أسمهان : لغز غرق أميرة الجبل

بينما الفنان يوسف وهبي يصور مشهد بفيلم غرام وانتقام تفاجأ عندما شاهد إحضار جثة مكفنة بالبياض إلى البيت الكبير الذي تم تصوير بعض مشاهد الفيلم داخله وعندما اكتشف النجم الكبير يوسف وهبي ان الجثة تعود لبطلة الفيلم انهار بالبكاء حزنا على الفقيدة الراحلة في عز شبابها السيدة اسمهان الأطرش اخت الفنان الكبير فريد الأطرش
بتاريخ ١٤ تموز ١٩٤٤ غرقت اسمهان في سيارتها مع صديقتها ومديرة اعمالها ماري قلادة ونجا السائق ودفنت أيقونة جمال الغناء العربي باليوم التالي لغرقها
واضطر الفنان يوسف وهبي ان يغير نهاية الفيلم إلى حزينة بموت اسمهان واكمل باقي الفيلم وبان عليه التأثر والحزن لموت اسمهان في لقطات الفيلم الأخيرة
وقد حقق الفيلم نجاحا طاغيا ورشح لاحقا في منتصف الخمسينيات من بين افضل مائة فيلم عربي وكذلك اول افلام اسمهان انتصارالشباب أمام شقيقها فريد الأطرش وقد لحن كل اغاني اسمهان في الفيلمين
اما فريد الشديد التعلق باخته فقد انهار بسماعه موت اسمهان لشده محبته اياها وتعلقه بها وكانت مدللته وطالب بالتحقيق في قضيتها لكن طلبه رفض من جهة عليا مما يضع شكوكا بأن الحادث مدبر والعلم عند الله تعالى
وقد رثى اخته بأغنية (بتبكي ياعين) واصيب فريد باكتئاب حاد بعد ذلك مما تسبب له بالمرض الخطير الذي قضى عليه في النهاية ليلحق باسمهان بعد ثلاثين عاما
حياتها في سوريا

ولدت امال الأطرش يوم ٢٥ نوفمبر ١٩١٢على ظهر سفينة متوجهه من تركيا لبيروت وكانت امها علياء المنذر قد اطلقت عليها اسم امال وابوها هو فهد اسماعيل الأطرش احد زعماء جبل الدروز في سوريا وكان يشغل منصبا هاما في الدولة العثمانية وقتذاك وكانت امال هي الطفل الثالث بعد شقيقها فؤاد الأطرش ولد عام ١٩٠٨ وفريد ولد عام ١٩١٠ ولها شقيقان أصغر منها لكنهما ماتا صغيرين في مصر إضافة لذلك كان ابيها متزوج بامرأة أخرى وله منها اثنين من الأولاد وثلاث بنات
عاشت العائلة مرفهة وسعيدة ببلدة السويداء في سوريا وكانت امال تدرس في المدرسة الكاثوليكية الفرنسية للبنات مما منحها طبيعتها المتحررة لاحقا
وفي العام ١٩٢٤ وقعت ثورة سلطان الأطرش ضد سلطات الانتداب الفرنسي على البلاد وكان الوالد فهد الأطرش قد التحق بالثورة مع ابن عمه سلطان والتي مهدت للثورة السورية الكبرى عام ١٩٢٥ وشاء الله أن يموت الوالد فهد الأطرش فتقوم الأميرة علياء المنذر وتهرب باولادها من سوريا إلى مصر خوفا من بطش الفرنسيين ويدخلون مصر بمساعدة الباشا سعد زغلول بحكم علاقته بعائلة الاطرش
اسمهان في مصر

استقرت العائلة في حي الفجالة بالقاهرة وبدأت مدخرات العائلة تتناقص حتى انتهت نهائيا فقامت الوالدة علياء بالعمل كخياطة ومطربة في الاعراس والابن الأكبر فؤاد عمل مع احد الأطباء اما فريد فقد كان يعمل ناقلا للخبز في المخابز وقد توفي طفلي السيدة علياء الصغيرين بسبب عجزها ماليا عن علاجهما
ويذكر ان مليونيرا أمريكيا مقيما بمصر اشفق على هذه العائلة فقام بصرف مائة جنيه شهريا لهم مما ساعدهم بعض الشيء وأكملت امال دراستها بمساعدة أخيها فريد والذي كان شديد التعلق بها ويحبها بشدة فكانت اكثر من شقيقة له
ويذكر أنها شقية في صباها فقبل ان يتحول فريد إلى الفن كان يهوى الملاكمة وقد قام بشراء قفازات ملاكمة وعندما رأتها امال في البيت أصرت ان تلبس فردة منها ولبس فريد الفردة الأخرى ووقف فؤاد الشقيق الأكبر حكما بينهما وبينما كان فريد يشرح لاخته أصول اللعبة فاجأته امال بلكمة قوية من يسراها اوقعته أرضا وعندما نهض أراد أن يرد عليها لكن فؤاد منعه ثم ضحك بعدها فريد وعانق اخته امال

بعد ذلك اكتشف ملك العود في بدايات شبابه أواخر الثلاثينات ازدهار مصر الفني وانفتاحها على العالم ووجد ان له موهبة في الغناء والتلحين بموسيقى العود فقرر ولوج عالم الفن ونجح فيه نجاحا ساحقا حتى أنه حاز وساما فرنسي رفيع في الموسيقى لم يحصل عليه إلا ثلاثة شوبان وبيتهوفن وفريد الاطرش
اما امال فانها كانت ترافق امها علياء في حفلات الغناء وتغني بصوت رائع تفوق على صوت امها وذكر الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب انا فتاة في السادسة عشرة لكنها بصوت امرأة ناضجة
ومكتشف موهبة اسمهان هو الملحن داوود حسني عندما استضافه فريد في بيته والذي سمع اسمهان تغني وتبناها فنيا لكنه غير اسمها من امال إلى اسمهان لان فنانة شابة بهذا الاسم كانت تعمل عنده وماتت قبل الشهرة وبسبب تأثره عليها أراد إطلاق الاسم على امال فقبلت امال ذلك متشائمة

تعاملت اسمهان قبل داوود حسني مع الملحن زكريا احمد والملحن اللبناني فريد غصن عندما كانت طفلة لكن انطلاقتها كانت مع الملحن الكبير محمد القصبجي في الثلاثينات بدايات شبابها و السنباطي ثم غنت الروائع (بدع الورد) بفيلم انتصار الشباب ١٩٤١ و(ليالي الانس في فينا) من فيلم غرام وانتقام ١٩٤٤
من ألحان شقيقها فريد الأطرش وقد سئل أواخر سني عمره عن اسعد لحظات حياته فذكر انها عندما غنت اسمهان من الحاني
وقد غنت اسمهان بصوتها فقط بفيلم يوم سعيد مع محمد عبد الوهاب وقبلها اغنية محلاها عيشه الفلاح بصوتها فقط من ألحان محمد عبد الوهاب وكلمات بيرم التونسي
ولاسمهان الكثير من الاغنيات مما يضيق المجال بذكرها هنا كاغنية ( يلي هواك شاغل بالي) و(انا أهوى) (وامتى حتعرف) وأثناء ذلك كان لاسمهان علاقات صداقة مع الموسيقار محمد عبد الوهاب والصحفي محمد التابعي محرر مجلة روز اليوسف وقد كانت تراسل الاخير أثناء إقامتها بالقدس عندما عملت مع قوات الحلفاء زمن الحرب العالمية الثانية
زيجات الفنانة اسمهان

سافرت اسمهان إلى سوريا عام ١٩٣٣ وتزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش بجبل الدروز ونالت على اثره لقب أميرة الجبل وخسرت بموجبه الجنسية المصرية وقد اشترطت في زواجها ان لا ترتدي النقاب لكن بعد فترة تراجعت وارتدت النقاب لكنها تركت الجبل وسكنت المدن وانجبت من هذا الزواج ابنتها الوحيدة كاميليا وبعد عدة سنوات طلبت الطلاق وعادت لمصر لأنها علمت بنجاحات شقيقها فريد الفنية ونجاح فيلم وداد لام كلثوم
وبعد نجاح اسمهان بالفيلم الغنائي انتصار الشباب بجانب فريد الأطرش وانور وجدي عرض عليها المخرج احمد بدر خان الزواج العرفي ووافقت طمعا في نيل الجنسية المصرية من جديد لكن الطلاق وقع قبل أن تتحقق لها هذه الأمنية
وعندما عملت اسمهان مع قوات الحلفاء التقت طليقها حسن الأطرش ثانية في سوريا وعادت إلى عصمته بتأثير من قوات الحلفاء لكي يكون لها مكانة بين زعماء القبائل لكنه سرعان ماتطلقت منه ثانية

وفي عودة اسمهان إلى مصر بعد انتهاء مهمتها الجاسوسية عام ١٩٤٤ تزوجت رغبة منها بالجنسية المصرية من الصحفي والمخرج احمد سالم متعدد المواهب إذ انه كذلك كان ضابط طيار
وقد تضايق من طبيعة زوجته المتحررة والتي لم تستجب لضغوطه فحاول قتلها بمسدس الا ان ضابط شرطة تدخل وانقذ اسمهان في اللحظة الأخيرة لتستقر الرصاصة بجسد احمد سالم والتي ارقدته المستشفى ومات متأثرا بها بعد عملية فاشلة عام ١٩٤٩
وسبب فشل زيجات اسمهان هي عدم استجابتها لسلطة الأزواج عليها مما تدفعهم غيرتهم إلى الطلاق
مهمة اسمهان الجاسوسية

تطوعت اسمهان لمساعدة قوات الحلفاء البريطانية والقوات الفرنسية (الديغولية) ضد قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية لالمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية مقابل وعد باستقلال سوريا بعد انتهاء الحرب ومبلغ مالي ضخم بعشرات الالاف من الجنيهات المصرية بحسابات تلك الأيام
وكانت مهمتها تتلخص بتوصية زعماء قبائل جبل الدروز ومنهم ابن عمها حسن الأطرش بعدم التصدي لقوات الحلفاء في سوريا ونجح نجاحا باهرا واغدق عليها القادة الانجليز الأموال وزادها القادة الفرنسيين كما دلتهم بتجوالها في الشام على مواقع الأسلحة والتحصينات الدفاعية واثبتت اسمهان شجاعتها وكانت تتبادل الرسائل مع محمد التابعي وذويها في مصر رغم انهم لم يكونوا راضين عن مهمتها تلك
وبعد أن حامت حولها الشكوك من قوات المحور تنكرت بشكل عبد مملوك لاحد زعماء القبائل وركبت فرسا وسارت إلى فلسطين ودخلت القدس متنكرة بعد أن امضت يوما وليلة على ظهر جوادها واقامت بأحد الفنادق وكانت توزع رواتب زعماء القبائل من أموال سلطات الحلفاء وعرف عن اسمهان تبذيرها وادمانها التدخين وشرب الخمر لأنها كانت تشعر بأن حياتها قصيرة كما ذكر لها احد العرافين بأنك ولدت على الماء وتموتين في الماء
الا ان المهمة في مساعدة قوات الحلفاء انعكست سلبا على أميرة الجبل واخذ حظوظها الفنية تتراجع من قبل جمهوره لأنها تساند القوى الاستعمارية المهيمنة على بلادهم فقررت إنهاء مهمتها والعودة الى مصر وبرغم العروض المالية المغرية رفضت اسمهان الاستمرار في عملها وتحاملت على الفرنسيين انهم لم يمنحوا سوريا استقلالها بعد فكان ردهم بأن الحرب لم تنتهي بعد وسينفذون الوعد بعد أن يكسبوا الحرب
ولكن اسمهان تركتهم وعادت لمصر
الغاز وفاة اسمهان

أثناء تصوير فيلم غرام وانتقام كما ذكرت بداية المقال أرادت اسمهان الذهاب لقضاء عطلة بمدينة رأس البر ورغم اعتراض الفنان يوسف وهبي مخرج الفيلم الا ان اسمهان العنيدة بطبعها أصرت على الرحلة مصطحبة معها مديرة أعمالها ماري قلادة وعند مرور السيارة على ترعة الساحل انحرفت وسقطت بالماء فيما نجح السائق بالهرب ولقيت الفتاتين حتفهما غرقا وتوقفت القضية عند هذا الحد
لكن مياه الترعة تبين ان عمقها لايزيد عن المترين فهل يعد هذا كافيا لاغراق سيارة بركابها ووجد في جثة اسمهان كدمة في جهة الراس وادعي بأنها نتيجة ارتطام رأسها بجوانب السيارة لكن الإصابة كانت عميقة اكثر مما يجلب مزيدا من الشكوك
بداية كانت المخابرات البريطانية هي المتهمة بتدبير الحادث نتيجة تملص اسمهان من إكمال عملها معهم وخشية انكشاف الاسرار

وتسرب الشك إلى أن الحادث بتدبير الملكة الام نازلي لملك مصر فاروق وقتذاك لغيرتها من اسمهان بسبب إعجاب رئيس الديوان الملكي احمد حسنين باشا باسمهان وقيل انه أراد خطبتها بعد أن طلقها احمد سالم في المستشفى بعد إصابته والجميع يعرف علاقة الملكة نازلي باحمد حسنين وشد غيرتها من اي امرأة تقترب منه
ولعل احمد سالم يكون وراء هذا الحادث لانه حاول قتلها وفشل ورغم انه كان يرقد بالمستشفى فليس مستبعدا اتفاقه مع السائق لقتل اسمهان
او ان الامر يتعلق بعائلة الأطرش التي تحافظ على تقاليدها الصارمة ولا يتم الزواج خارج محيط العائلة اما الطلاق فيكون ثمنه باهضا وهو ما جعل فريد الأطرش يعزف عن الزواج ايضا ، والمتهمين هم الأمير حسن الأطرش ابن عم اسمهان وزوجها السابق وشقيقها فؤاد الغيور عصبي المزاج والمتعلق بتقاليد عائلة الأطرش وقد كان يضرب اسمهان وكاد يقتلها لولا تدخل شقيقه فريد الأطرش وقد طلق فؤاد لاحقا زوجته الفنانة ايمان بسبب غيرته

وأشهر الشائعات ان سيدة الغناء العربي ام كلثوم وراء الحادث لان اسمهان ازاحتها عن عرش الغناء هي وجميع المطربات فاسمهان كان صوتها موسيقى بحد ذاته وتجاوز جمالها حدود مقاييس الجمال الا ان اشتراك ام كلثوم بقتل اسمهان هو أضعف الاحتمالات لكنه لايزال قائما عند الكثيرين
وهذه الأسباب بعضها يؤخذ به وبعضها يتم نفيه ويبقى الحادث الأليم الذي تعرضت له جميلة جميلات الغناء العربي عند الترعة مصحوبا بفزعها من صوت آلة الضخ وهي تقول : كلما سمعت صوت هذه الآلة فزعت وتخيلتها دفوف جنازة