تجارب من واقع الحياة

أحببت معلمتي

بقلم : أبو ثعلبة

المعلمة غدير قد استنزفت كل مشاعر الحب الصادقة في قلبي
المعلمة غدير قد استنزفت كل مشاعر الحب الصادقة في قلبي

 
في عام 1999 م ، في فصل الشتاء البارد و تحت زخات الأمطار و هزيم الرعد و البرق نزلت وأبي من السيارة ، فأشار إلي بأصبعه من بعيد أن تلك هي مدرستك ثم ذهب ، دخلت إلى المدرسة بذهول و دهشة ، ما هذه القلعة العملاقة ؟ يا الهي ! أصوات الأطفال تتعالى لا أعرف كيف أتحدث و مع من أتحدث ؟ خوف و رعب كبير انتابني من هذا العالم المجهول الجديد الذي أنا فيه ، أرشدتني مديرة المدرسة إلى غرفة التعليم الخاصة بي ، و بينما أنا جالساً جاهلاً لما هو قادم ، دخلت سيدة عبوسة حادة الملامح كأنها لا تأبه بشيء ، تلبس معطفا برتقالياً ، صوت كعبها أصمت الجميع ، جلست و لم تنظر لأي أحد فينا ، و قالت بقسوة : افتحوا الكتاب الفلاني على الصفحة الفلانية ، فلم أفعل ،

لاحظت السيدة بعد مدة أن الجميع قد فتحوا الكتب باستثنائي أنا ، فقد كنت مشغولاً بالنظر اليها ، فقالت لي : أنت ، ما هو اسمك ؟  فقلت لها : كذا ، قالت : اقترب ، فاقتربت ، صفعتني على وجهي و قالت : هيا اذهب و افتح الكتاب ، فعانقت قدميها و رحت أبكي ، نظرت إلي بشفقة ثم مسحت على شعري و قالت : هيا افتح الكتاب ، فصارحتها بكل براءة و قلت لها : أنا أحبكِ لماذا تضربينني ؟ فردت و قالت : حسناً ، و أنا أحبك ، هيا اذهب و أفتح الكتاب ، من الفرح لم تسعني الدنيا بأكملها أنها تحبني أيضاً ، لقد صرحت لي بذلك علانية أمام الجميع ، يا الهي ! عدت إلى المنزل و رسمت وجهها الجميل و رحت أفكر بها و أتأمل صورتها حتى حل الليل ، و قلت لنفسي : أنه يجب علي أن أعطيها هدية تعبيراً عن حبي لها ، فسرقت بعض إكسسوارت أمي ، و في اليوم الثاني أعطيتها إياهن و قلت لها : لا تتزوجي ، انتظريني حتى أكبر لنتزوج أنا و أنتِ ،

فضحكت و دمعت عيناها من كثرة الضحك ، فتساءلت متعجباً : لماذا تضحكين ؟ ردت و قالت : أنت صغير يا جميلي و أنت بحاجة لأن تتزوج بفتاة بنفس عمرك ، و أنا بعمر والدتك ومتزوجة أيضاً ، فقلت لها بكل براءة و عفوية : حسناً ، اتركيه و تزوجيني أنا ، و سأبني لكي قصراً كبيراً فيه كل ما تشتهينه وترغبين به من أشجار ، أزهار ، ألعاب ، حيوانات ، طيور وعصافير ، والات عزف ، و بحيرة للسباحة و كل ما ترغبين به ، فقالت : لا يمكنني أن أترك زوجي ، لا يمكنني فعل ذلك ، هل أنت مجنون ؟ لم أيأس و قلت لنفسي : ربما لم تعجبها الهدية ، عدت إلى المنزل و رسمتها مرة أخرى بشكل أجمل وأعطيتها الرسمة في اليوم الثالث و قلت لها : انظري أنا رسمتك لأنني أحبكِ أكثر من زوجك ، اتركيه وانتظريني حتى أكبر ،

عندما رأت أنني رسمتها تبدلت ملامحها إلى الجمود التام و قالت : أأنت من رسم هذه الصورة ؟ فقلت لها : بالطبع أنا ، من سيرسمها مثلاً من ، راكِ غيري حتى يرسمها أصلاً ؟ تأملت الصورة لمدة خمس دقائق و يدها على رقبتها ، جميع الطلاب سأموا انتظار الدرس و بدأوا باللعب و هي تحدق بالصورة ، ثم طوت الصورة و وضعتها في حقيبتها و نظرت في عيني بدون أن تظهر عليها أية ملامح قد توحي بالفرح أو الغضب ، نظرت في عيني و قالت بنبرة منخفضة : هيا يا أطفال بدأ الدرس .

 اليوم الرابع بدأت أطاردها لأعرف مكان منزلها و إقامتها ، و لكن لجهلي بفنون المطاردة والتخفي استطاعت أن تراني ، فشلت في كل محاولات المطاردة ففي كل مرة كانت تراني ، بعد مرور شهر و بينما أنتظر دخولها على أحر من الجمر لأقدم لها هدية جديدة ، دخلت معلمة جديدة و وضّحت أنها هي معلمتنا الجديدة ، ذهبت مسرعاً إلى مديرة المدرسة و قلت لها : أين السيدة غدير ؟ أجابتني بقسوة : لقد تركت المدرسة بسببك أيها البذيء ، اسودت الدنيا بوجهي ، أصبحت الدنيا سوداء حالكة الظلام في كون أكثر سواداً ،

عدت إلى غرفة التعليم و أنا أرتل أسمها و أتغنى به و لا أأبه بكل من حولي ، بدأت أقول لنفسي : لم أستطع أن أعرف أين هو منزلها ، لن أراها مجدداً ، لن أراها مجدداً ، فلم أستطع أن أسيطر على نفسي و أجهشت بالبكاء ، ابكي و اصرخ عالياً : لن أراها مجدداً ، لن أراها مجدداً ، مرت ساعة و أنا أبكي حتى ظن من حولي أنني سأموت من كثرة البكاء ، فقد استفرغت كل الطعام الذي كان في معدتي من شدة الحزن على فراقها و من و كثرة البكاء ، عندما علم أبي بالأمر قرر أن لا يرسلني للمدرسة مجدداً ، و قال : أنني أرسلتك لكي تتعلم وليس من أجل أن تحب و تعشق ، و أكمل قائلاً : و الله لو أنك أحببت فتاة من عمرك لكان بها ، و لكن المعلمة ، أمجنون أنت ؟  .

من يهتم بالدراسة والتعليم أصلاً أن لم تكن السيدة غدير موجودة ، مرت خمسة سنوات و لم أنسى ملامح وجهها ، كل يوم و كلما حل الليل أرسم صورتها ثم أبكي وأمزق صورتها بكل عنف ، بلغت الحادية عشرة عاماً و كأنني شيخ كهل من كثرة الحزن والبكاء  والاسوداد أسفل العينين ، أخيرا حاولت أن أنساها أو أتنساها أن صح التعبير لأكمل حياتي بسعادة و لأشعر ببهجة الحياة مجدداً ، مرت السنين و بلغت الحلم و عرفت ما هي طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ، حينها لم أشعر بأي انجذاب للفتيات ولم أحب أية واحدة منهن رغم تهافتهن علي من كل حدب وصوب ، فلقد كان هناك شيئاً جذاباً في المتزوجات ، شيئاً مميزاً ، مغناطيساً قوياً فيّ من تفوق أعمارهن الثلاثون عام تحديداً ،

فبدأت رحلتي في اصطياد المتزوجات أو بالأحرى بدأت رحلة الانتقام ، رغم أنني قد كنت صغيراً حينها ، و لكن بأسلوبي و ذكائي و دهائي قد أوقعت بسبعة متزوجات رغم أنهن جميعهن متدينات ، و لكن بإصراري و الحاحي الشديدين و عدم يأسي من الرفض المتكرر استسلمت أمامه أقوى أمرأة ، و ذلك لأنها تستوعب رسائل بالتكرار أن رغبتي بها شديدة و حبي لها صادق ، بالإضافة إلى أن بعضهن كن محرومات من الحنان و يعانين من قسوة أزواجهن ، فرأوني فرصة لا تُقاوم ،

و ما أن تبدأ أحداهن بالتجاوب معي حتى أقسو و أهجرها لأنتقم منها حسب ظني قبل أن تقسو و تتركني هي ، فبعد أن جعلتها تحبني وتتعلق بي و تكره زوجها أتركها و أذهب إلى مكان خالي لأرسم صورة السيدة غدير مجدداً و أتحدث مع الصورة و اصرح لها وألومها عن ما فعلته بي و بهذه البريئة و أشرب الخمر و أصرخ ثم أمزق صورتها وأنام لأستيقظ باحثاً عن ضحية أخرى ، الضحية الأخيرة لا أخفيكم أنني كنت سأُطلق على نفسي النار من شدة القهر و الضياع الذي كنت فيه ، فبعد أن قلت لها أنني لم أعد احبها و أن ما نفعله مستحيل ،

قالت لي : سأترك أبنائي و زوجي في الليل و أهرب معك ، و هي تبكي وتمسك بيدي راجية أن لا اتركها ، و أنا أضحك و أبكي ، أضحك وأبكي ، كان انجذابي اليهن انجذاباً سطحياً لم أشعر بأية مشاعر حب صادقة اتجاههن ، فالمعلمة غدير قد استنزفت كل مشاعر الحب الصادقة في قلبي ، المعلمة غدير هي الأولى والأخيرة و كل ما بعدها حبر على ورق ، و استطيع أن أتأكد من ذلك عندما أرسمها اليوم و أنا في عمر السابع والعشرون.

 

تاريخ النشر : 2020-12-17

مقالات ذات صلة

151 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى