منوعات

إيرينا نيستور : المرأة التي غيرت رومانيا

السينما .. هل يمكنها أن تغير نظرتنا للحياة؟ ، هل يمكن أن تظهر لنا عيوبنا وواقعنا وتكشف لنا ما لم نتوقعه وما لم نعرف أنه موجود؟ . قد يراها البعض مضيعة للوقت والمال وأنها للترفيه فقط ، لكن أحداثا تاريخية مضت أثبتت لنا العكس . فالسينما والفن والأدب غيرت حياة الكثيرين عبر العالم .. بل إن السينما غيرت قوانين الدول وفتحت عقول الشعوب وأقامت ثورات أيضا . وقصة اليوم التي بطلتها المرأة الرومانية إيرينا نيستور واحدة من هذه القصص .

خلفية تاريخية

في أوروبا الشرقية ، وفي منطقة البلقان تقبع دولة رومانيا .. والتي كثيرا ما ارتبط اسمها بأسطورة دراكولا ومصاصي الدماء بين غاباتها الضبابية الكثيفة وقلاعها التي تعود للقرون الوسطى .. كما ارتبطت بأساطير الغجر وفنون السحر أيضا . لكن قصتنا تبدأ في حقبة الثمانينيات في عاصمة رومانيا بوخاريست حيث كانت رومانيا تنتهج النظام الشيوعي . فهي واحدة من حلفاء الإتحاد السوفياتي السابق وعضو في حلف وارسو للمعسكر الشرقي في ذلك الوقت ، فخلال الحرب العالمية الثانية استولى السوفيات على رومانيا .. حيث هزم السوفيات الألمان عام 1944 وتم ضم رومانيا إلى الإتحاد السوفياتي .

لكن خلال نهاية الأربعينيات قامت المعارضة بإجبار ملك رومانيا ميخائيل على الخروج من رومانيا عام 1947 . وأعلنت استقلالها لكنها بقيت خاضعة لهيمنة الإتحاد السوفياتي وعضوا في حلف وارسو .

إقرأ أيضا : ناتاشا كامبوش .. الطفولة المغتصبة

خلال الخمسينيات ، ومثل كثير من الدول في المعسكر الشرقي بدأت تظهر معارضة الحكم السوفياتي والرغبة في التخلص من سيطرته وهيمنته . ومنه اشتدت المعارضة السياسية في رومانيا على الهيمنة السوفياتية رافضة تدخلها في شؤونها الداخلية والخارجية .. خاصة خلال حكم الرئيس الروماني جورجي جورجيو ديج . لكن خلال عام 1965 توفي الرئيس جورجي وتولى الرئاسة رجل سياسي يدعى نيكولاي تشاوتشيسكو .. كما تولى أيضا زعامة الحزب الشيوعي في رومانيا وهنا بدأت حقبة تاريخية سوداء لرومانيا وشعبها لم يتم نسيانها إلى غاية يومنا هذا .

الديكتاتور

عند استلامه الحكم قام نيكولاي بوضع نظام شيوعي استبدادي وقمعي ، فقد تخلص من سيطرة السوفييت وتدهورت العلاقة معهم . وقام بمعارضتهم وأقام ستارا حديديا على بلاده وعزلها دوليا . وانسحب من حلف وارسو كما وافق على فتح التعامل التجاري مع المعسكر الغربي رغم كون رومانيا دولة شيوعية تمثل المعسكر الشرقي .

blank
نيكولاي تشاوتشيسكو

كما قام بتغيير سياسة البلاد وحولها من دولة زراعية إلى دولة صناعية . فاستدان أموالا كبيرة من الخارج لإقامة المصانع والمنشآت الصناعية . كما قام بتصدير كل المنتوجات الزراعية والغذائية إلى الخارج بهدف تسديد الديون الخارجية المتراكمة وترك شعبه يتضور جوعا . خاصة بعد تشجيعه على زيادة عدد السكان رغم قلة الغذاء ومنع الصحافة وحرية التعبير .

حيث إنه منع إرسال كل القنوات الخارجية وترك القناة الوطنية ، فقط حيث كان إرسالها ساعتين في اليوم فقط وهو عبارة عن تمجيد للزعيم تشاوتشيسكو وزوجته فقط . كما قام بإسكات المعارضة وقمعها فلم يستطع أحد إبداء رأيه أو معارضة قراراته . وقد استعان على قمع الشعب بقوات الجيش والشرطة السرية والتي فاقت سمعتها السيئة سمعة البوليس السري السوفياتي في القمع والترهيب والتعذيب . فقد تم نشر المخبرين والجواسيس في كل مكان لمراقبة الناس وأفعالهم وكلامهم وتنقلاتهم خالقا جوا من الخوف والقمع النفسي والفكري للشعب .

إقرأ أيضا : سارة برتمان : ضحية العبودية

قام تشاوتشيسكو بمنع كل المنتوجات من الدول الخارجية ، واستعمل الشعب كل ماهو صناعة وطنية في الصحافة والإعلام والمنتوجات الصناعية والملابس وكل شيء . كان صناعة رومانية فقط فعاش الشعب الروماني في قوقعة بعيدا عما يحدث في العالم من تطور في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والطبية والصناعية .

blank
تشاوتشيسكو وزوجته إلينا

ورغم الفقر الذي يتخبط فيه الشعب الروماني وتدني الخدمات الصحية والمستوى المعيشي إلا أن تشاوتشيسكو قام بصرف الملايين على بناء القصور . فقد عمل على طرد السكان وتهجيرهم من أراضيهم وبيوتهم إلى مناطق أخرى . واستولى على الأرض وقام ببناء قصره العظيم والذي يعتبر أكبر قصر في العالم وهو اليوم يمثل برلمان رومانيا .

استمرت سنوات القمع والخوف والترهيب والإعتقالات من طرف الشرطة السرية . حتى أصبحت الحياة في رومانيا كسجن كبير خاصة مع انتشار الفساد والإختلاسات والظلم داخل النظام السياسي . وفرض سياسة التقشف على الشعب ، حيث تم قطع الكهرباء يوميا وتقليل المواد الغذائية الأساسية وانعدام العلاج . حتى أن الشعب الروماني لم يعرف بسقوط جدار برلين إلا بعد عدة أيام من ذلك بسبب السيطرة على الصحافة والإعلام ، ومنع التواصل مع الدول الأخرى .

ورغم أن الشعب الروماني كان يعاني ، إلا أن زعيمه كان قد أصيب بجنون العظمة . وأطلق على نفسه عدة أسماء مثل القائد العظيم ، المنار المضيء ، الملهم ، العبقري الذي يعرف كل شيء ، بصيص أمل ..

في خضم كل القمع والخوف والترهيب ، قام رجل يدعى زامفير .. والذي كانت تجمعه علاقات قوية مع رجال النظام بتهريب جهاز فيديو والذي كان يعتبر أهم جهاز للترفيه في العالم خلال فترة الثمانينات . ولأنه جهاز محظور في رومانيا قام زامفير بتهريبه وخبأه في الطابق السفلي في منزله . كما قام بالمخاطرة وهرب إلى رومانيا أشرطة فيديو لأفلام سينمائية أمريكية اشتهرت في ذلك الوقت .

إقرأ أيضا : هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها

لقد كانت مشاهدة منتوجات أو قنوات خارجية ممنوعة ويعاقب عليها القانون ، وتعتبر جريمة في رومانيا . كما أن أجهزة الفيديو كانت محظورة وأيضا كان ثمنها باهضا بسبب تدني مستوى المعيشة . فكان ثمن جهاز الفيديو يساوي ثمن سيارة تقريبا أما سعر شريط الفيديو فكان بسعر مرتب شهر كامل .

كان زامفير يهرب الأفلام السينمائية الأمريكية لكنه وجد صعوبة في تسويقها بسبب جهل الشعب الروماني باللغة الإنجليزية . وهنا قرر اللجوء إلى فتاة تسمى إيرينا مارجريتا نيستور والتي ستكون بطلة قصتنا هذه .

إيرينا نيستور

ولدت إيرينا في 26|3|1957 في بوخاريست ، وقد عملت في إدارة الترجمة داخل جهاز الرقابة على المواد القادمة من الخارج إلى دولة رومانيا . وبما أنها كانت تجيد اللغة الإنجليزية جيدا فقد طلب منها زامفير أن تقوم بترجمة الأفلام إلى اللغة الرومانية لكي يسهل فهمها على الشعب الروماني . لكن إيرينا رفضت في البداية لأن القيام بهذا العمل فيه مخاطرة كبيرة على حياتها في دولة مثل رومانيا .

blank
إيرينا نيستور

زامفير أصر على إيرينا أن تأتي معه لتشاهد الأفلام ، فاصطحبها إلى مخبأه السري حيث شاهدت عددا من الافلام ورأت العالم الساحر الموجود في العالم الخارجي . وافقت على العمل في الترجمة فهذه الأفلام كنز ولم يشاهده أحد في رومانيا المنغلقة على نفسها لسنوات طويلة .

بدأت إيرينا وزامفير العمل في ترجمة الأفلام ، بل أيضا عملت على دبلجة هذه الافلام بصوتها ، حيث قامت بتركيب صوتها على كل الشخصيات في الفيلم الواحد سواء كانت الشخصية شخصية رجل أم امرأة أم طفل أو عجوز وتقوم بجميع الادوار والإنفعالات الموجودة في الفيلم .

قد تتساءل عزيزي القارئ لماذا لم يستعن زامفير بشخصيات أخرى في دبلجة الافلام؟ . طبعا كان الأمر سريا وخطيرا جدا ، وإن اكتشاف الشرطة السرية لهذه الأعمال قد يؤدي إلى قتله مع إيرينا بتهمة نشر افكار معادية لها . لذا اقتصر العمل عليه وعلى إيرينا في مخبئه السري بمنزله وسط حذر شديد من الجواسيس المنتشرين في كل مكان .

إقرأ أيضا : فتيات الراديوم

بدأ زامفير بتسويق هذه الأفلام المترجمة والمدبلجة بصوت إيرينا في كل أنحاء رومانيا .. وبدأت في الإنتشار سريعا لأن الشعب الروماني كان محروما ومتعطشا لمعرفة كيف يعيش الناس في الدول الأخرى وماذا يجري في العالم أيضا .

لقد فتحت هذه الأفلام المترجمة أعين الرومانيين على البؤس الذي يعيشونه ، فبينما دول العالم تتحرر من الدكتاتوريات المهيمنة ودول أخرى تستقل من مستعمريها وكل ما يعيشه العالم من تقدم في كل المجالات مازال المواطن الروماني يبحث عن الغذاء ويخاف من الكلام بحرية كي لا يعتقل .

عرف الرومانيون من خلال هذه الأفلام أن هناك حياة أفضل خارج القوقعة التي وضعهم فيها زعيمهم المجنون . فالعالم عرف تطورا في كل الأصعدة العلمية والثقافية والصناعية ، وانتشرت الحركات التحررية ووسائل الإعلام وصنعت الأفلام بينما مازال التلفزيون الروماني يبث ساعتين في اليوم فقط . وتقطع الكهرباء ليلا للتقشف . خلال خمس سنوات تمكنت إيرينا نيستور من دبلجة أكثر من 3000 آلاف شريط من الأفلام ، ومن كل الأنواع حيث كانت تدبلج عدة أفلام في اليوم الواحد خاصة بعد زيادة الطلب عليها .

حيث كانت تمثل بوابة زمنية للعالم الخارجي للمواطن الروماني . وقد ساعد المهربون في انتشار هذه الأشرطة خاصة بعد أن تم تهريب أكثر من 10آلاف جهاز فيديو في تلك الفترة إلى رومانيا . فكان كل شخص استطاع امتلاك جهاز فيديو كان يقوم بدعوة جيرانه و أقربائه لمشاهدة الأفلام سريا .

لم يعرف الناس من هي صاحبة الصوت في كل هذه الأفلام ، لكنهم أحبوا هذا الصوت وتعلقوا به وتعودوا عليه . وذلك لأنه استطاع أن يساعدهم في البقاء أحياء وسط كل ذاك القمع والإنغلاق . ومكنهم من معرفة أن هناك حياة أجمل في مكان آخر من العالم وأن هناك أملا في الحياة .

إقرأ أيضا : بوكاهنتس بين الوفاء والخيانة

بعد انتشار الأشرطة ورواجها أدى اختلاف إيرينا مع زامفير الى استعانة الأخير بشخص آخر لدبلجة الأفلام . لكن الناس رفضت شراء الأفلام أو مشاهدتها ، ورفضت صاحب الصوت الجديد .. وضغطت على زامفير حتى يعيد إيرينا الى العمل .

لكن بعد مدة انتشر خبر هذه الأفلام ووصل إلى الشرطة السرية ، فقرر زامفير صاحب العلاقات الجيدة مع رجال النظام إلى تقديم رشوة إلى المسؤولين لكي لا يتم القبض عليه . ولكم أن تتصوروا ماهي الرشوة ؟! ، لقد كانت عبارة عن أجهزة فيديو وأفلام أمريكية . وقد نجح في إسكاتهم فالفيديو والأشرطة كانت تمثل ثروة .

بفضل هذه الأفلام وتطورات سياسية أخرى زاد الوعي عند الشعب الروماني ، وبدأت بوادر الثورة الشعبية في أواخر عام 1989 وقد كان صوت إيرينا نيستور رمزا للمقاومة وجعلت الرومانيين يفكرون في غد أفضل .

blank
قمعت قوات تشاوتشيسكو المظاهرات بقسوة

بدأت الثورة الرومانية في ديسمبر 1989 باندلاع مظاهرات طلابية وشعبية مطالبة بالحرية وتحسين الحياة المعيشية .. وتوفير الغذاء لكن الجيش والشرطة السرية . وبأوامر من تشاوتشيسكو قامت بإطلاق النار وقتلت المئات من أفراد الشعب وقمعت المظاهرات بقسوة .

بعد عمليات القمع قام تشاوتشيسكو بإلقاء خطاب رافضا الإعتراف بمطالب الشعب ورافضا الإعتراف بأخطاء نظامه .. متهما أيادي خارجية بمحاولة زعزعة استقرار رومانيا .

في 22|12|1989 زاد عدد القتلى ووصل المتظاهرون إلى القصر فحاول تشاوتشيسكو الهرب مع زوجته عبر ممرات القصر السرية . وبواسطة هيليكوبتر طار خارج قصره وخارج المدينة .

إقرأ أيضا :كايت ويبستر .. المرأة التي روعت بريطانيا

حطت الهيليكوبتر في أحد المزارع . وقام أعوانه بسرقة سيارة أحد المزارعين للهرب بها ، والبحث عن مخبئه السري الخاص الذي لم يعرف مكانه . واستطاع الفلاحون القبض عليه وتسليمه للسلطة . وتم عقد محاكمة عسكرية سريعة سجلت على أشرطة سينمائية وتم بثها على أحد شبكات التلفزيون الفرنسي .

كان تشاوتشيسكو وزوجته في البداية عصبيين ومصابين بجنون العظمة ، وشتما القضاة أيضا . لكن بعد النطق بالحكم بالإعدام بدأ تشاوتشيسكو بالبكاء كالطفل . ثم تم إعدامهما في 25|12|1989 رميا بالرصاص ، وانتهت حقبة مظلمة من تاريخ رومانيا الحديث .

blank
بدأت رومانيا بعد الثورة عهدا جديدا

وبدأت رومانيا عهدا جديدا ، لكن الناس أول ما بحثت عنه بعد الثورة هو صاحبة الصوت الملهم والباعث للأمل .. صوت إيرينا نيستور . لقد اعتبرها الشعب صوت الثورة ورمزا لها ، فقد عملت على بث الأمل في النفوس بلا خوف ولا كلل طيلة خمس سنوات ، واليوم مازال الرومانيون يكنون الحب والإحترام لإيرينا التي واصلت عملها في الترجمة وأصبحت ناقدة ومنتجة سينمائية .

blank
إيرينا نيستور حديثا

إيرينا نيستور مازالت على قيد الحياة ، وأجرت العديد من المقابلات تحدثت فيها عن تلك الحقبة . أما زامفير فقد جمع ثروة من بيع الأشرطة وتوارى عن الأنظار ويرفض إجراء أي مقابلات صحفية .

عزيزي القارئ ، هل سبق وأن غير أحد الافلام أو الكتب نظرتك للحياة؟ ، أو ربما غير أفكارك؟ . وما اسم هذا الفيلم أو الكتاب؟ .

ملاحظة : جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس . لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي أو المرئي للمقال المنشور دون إذن مكتوب من إدارة الموقع . وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
aljazeeraarabi21Wikipedia

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
16
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك