أدب الرعب والعام

ابتلاءٌ على مقصلة الصبر

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

تشبثت بأبواب الله ، دعوته كثيراً حتى غدوت أشعر بأن روحي خفيفة و كأنني ريشة تستطيع التحليق بفعل نسمة
تشبثت بأبواب الله ، دعوته كثيراً حتى غدوت أشعر بأن روحي خفيفة و كأنني ريشة تستطيع التحليق بفعل نسمة

– أنها تعاني من اللوكيميا !.

فزعت أمي ، انتحبت فكرة فراقي الأخير ، ارتمت أرضاً كجثة هامدة ، رأيت روحها تحلق نحو تخوم الموت ، تشبث الأطباء بالحياة كي لا تفارقها ، أنهار زوجي ، أطفالي يبكون الوضع المتوتر ، تعب و إرهاق لا يزول ، ألم حاد يجتاح عظامي ، حمى و قشعريرة لا تبارِحَني ، وخز أبر ملئ جسدي ، تحاليل ، سيرومات، كيماوي ، شعري تساقط ، وجوه الأطباء تتبدل كل يوم ، و أنا في حالة ذهول ، أحاول استيعاب فكرة النهاية الحتمية،  أوجز عقلي الأحداث الأخيرة عدة مرات، قَبلتْ دموعي وجه أطفالي مئات المرات ، و في كل مرة تسألني ابنتي الكبرى سارة:

– متى سنعود للمنزل يا أمي ؟.

بماذا سأجيبها ؟ ، غدوت في حلقوم الموت ، غص بي ، لكنه سيعمل على ابتلاعي ، بعد أن يمضغني المرض بنهم ، انتحبت وداعهم ، احتضنتهم مرات لا تُعد ، لفظ ولدي الأصغر آدم كلمات جعلتني أعانق ما تبقى لي من الحياة:

– سنعود للمنزل غداً إن شاء الله ، أليس كذلك يا أمي ؟.
عانقته بحرارة وأنا أومئ مؤكدتاً على كلامه:
– إن شاء الله.

نقّبت عن مرحلة مرضي ، تسلحت القوة في وجه الأطباء ، لجمت الخوف ، صارحني الطبيب مؤيد بكلمات جعلت قلاعي المتينة تنهار :
– المرض في مراحل متقدمة جداً ، لا أظن أن هناك أمل ، ستغدين صريعة الموت بعد عدة أيام !.

صرخت في وجهه بحنق شديد:
– إلا إن شاء الله لي الحياة.
استطرد بخيبة:
– لا اعتراض ، لكن لا أمل !.

خارت قواي ، غدوت طريحة صراع نفسي بين الموت و الحياة ، عانقني الشحوب ، و ها قد أتممت اليوم الثامن عشر وأنا أنازع للخروج من حلقوم الموت ، كان النصر حليفي ، لفظني الموت لأنبثق في فجوة الحياة من جديد ، فتحت عيناي راغبةً بعناق حار يغمر فلذات كبدي ، ناديت بأسمائهم ألف مرة لكن لا مجيب ! صرخت معانقة كف الحياة خشية أن تنساب من بين يدي كالماء ، في كل مرة وخز أبره يعيدني لدوامة النزاع الأبدي ، في اليوم الثالث من نصري الأخير داهمتني همهمات فاستهجنت أرجو أن ينسف القدر كل ما قيل ،

كل الأشياء حولي قد أعلنت حدادها ، كفٌ ربتت على كتفي تؤكد حقيقة ما سمعته ، صرخت أناجي الله أن يسعف قلب عبدٍ فقير ، ربتت الأكف على قلبي تحقنني بمخدر موضعي ، و ترشقني بكلمات صبرٍ ليس وقعها على القلب بهوان ما قيل ، عقدت تصالحاً مع الموت، رضيت بقضاء الله ، ذهبت حيث توجد أمي ، عانقت كفها أبكي آلمي و صبري،  وأردد:

– سلمت أمري لله.

خرجت من المشفى، أشعر أن الموت يطاردني، أنه في كل مكان ، نقبت في ذاكرتي المفتتة عن وميض الأمل ، طرقت جميع الأبواب ، لكنها كانت مؤصدة ، أسعفني عقلي لباب لا يرد في وجه أحد ، دعوت الله سراً و جهراً أن يهديني لطريق النجاة ، لم يكن بحوزة زوجي جرعة صبر واحدة ، هجرني و بنى حياته الأخرى على ركام حطامي ، انتزع مني أطفالي معللاً خشيته عليهم من وسم الفراق ، غدوت وحيدة  بصحبة أمي التي رجمتها الصدمة بإعاقة ، جعلت جسدها الهش يعانق كرسي متحرك. مضت الأيام العدة التي حددها الطبيب ،

و أضيف لرصيد عمري شهور عدة من الألم ، أيقنت أن مدى الحياة ليس بين يدي أحد سوى رب الموت ، ابتهلت إلى الله ، بكيت في حضرته ألمي ، نفضت عن عاتقي أكواماً من الذنوب ، توشحت اليقين بالدعاء ، أخذت بالأسباب ، رفض الأطباء المزيد من العلاج معللين أن لا فائدة منه سوى المزيد من الألم ، مؤكدين على استمتاعي بلحظاتي الأخيرة ، رددت في وجه الطبيب مؤيد بيقين :

– إلا إن شاء الله.

خرجت من المشفى مثقلةً بيقيني بالله ، و في طريقي وجدت عجوز ترتجف ، عرق غزير يكسو جبهتها و سائر جسدها ، ضيق تنفس حاد يكاد أن يسبب لها موتاً وشيكاً ، أسعفتها إلى المشفى ، لكنهم رفضوا استقبالها دون رأفة بحالها ، معللين بأن لا مال لديها للعلاج.

( فلتأخذيها إلى مشفى أخرى ) هذه الجملة التي تفوه بها موظف الاستقبال البدين ببلاهة ، مما جعلني استشيط غضباً ، أخرجت مبلغاً من النقود تصحبه بطاقتي الشخصية و رميتهم في وجهه ! هرول المسعفين نحوي ، نقلوا العجوز، و تم فحصها ، ثم سرعان ما تم تحويلها إلى غرفة العمليات ، العجوز تعاني من نوبة قلبية حادة ، تمت العملية ، غدوت بصحبتها أعتني بها بعد أن نقلت أمي لمنزل خالتي الصغيرة للاعتناء بها ، كانت جميع العيون تسخر من ادعائي القوة ، بينما كانت العجوز تمطرني كل يوم بوابل من الدعاء :

– ألبسكِ الله ثوب العافية.

و كأنها تعلم أنني مجردة منها ، هل يُعقل أن عريّ من الصحة قد ظهر على ملامحي لهذه الدرجة ؟ رغم حرصي الشديد على إخفاء ضعفي كانت دعواتها تدب السرور في قلبي ، أشعر بسعادة لم أعهدها ، في اليوم الحادي عشر تلعثمت الحياة في قلب العجوز من جديد ، غصت روحها في شرايينها ، شهقت آخر أنفاس الحياة ، لفظت دعواتها الأخيرة في أذني بينما تعرقل صوتها بحشرجة الموت:

– عافاكِ الله من شر البلاء والمرض والوبـ…
وسرعان ما أنقض الموت عليها ببراثنه فطرحها جثة هامدة ، عاد دويّ الموت يصدح في الأرجاء ، بكيت فراق العجوز ، ثقلت روحي ، غص قلبي بالحياة ، هرولت حيث أمي ، احتضنتني لأنعم ببعض الدفء والسلام ، ربطت على قلبي تردد:

– و بشر الصابرين.
تشبثت بأبواب الله ، دعوته كثيراً ، بكيت في حضرته حالي ، شكوت إليه أمري ، نفضت عن كاهلي هموم أتعبتني ، حتى غدوت أشعر بأن روحي خفيفة و كأنني ريشة  تستطيع التحليق بفعل نسمة.

 عدت إلى عملي من جديد ، كان الجميع يرشقني بنظرة الوداع  ترفقها بسمة شفقة ، سخر الموت منهم ، قهقهت الحياة في وجهي عندما ظهرت نتيجة التحاليل التي أصرت أمي عليّ بإعادتهم للمرة الثالثة للتأكد ، نظر إلي الطبيب مؤيد مشدوهاً يكرر جملته للمرة العاشرة:
– قد شاء الله ، قد شاء الله.

النهاية …..

فوزي الثاني في كتاب قصصي مشترك (ليلة في دمشق).
أرائكم تهمني.

تاريخ النشر : 2021-01-20

مقالات ذات صلة

4 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى