوا لالتقاط أنفاسهم سمعوا تلك الخطوات تقترب
فجأة.. شعر آرين أن بيرنارد ليست خلفه ، توقف لبرهة ، والتفت للخلف ، بالفعل .. ليست موجودة …
مشية هادئة ، ابتسامة جانبية ، خط يُرسم بالخلف ، شجيرات تتحرك ، شخص ما خرج من بينها

– هل أنتِ تائهة يا آنستي؟

صوت ناعم ، رقيق ، وهادئ …. التفتت نورماند إلى مصدر الصوت ، لترى طفلة بالكاد يتجاوز طولها المتر ، نحيلة الجسد ، ترتدي قميصاً خفيفاً ، شعرها طويل يتدلى حول وجهها ، وقد بلله المطر ، شعرت بالراحة لوجودها ، اقتربت منها ، وانحنت قائلةً لها بلهجة لطيفة

– لمَ أنتِ هنا يا صغيرتي؟ ألا تشعرين بالبرد؟
– ….
– هل أضعتِ الطريق؟
لم تتلقى أي استجابة ، نفس الوقفة ، ونفس الصمت
– ما بك ، لمَ لا تجيبين؟ لا تخافي ، سآخذك إلى ماما
– ماما!
– أخبريني فقط ما هو اسمك؟
– اوريندا
– اسم جميل ، منذ متى وأنتِ هنا يا اوريندا
– خمسمائة عام
– هه؟ أظنني لم أسمعك جيداً ، أعيدي ما قلته؟
– ….
– تعالي معي إلى سيارتي لأجفف شعرك وجسدك
– ….
– لا تقلقي ، فأنا مثلك ، لقد طلب مني أصدقائي أن آتي إلى هنا بعد أن أًنهي عملي ، سيخبرونني عن السبب عندما نلتقي ، ولكن تعطلت سيارتي قرب الغروب في مكان ما هنا ، ولا توجد تغطية في الهاتف ، ومن حينها وأنا أبحث عنهم .
– ….
– اوريـ….
– أتريدينه حلواً أم مملحاً؟
– ها؟ ما هو؟
– أتريدينه حلواً أم مملحاً؟
– ممـ مملحاً
ابتسامة جانبية ، اقتربت ببطء ، رفعت رأسها ، بان لنورماند وجهها المشوه
تراجعت نورماند بذعر ….
صرخة ذعر ، دماء تلطخ المكان ، أشلاء تتناثر ….


جلست بيأس تبكي ، ولسانها لا يتوقف عن الدعاء لأصدقائها أن يكونوا بخير ، شعرت بها تسير حولها ، نهضت بسرعة ونادت : آر؟

ولكن ظنها خاب عندما ظهرت تلك الطفلة ، حاولت الهرب ، ولكن قدماها لم تعودا تقويا على حملها ، تشجعت ، تراجعت للخلف ، ثم ركضت بأسرع من يمكنها ، لكنها لم تلبث أن سقطت ، وقفت ، ونظرت إليها بعيون يائسة ، ثم نادت بعلو صوتها : آآريين ، مااي ، نوور ، آر..

ثم تمكن البكاء منها
اقتربت تلك الطفلة .. صوت الرعد ، ولمعان البرق ، صوت حركة الأشجار السريعة ، الظلام دامس ، قلبها أعلن بدء حفلة راقصة
طرحت سؤالها ببراءة وعفوية
– أتريدينه حلواً أم مملحاً؟
حاولت تذكر الكلمة ، حاولت استرجاع كم المعلومات الذي كانت تعرفه عن هذه الطفلة ، كل ما تذكره الآن ، هو أنها طفلة سيئة!
– هل تريدينه حلواً أم مملحاً؟

التزمت بيرنارد الصمت ، ونظرت للأرض بحزن ، وجسدها بأكمله يرتعش ، جسد صغير مبتل بالكامل ، تمسك بيسارها شيء ما مخيف ، هدوء الغابة ، وصوت المطر الشديد ، يقتلها بالثانية آلاف المرات
– آه ، تريدينني أن أختار؟
قالتها وقد رفعت رأسها ونظرت لعيني بيرنارد
تضاعف خوف برينارد عشرات المرات بعد أن رأت وجهها ، وتلك النظرة البريئة ، من وجه مخيف!
تابعت تلك بنفس صوتها اللطيف
– حسناً ، أنا أفضل المملح ، فهو لذيذ للغاية..!

اقتربت بخطوات هادئة ، بيرنارد تبتعد ، وقلبها يكاد ينتزع من مكانه ، وبلمح البصر ، غرزت الطفلة ذاك الشيء المعدني بجسد بيرنارد ، صرخة استغاثة وألم ، صرخة مثيرة للشفقة ، جعلت اوريندا تبتسم ، ثم تقهقه بسعادة ، بملامح تقتل رعباً!!

صار يبحث عنها بقلق ، لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي ، ولسانه لا يتوقف عن مناداتها .. ظهرت أمامه تلك الطفلة ، وقف حائرا ً لبرهة ، شعر بالقلق والخوف ، حاول إخفاءهما ، ولكنه فشِل ، اقتربت منه ، لم يتبقَ بينهم سوى مترين

قالت بصوت أشبه بالهمس

– لا تقلق ، لست بتلك القسوة التي تسمح لي أن أقتل الجميع وأترك واحداً على قيد الحياة ، فلم أصبح مؤلف أفلام رعب سخيف بعد!!
اتسعت عيناه بخوف ، اضطرب ، توتر ، وشل تفكيره ، سهام الخوف تخترقه من كل مكان ، أوصاله ترتعش ، بادرت تلك بسؤالها المخيف ، لتزيده خوفاً فوق خوفه
– أتريده حلواً أم مملحاً؟!

“إنها اوريندا ، تلك الأسطورة الشعبية ، هي من أتينا للتحقق من صدق وجودها ، تسأل سؤالاً غريباً قبل أن تقتل الشخص ، وسبب سؤالها يتعلق بتلك الحادثة القديمة ، سيضطر الشخص أن يختار أحد اثنين ، إما حلواً ، أو مملحاً ، نعم ، الفرق بين من يختار حلواً أو مملحاً ، أن من يختار الأولى يموت مطعوناً خمسين طعنة فأكثر ، كلها غير مميتة ، ختامها هي الطعنة القاتلة ، أما من يختار الثانية سيتحول بطريقة ما إلى أشلاء ، وأخر ما يفصل عن جسده : القلب ، والرأس ، أي أنه بكلتا الطريقتين سيتعذب قبل أن يموت ، هناك طريقة واحدة للنجاة منها ، ولكن 98% من الأشخاص نسوا تلك الطريقة بعد أن قابلوها ، مازالت تقترب بثبات ، أستطيع أن أنجو إن فعلتها ، ولكن أي حياة بعد موت أقرب أصدقائي!”

صمت موحش ، لا يُسمع سوى صوت أنفاس آرين المتداخلة مع صوت المطر الذي يزداد غزارة ، صوت دقات قلبه تكاد تصل إلى آخر الغابة ، هذا وهو أقلهم شعوراً بالخوف!
قطع هذا السكون صوت آرين ، قائلاً بنبرة هادئة وباهته..
– أريده حلواً..

تاريخ النشر : 2016-04-19

أميرة الغموض

السعودية

مقالات ذات صلة

54 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى