أدب الرعب والعام

ابتسم فأنت لست وحدك!

بقلم : علال علي – المغرب
للتواصل : [email protected]

هناك من كان يراقبني أثناء نومي وقد التقط لي هذه الصورة التذكارية التي شلّت خلايا دماغي!
هناك من كان يراقبني أثناء نومي وقد التقط لي هذه الصورة التذكارية التي شلّت خلايا دماغي!

الساعة الثانية عشر إلاّ ربع ليلاً؛ حين انتهيت من بعض الملفات التي كان من الضروري الانتهاء منها الليلة حتى أسلمها غداً صباحاً للمدير، لقد كان يوماً عصيباً بالفعل، التعب يجتاح جسدي كله، فقط لو أستطيع الوصول لفراشي الناعم الدافئ بسرعة وأضع رأسي بين أحضان الوسادة، وأغرق في سبات عميييق.

لكن ما يعوق رغبتي هذه حالياً هو أنني أقف بسيارتي أمام ضوء إشارة المرور الحمراء اللعينة.. التي تأبى أن تتغير للون الأخضر.. الذي أصبح لوني المفضل في هذه اللحظات.. لأسرع إلى شقتي الحبيبة وأريح جفنيّ اللذين أصبحا يزنان طنّين..

وبعد لحظات أخيراً أخرج من هذه الورطة والضوء الأخضر يطل علينا بطلعته البهيّة.. أذناً لنا بالرحيل.

بعد وقت ليس بالطويل أصل أخيراً إلى أمام باب العمارة التي أقطن فيها وحدي، فأنا غير متزوج.. وأعيش وحيداً منذ أن انتقلت إلى هذه المدينة.. من أجل الوضيفة التي أشغلها حالياً.

عمارة جديدة تقف شامخة وسط ظلام السماء في هذا الحي الجديد شبه الفارغ.. إلاّ من بعض القطط المتشردة.. وموّاءها المزعج، أنا أول القاطنين بهذه العمارة الخالية إلاّ مني، سأنعم ببعض الهدوء على الأقل قبل أن تمتلئ بالسكان.

أخذت محفظتي من السيارة واتجهت صوب شقتي التي تقع في الطابق الثاني، لماذا الطابق الثاني وليس الأول؟.. لأنه ببساطة شقق الطابق الأول قد حجزت جميعها، ولهذا توفر لي على الأقل استئجار شقة في الطابق الثاني، وعلى كل حال فأنا لست كهلاً إلى تلك الدرجة حتى أتذمر من صعود الدرج إذا تعطل المصعد.

فتحت باب الشقة والظلام والهدوء يخيمان على المكان، فأنرت ضوء الصالة.. ثم أغلقت الباب بالمفتاح.. وأخذت أسير مترنِّحاً من شِدّة التعب نحو غرفة النوم.. وكل ما أفكر فيه هو السرير، فتحت باب الغرفة ووضعت محفظتي على المكتب، ثم غيرت ملابسي واتجهت صوب فراشي.. ملاذي المريح، وضعت هاتفي النقال على الكومودينو بجانب السرير، ثم مددت جسدي على الفراش.. ويا له من شعور مريح هو هذا، وأخيراً سأنعم بنوم هنيء، أخذَت رأسي المثقلة من تعب اليوم تغرق شيئاً فشيئاً في النوم، لا أعتقد أن هناك ما يشبه مثل هذا الشعور في هذا الكون.. وعلى الفور؛ إلتصقا جفنيّ.. وانجرفت إلى نوم عميييق.

فجأة، استيقظت على ضوضاء خارج الغرفة أخرجتني من أحلى نومة تذوقتها..

هل أحلم؟!.. لا أعلم!.. انتظرت هنيهة لأسمع من جديد هل هناك شيء أم أنني أتوهم.. حسناً.. لا شيء هناك على ما يبدو، يبدو أنني كنت أحلم رغم أنني لا أتذكر أنني كنت أحلم.

خلدت للنوم من جديد.. ومجدداً انتفضت على نفس الضوضاء!!..

ماهذا؟!.. ماهذه الجلبة؟!.. هل هو قط؟!.. سألت نفسي داخل رأسي التي مازالت تتوق للنوم وعينيّ يملؤهما نعاس الكون كله.. نهضت من على فراشي واتجهت صوب الباب فاتحاً إياه في هدوء تام، ثم أنرت ضوء الصالة، لا شيء.. المكان خالٍ، اتجهت نحو المطبخ الذي هو أيضاً فارغ إلاَّ مني، اتجهت صوب الحمام.. هو أيضاً فارغ، هل هو قط يلعب معي لعبة الغميضة أم ماذا؟!!..

أطفأت أضواء الشقة، واتجهت صوب غرفتي محاولاً استئناف نومي، دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح، وألقيت بجسدي المتقل بالنعاس على السرير، ووضعت رأسي على المخدة محاولاً تجاهل ما حدث قبل قليل، فجأة.. شد انتباهي ضوء الهاتف المحمول الموضوع على الكومود، كان مفتوحاً، والكاميرا مفتوحة هي الآخرى، ولاحظت أن هناك صورة جديدة.. ضغطت على الصورة ففتحت، وهناك سرت رعشة في كافة أرجاء جسمي.. رعشة أصابتني بالرعب، حدقت طويلاً في الصورة.. وبرودة مخيفة تختلجني..

من التقط هذه الصورة لي وأنا نائم؟!!!!..

* * *

كانت حينها الساعة 01:05 بعد منتصف الليل عندما وجدت تلك الصورة على هاتفي المحمول تظهرني نائماً، بعدها رفرف النوم بعيداً عن سماء محيّاي، تاركاً إيّاي وحدي مع هذه الصورة التي أوقدت فيّ رعباً لا يحتمل. الشقة كانت فارغة بالكامل عندما بحثت في كل ركن منها عن مصدر ذلك الضجيج الذي أيقظني من غفوتي، لأكتشف بعدها.. أن هناك من كان يراقبني أثناء نومي، وقد التقط لي هذه الصورة التذكارية التي شلّت خلايا دماغي.

بينما أنا الآن أجلس في توتر بالغ على السرير، أحملق بجحوظ في هذه الصورة المؤرقة، والعرق البارد ينساب من جسدي يبلل منامتي، وبينما عقلي اللا مادّي قد حلّقت به الأسئلة الموجسة في أفق المجهول؛ لمحت مقبض باب الغرفة وهو يتحرك في بطء، تجمّدَت الدماء في عروقي.. وشلّ الرعب أعصابي وأنا أرقب الباب – الموصد بالمفتاح – ينبلج بتأن على ضوء الأباجورة الخافت، لتظهر بعد ذلك أصابع مخلبية طويلة ونحيلة مثل أصابع الموتى وهي تمسك حافة الباب، ليدلف بعدها بشكل عجيب مفزع؛ ذلك الشعر الكثيف فاحم السواد الذي راح يتمايل في الهواء من تلقاء نفسه، ثم.. ثم رأيتها، كانت امرأة فارعة الطول، بالغة الشحوب، نحيلة الوجه والجسم كمومياء انبعثت من مرقدها، ذات عينين فسفوريتين متوهجتين.. كأنهما عينا قِط تألقتا في الظلام، وقد اكتسى جسدها الضامر الشاحب ثوباً أسوداً حالكاً، وكأنها التَحَفَت الظلام نفسه.

كان ثوبها يطفو على أرضية الغرفة كدخان أسود وهي تدنو مني في بطء واثق.. متوعِّد، فأخذ قلبي النخر يقفز بجنون في جوفي.. حتى ظننته سينفجر من شدّة الفزع وأنا أراها تقف عند طرف السرير.. تحدِّق إليّ بثبات بعينيها المتّقدتين الشّاخصتين.. وشعرها القاتم يتهادى حول رأسها وجذعها مثل الجثة الرّابضة تحت الماء، بعد ذلك.. لم أدري بها إلاّ وهي تحكم قبضتها على عنقي..

كنت أختنق حتى الموت وقبضتها تعتصر حنجرتي أكثر فأكثر، وعلى حين غرّة، غرست يدها المخلبية الأخرى في صدري، مخترقتاً ضلوعي، لتقتلع بعدها قلبي الوهن من جذوره.

انتفضت من نومي أصرخ وأنا أتفحص في ذعر صدري الذي التصق به القميص المبتل بالعرق، فأنرت الأباجورة.. ورحت ألتفت من حولي في توجس على صوت أنفاسي المتعاقبة التي بترت هالة الصمت الجاثمة على الغرفة، لأتنفس الصعداء.. شاعرًا بالراحه لكونه مجرَّد كابوس..

لكن القلق لم يفارقني، فتناولت الهاتف.. وشرعت أبحث في معرض الصور عن صورة من النوع الذي يُلتقط لك وأنت تغطُّ في نوم عميق.. غير واعٍ بالذي يحدث من حولك، لكني لم أجد شيئاً يدعو للقلق، هكذا وجدتني أطوح برأسي نحو الوسادة الدافئة في ارتياح، محاولاً استئناف نومي الذي عكّر صفوه هذا الكابوس المريع، وكان أوّل شيء عزمت على فعله عند الصباح؛ هو أنني سأرمي تلك اللوحة المشؤومة في حاوية القمامة، اللوحة التي ابتعتها من محل لبيع الأثاث العتيق، اللوحة التي رُسم على قماشها امرأة نحيفة شاحبة، ترمق في برود القلب الدّامي القابع بين أصابع يدها النحيلة.

لا زلت لا أفهم لما ابتعت شيئاً مريعاً كهكذا شيء، الغريب يومها.. أنني شعرت بانجذاب قوي وغامض يشدُّني شدًّا إلى تلك اللوحة، لهذا لم أعِ بنفسي إلاّ وأنا أشتريها، معلقاً إياها على جدار في غرفة خاصة بالكراكيب بشقتي، وقد وضعتها هناك حتى لا يتسنّى لأحد غيري برؤيتها، فأنا لا أريد لكل من يزورني في بيتي.. أن يظن بسلامة ورجاحة عقلي الظنون بعد أن يرى اللوحة المفزعة.

الآن بعد أن هدأ روعي، وانتظمت ضربات قلبي المتلاحقة، أخذ جفناي في التلاصق من جديد شيئاً فشيئاً، وبدأ وعيي ينجرف بعيداً عن أرض الواقع، لتبدأ أولى الأحلام السخيفة تحشر نفسها بين النصف الشبه المستيقظ من دماغي.. وبين النصف الآخر الذي خدّره النعاس.

كانت حينها ساعة الهاتف تشير للـ 01:05 بعد منتصف الليل، حين لمحت بعينين شبه ناعستين، مقبض باب الغرفة وهو يتحرك في بطء، لأسمع بعدها صرير طويل للباب وهو ينفتح….

 
* القصة تم نشرها سابقا على صفحة الكاتب. 

تاريخ النشر : 2020-10-28

علال علي

المغرب

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى