أدب الرعب والعام

البئر المسكون – الجزء الثاني

بقلم : محفوظ نور

كانت نفس المرأة التي هاجمتني سابقاً ، لكنها الآن كانت تتغلف بكفن أبيض غطى جسدها الذي تجاوز المترين
كانت نفس المرأة التي هاجمتني سابقاً ، لكنها الآن كانت ملتحفة بكفن أبيض غطى جسدها الذي تجاوز المترين

 
كانت كل تحذيراته لا ترقى و لو قليلاً لما عشته تلك الليلة ، فالأمر أشبه بأن تقول “ أحذر الأسد فان رائحة فمه كريهة”.

كنت بعد حماقتي حين ناديت الشبح للخروج ، قد صحوت من موجة الغباء التي جرفتني معها والتي زاد تأثيرها علي من كلام الشيخ وذكريات من عصر الطفولة طال عليها الأمد فتبدد بعضها و تحور إلى شيء أخر لا استطيع أن أجزم به أو أؤكده ، فلا بد أن صوت القط و هو يموء داخل البئر بعد سقوطه تلفيق من ذاكرة طفل لم يتجاوز العاشرة تحت الصدمة ، أغلقت البئر القديمة وعدت لأشغالي الكثيرة التي تنتظرني لإنجازها ، فنظفت الطابق الأول ما استطعت من الغبار ولكنني لم أنظف في الطابق الثاني سوى غرفتي من الغرف الأربع الباقية،

فقد تركتها حتى تأتي أختي غداً لمساعدتي كما وعدتني، خرجت بعدها متجولاً بين الأشجار في الحديقة المحاذية للبستان مستمتعاً بالشمس و هي تودع هذا الوجه من الأرض مرة أخرى، أتى صوت مؤذن القرية البعيد في موعده تماما كما اعتاد منذ 14 قرن أغمضت عيني وأنا انصت إلى صداه المختلط بصوت الطيور التي ملأت الأشجار معششة لاستقبال الليل وهمس النسيم العذب يداعب أذناي، لتحل علي لحظة من السكون و الطمأنينة الداخلية اللذيذة مدركاً في حينها أنني قد أقضي باقي عمري هنا على هذه الأرض، استدرت نحو المنزل و رمقته بحنين ، تلك لم تكن فكرة سيئة.

صليت صلاتي ثم انهمكت في إعداد عشاء جيد لنفسي، ابتلعته على مضض لأنني زدت على ملحه كثيراً ،استحممت و ولجت بعدها إلى غرفتي مباشرةً وأنا محمل بالوجبات الخفيفة والمشروبات الغازية ، فالليلة اليوم ليلة أفلام الاكشن ، جلست في كرسي المريح ولكزت زر البداية ليتحرر ”توم كروس” من تجمده ويستمر في العدو هارباً ،وضعت السماعات واندمجت مع الفيلم، مرت ساعة و أنا على تلك الحالة إلى أن بدأ تأثير المشروبات الغازية بالعمل ، تجاهلته في البداية لكن تراكمه وصل لحد لا يُحتمل ، أوقفت الفيلم واستقمت من مجلسي متأففاً و عمدت إلى المرحاض ،أشعلت ضوء الرواق ليرتجف قليلاً ثم يستقر كأنه يطمئنني للعبور، علي أن أبدل مصابيح المنزل كلها، فعدم استقرارها ونورها الأصفر الخافت مزعج جداً خاصة في مثل هذا الجو الحار،

دخلت المرحاض وضغطت على زر الإنارة لكن المصباح لم ينر، حاولت مجدداً و ضربت الزر بشدة وكاستجابة لذلك سطع المصباح بقوة وانفجر راشاً المرحاض بالزجاج ،سحبت الهواء متفاجئاً و زفرت بعض السباب واللعنات، نفضت عن شعري الرذاذ الذي علق به وتقدمت في الظلام مرتديا بلغة تقيني من شظايا الانفجار الصغير، وبمساعدة من ضوء الرواق الذي تسلل منه القليل حاولت أن أقضي حاجتي بلا أية حوادث أخرى، و أنا كذلك ادركت مدى السكون والصمت الخانق المطبق على البيت نتاجا لزوال سكانه، فالتوت جمرة الفقد بقلبي كعادتها من دون تحذير أو رحمة محاولة غرس نفسها أعمق لكن شغاف قلبي كان قد تيبس قبل أن تخترقه ولم يسمح لها بنيل مرادها هذه المرة، غير أنني أصبت بالإحباط وتعكر مزاجي فجأة،

فأخرجت زفيراً طويلاً أفرغت كلتا رئتي خلاله، وقبل أن أستنشق الهواء تحرك الزجاج في الظلام، اعتقدت في البداية أنها قطعة لم تكن قد أكملت سقوطها أو أنها تحركت بتشجيع من نسمة لم احس بها لكن الصوت استمر بالتردد، لقد كان صوت شيء يتقدم بين شذرات الزجاج الصغيرة والذي كنت لن آبه له لو لم تكن دثارة الصمت المحيطة بي موجودة، فقد كان واضحا جداً حتى أنني استطعت معرفة مكانه بالتحديد و بدا من حركته البطيئة والمتوجهة نحو الباب أنه يعلم أنني هنا، تسمرت عيناي على بقعة الظلام التي أتى منها الصوت، فتوقف فجأة ثم انطلق الشيء من الظلام و رأيت خيال ظله الطويل و الرقيق يزحف هارباً ماراً من الباب، لم يكن جرذاً كما خطر لي أول الأمر، لقد كانت أفعى، تداركت نفسي و جريت وراءها مطلاً من الباب لألمح جسدها يزحف بجانب الجدار وهي تتوجه نحو غرفتي، تحقق أسوء سيناريو، التقطت مكنسة وجريت وراءها مصدرا عدة أصوات محاولاً جذب انتباهها أو على الأقل إبعادها عن غرفتي ،

و رغم ذلك كانت قد اقتربت من الغرفة في سرعة رهيبة ، غير أنها بدل أن تلتفت لبابها المفتوح يساراً انعطفت يمينا و دخلت من خلال ثقب مهترئ في باب الغرفة المقابلة، استراح قلبي كثيراً حين لم تدخل غرفتي ، لكن رجفة رؤية أفعى لم تزل عالقة به، كان الأمر واضحاً يجب عليها أن تخرج من هذا المنزل أو أن تموت بداخله ، قفزت إلى غرفتي قابضاً سلسلة المفاتيح وفتحت الباب الموصد ببطء ، لم أمرر خلال الشق الصغير الذي صنعته سوى يدي التي لطمت الجدار بهستيريا حتى صفعت زر النور سطع الضوء وفتحت الباب بقوة وكأنني عضو من فرقة التدخل السريع، لمحت الأفعى السوداء مباشرة فلقد كانت تتسلق عصا اتكأت على اطار النافذة المفتوحة قليلاً ، التف رأسها نحوي وأطلقت فحيحاً رهيباً ، فتراجعت غريزيا خطوة للوراء وقد اقشعر بدني ،

لكن ردت فعلها العنيفة أسقطت العصى وهوت بها إلى الأرض ، و بدورها تبعتها الأفعى، ومن دون تفكير أنزلت المكنسة على جسدها لتتفاداها الأفعى بسرعة لا تليق إلا بجني ، لكنني لم أتوقف وبغوغاء وهمجية تتالت عليها الضربات وهي تسعى محاولة الهرب ، فأصابت بعضها جسدها الطويل لكنها لم تمس رأسها ، فاستمرت في الحركة محاولة الهرب بلا طائل ، لأجدها و تجد نفسها محاصرة عند الزاوية ، توقفت حركتها المجنونة للحظة والتوت حول نفسها مطلقة فحيحاً ضعيفاً هذه المرة و كأن أنفاسها قُطعت ، مسني فحيحها المبحوح بشيء من الشفقة ، لكن يداي كانتا مرفوعتان وقد اشتدتا استعدادا للضربة القاضية ، تماماً كما شاهدتها وقرأتها في ألف قصة، نزلت الضربة بقسوة على رأسها وأحسست بشيء صغير يهشم تحت النهاية البلاستيكية القاسية للمكنسة ، لكن عطشي للدماء لم يكن قد ارتوى بعد ،

فرفعت سلاحي مجدداً للضربة الحاسمة التي تفصل الشك من اليقين ،ليرتفع جسدها ملتصقاً بالمكنسة مفارقة إياها بعد لقاء سريع، فنقطت جثتها المرتخية من فقدان الحياة إلى الأرض منقلبة وكاشفة عن بطنها ناصع البياض فاغرة عن فاهها الذي نزلت منه ساقية دم صغيرة، تمكنت الشفقة التي مست قلبي آنف منه وحدت من سطوة غريزتي الهمجية عليه فأرخيت يداي أحس بارتجافهما من أثر الأدرينالين ، نزلت مقرفصاً متفقداً جثة المخلوق وأنفاسي قد بدأت تهدأ، كان من الواضح أنها ميتة ، لكنني لكزتها عدة مرات من باب الاحتياط ، بدت لي الآن حقيقتها و مدى ضآلة جسدها الذي خُيّل لي في هلعي أنه يكاد يصل للمتر وكذا حراشفها الخضراء والمزركشة والتي رآها بصري المشوش سوداء كالقطران،

ثم اكتشفت وأنا أتفقد فمها المفتوح أنها ليست سامة حتى ، فقد افتقد فاهها الصغير الأنياب الأمامية المميزة لكل أفعى قاتلة، أدركت حينها في لحظة حقيقة مع نفسي أن أغلبنا يرى ما يرى بعاطفته ولا يعمل عينيه ولا حتى عقله، وضعف البصيرة ذاك هو ما يغرس و يرعى كثيراً من جذور الأوهام في حياتنا و التي نكتشف حقيقتها دائماً بعد فوات الأوان، بعد أن يقتل قابيل هابيل، فنصبح من النادمين.

لسبب أجهله أردت دفنها ، لما لا ؟ سأدفنها بجوار القطة تحت الشجرة ، فيبدو أن كلتاهما ماتتا بسببي، نزلت باحثاً عن كيس بلاستيكي لأحملها فيه، دقيقة هي حتى عدت اليها لأجدها قد اختفت ولم يبقى من أثرها سوى قطرة الدم التي نزلت من فمها، لقد كانت تتظاهر بالموت فقط ولم أصدق أنني خُدعت بتلك السهولة، عدت إلى غرفتي و أوصدت بابها ثم و بلحاف قماش سديت الفتحة السفلية للباب وتفقدت أسفل السرير و وراء الخزانة وكل زاوية من الغرفة فأنا لا أريد جولة ثانية، لكن على الأقل بت متأكداً من أنها ليست سامة، فأعطاني ذلك القليل من الطمأنينة وأرخيت دفاعي قليلاً.

ألقيت نفسي على الكرسي ومددت يدي ملتقطاً كيس الرقائق، فتحته وأطلقت سراح الفيلم ، لكنني هذه المرة لم أكن قد غطيت كلتا أذني، فإحداهما كانت تتنصت للغرفة بعد أن عرفت بأنني لست وحدي في البيت، بينما التهت الأخرى بالاستمتاع بالفيلم وأحداثه، ولكن وككل شيء في هذه الليلة فان تركي بسلام لأشاهد الفيلم طلب بعيد المنال ، فلم ألبث حتى بدأت بسماع لغط بعيد ، اعتقدت في البداية أنه خلل في السماعات، حتى نزعتها و لم يختفي الصوت، أطليت من النافذة منصت ، لقد كان مصدره باتجاه بيت الجيران ، و الذي رغم بعده النسبي عني فان الصوت ينتقل بشكل أوسع في الأرياف والمناطق المفتوحة على عكس المدن، و رغم تركيزي و إنصاتي الشديد لم أستطع انتزاع كلمة واحدة بسبب كثرة المتكلمين ، فقد وصل بعضهم لحد الزمجرة والصياح و كدت أجزم أن وسط تلك الغوغاء كان هناك من يبكي و ينتحب، على ماذا يا تُرى كل هذا الخصام ، هل هو ارث ؟

ثم ابتسمت متذكراً أختي وأخي، فقد حُسم موضوع ارثنا بسلاسة ، سمحا لي في حقهما من المنزل وتركاه لي كله رغم أنني لم أطلبه إطلاقاً ، واكتفيا بحقهما من البستان و أرضه على أن أستأجره منهما بمبلغ زهيد جداً إن قورن بثمن السوق، ابتسمت رغم الفوضى التي عمت بيت الجيران ونفسي كلها حبور، فالمرء لا يدرك قيمة ما عنده حتى يرى حالة المحروم منه ، لم أرد أن أطيل تجسسي عليهم فذلك من سوء الجوار وأنا حديث عهد بهم فلففت وجهي نحو حاسوبي وفارقت النافذة داعياً لهم بالصلح والمودة، و من الظاهر أن دعائي كان سريع الاستجابة، فلم أكن قد اقتربت من كرسي حتى لتتوقف الضجة، لم تخبوا أو تضعف تدريجياً بشكل طبيعي، بل قُطعت في منتصفها و كأن قابس المذياع أو التلفاز قد نُزع ، وما أدراني فربما مصدر الضوضاء كان التلفاز من البداية أو ما شابه ، وعلى أية حال لقد بدأت بفقد اهتمامي، لكن يدي توقفت فوق زر البدء من دون أن تضغط عليه، فان فكرة غريبة بدأت تراودني، ففي الواقع هناك احتمالين لمصدر الضجيج، الأول وهو البديهي كان منزل الجيران و ذلك ما خطر على بالي أول مرة ، أما الثاني و الغير معقول هو …

شعرت برعشة تسري بجسدي وتغزوه ، أن التاريخ يعيد نفسه ، كان شعوراً مألوفاً ، شعور أن يمسكك أحد متلبساً ، ذلك ما كنت أعتقده في صغري، ولكنه تعريف ناقص والترجمة الصحيحة له هي :

” إن أعين أحدهم مثبتة عليك”.

اقشعر بدني و تيبست جوارحي ، و أحسست بأني محاصر، حركة خاطئة وماذا ؟ لا أعلم ، لكنني كنت متأكد من شيء واحد ، أنه في غرفتي المظلمة، النور وحده ما سيظهر الحقيقة، قمت قاصداً إياه من دون أن أستدير خلفي، تلمست الجدار الأسود حتى وجدته ، و بحملي لسلاحي بين يدي تأججت جمرة صغيرة من الشجاعة بداخلي، فلم أضغط عليه والتفت نحو الظلام كمحاولة يائسة لاسترجاع شيء من شرفي الذي جرفه سيل جبني آنفاً ، لم ألاحظهما في البداية ، لكن لمعانهما لم يكن من النوع الذي يخفى طويلاً على الأبصار، رفعت عيني نحوهما ثم و ببطء تبعتهما رقبتي، شعرت بضروسي تتلاقى وأسناني تسطك داخل فمي، لقد كاد صاحبهما يلامس السقف، وبردة فعل غريبة من يدي الخائنة ضغط الزر وانسكب النور اللعين بداخل الغرفة كاشفاً لعيني الجاحظتين حقيقة رفيقي في هذه الليلة ، غير آبه برغبتي في أن لا أراه و يحفر وجهه القبيح في ذاكرتي،

لكن على الأقل طارت من مخيلتي صورة العملاق الذي استوطن ظلام الغرفة لتستبدل بحقيقة مخلوق أسود ملتصق بالزاوية العلوية تماما تحت سريري وبالتحديد أين أضع رأسي، ولدت فكرة مضحكة في مخي دليلاً على أن الجنون قد بدء ينال منه، فلقد كانت وضعيته وهو ملتصق في الزاوية بأطرافه أشبه بوضعية الرجل العنكبوت، تحرك فاهي الشبه مفتوح محاولاً رسم ابتسامة ، لكن لا شيء سواه من أعضاء وجهي ، و يبدو أنها لم تعجب ذلك الذي في الزاوية، فارتخى وترك جسده ينزل من محله ليقع على سريري الذي أطلق صريراً حاداً محتجاً فيه من ثقل ما يحمل، وقع الشيء مقرفصاً ثم استقام لتظهر ملامحه الوحشية بوضوح، أمتد ذراعاه الطويلتان المغطاة بفرو أسود كباقي جسده حتى كادت مخالبه تلامس الأرض ، ابتسم مكشراً عن أنيابه الملتوية لكن عيناه البيضاويتان لم تحملا أي جدل أو سرور على وجهه الخنزيري السمج ،

لم أتحرر من تجمدي حتى حول أحد رجليه من السرير إلى الأرض نحوي، لينتفض جسدي وأنقض بكلتا يدي على مقبض الباب الذي قاوم رغبتي في الهروب، سمعت من خلفي وقع حافره الثاني على الأرض وصوت السرير وهو يتنفس مستريحاً بعد أن تخلص من وزنه، لألوي المقبض بشدة كادت تكسره، فانفلق الباب فاتحا أمامي مهربي من النور الغرفة إلى ظلام الرواق، لكنني لم أعد آبه فليس هناك فرق بينهما ، ارتميت في الرواق بعد أن سمعت لهاثه الثقيل يقترب مني، وبهلع انطلقت نحو الدرج بسرعة رهيبة ، رغم ذلك أحسست بأنها غير كافية للنجاة من براثنه، و كأي فيلم رعب فلا بد من أنه موبوء “بالكليشاي”، لم أطل هرولتي لأتعثر بشيء في منتصف الطريق، أمام باب غرفة مغلق، التفت خلفي متفقداً مطاردي ، أطلت فنطيسته ليظهر بعد لحظة وجهه وهو لا يزال يرمقني بتلك النظرة وبتلك الأعين، أعطاني ذلك شحنة رعب جديدة شجعتني على مسابقة الريح مجددا،

ولم أكن قد استقمت من سقوطي حتى فتح الباب الموصد بالمفتاح كأن لا شيء يعيقه ، وأطل علي من الاطار العلوي له وجه امرأة طويل وشاحب ذات عينين سوداويتين جامدتين، أصدرت صوت غرغرة عميق و وجهها قد بدأ ينسحب نحو الظلام حتى اختفى، لتمسك بي فجأة يدها الزرقاء محاولة دعوتي إلى غرفتها السوداء، تشبثت بالأرض حتى انشق أحد أظافري وتحرر من موضعه ، استدرت نحو الغرفة التي سحب نصف جسدي نحوها وبرجلي الحرة ركلت الظلام حتى صاحت مزمجرة وألقت بي خارج الغرفة ليصطدم رأسي بالجدار موصده الباب بعنف ، لم أسترح طويلاً فخلال معركتي الصغيرة تلك كنت أسمع وطء حوافره على الأرض و هو يتقدم، التفت بسرعة نحو اليسار متذكراً إياه ، لأتفاجأ بذراعه الطويلة الممتدة نحوي ومخالب يده التي كادت تحتوي عنقي،

في تلك اللحظة أحسست حقاً بتلك البرودة التي تعم جسدك قبل خروج روحك، بلعة ريقاً لم يكن موجوداً وأدركت أنني قد أموت حقاً ، فانتفضت غريزة البقاء بداخلي مجدداً ، وانفجرت صارخا ًوأنا أتراجع جاراً نفسي على الأرض، لاحظت قبضته تنكمش على الهواء عاصرة إياه في غضب، استقمت على رجلي وأنا لم أعد اصدق أن السلالم كانت بهذا البعد عن غرفتي منذ الصغر، اصطدمت بالجدار كوني كنت أجري بكل ما عندي، واستعديت للقفز الأدراج غير مكترثاً باحتمال إصابتي بعد ارتطامي بشيء في الظلام، فمهما حاولت لم أستطع تبين أثر أي شيء في العتمة التي عمت الطابق الأول، لم أتردد طويلاً ، لكن كل أمل بالنجاة بهت بعد أن رأيتها تصعد السلالم، كانت نفس المرأة التي هاجمتني سابقاً ، لكنها الآن كانت ملتحفة بكفن أبيض غطى جسدها الذي تجاوز المترين ، سمعت فقراتها تكسر بعد أن استدار رأسها نحوي بزاوية مستحيلة، وعلى عكس الرجل الخنزير فان حركتها كانت أسرع وهادفة،

التفت إلى كليهما وأنفاسي تكاد تتحور إلى نحيب من انعدام مهرب، و كأي مخلوق محاصر استولى على عقلي اليأس وقمت بحركة بائسة للنجاة، قفزت مباشرة من أعلى السلالم إلى الطابق السفلي، لكن أحد قدمي تعثر بعمود الدرج فوقعت رأساً نحو الأرض ، ولولا أنني لم ألتف في الهواء لكانت دُقت عنقي فور اصطدامي بالأرض ، سافرت عبر الهواء لأقع على ذراعي الأيسر وأسمع عظمه ينشق و ينكسر، لم أشعر بأي ألم ، لكن موجة من الغثيان اكتسحتني بعنف شديد ، فأفرغت كل ما ابتلعته آنفا دفعة واحدة، انطلقت ضحكة مريضة من شبح المرأة الطويلة رأيت جسدها يرتعش في نشوة وفاهها يفتح ويغلق بجنون محرراً صوت الضحك القبيح نازلة من الدرج نحوي، حاولت النهوض وعيناي الغارقتان في الدموع كن أثر تقيئي تتبعان وهجها الشبحي ، لكن يدي وقعت على موضع قيئي وانزلقت معيدة جسدي الذي ارتكز عليها تماماً نحو الأرض، استنزفت كل طاقتي وخلى فؤادي من أي إحساس ، حتى الرعب الذي نهشه نهشاً قبل لحظات اختفى فجأة من دون أثر، واستبدل بشعور آخر أعذب منه لذة الاستسلام.

حاولن غلق عيناي لكنني لم استطع سحبهما عن تلك المرأة، ما الفرق، على الأقل سأوجه نهايتي قبلاً بشجاعة، اقتربت مني ولم يبقى لها سوى خطوتين من خطواتها العريضة لكي تصل إلي، كم بدت طويلة خاصة من منظوري السفلي، رمقتني بنظرتها الباردة وابتسامة من دون أن تظهر صفوف أسنانها، امتدت شفتاها حتى كادت تهددان بلمس عينيها واهتز رأسها وهي تحاول كبت نوبة ضحك أخرى، يبدو أن مظهري وأنا مستلق أمام بركة قيئي وذراعي المكسورة الملتوية في شكل غريب كان مدعاة للضحك حقاً ، لكنني لم أشاركها ولو ذرة من ذاك الشعور، ومن دون أن أفكر سألتها “ما الذي فعلته بكِ؟”.

انعكست ابتسامتها ونزلت بعبوس مقطبة حاجبيها في اشمئزاز، وصلت رغبتها في سفك دمي من وجهها بصراحة، فراح عقلي بتخيل نهايته، ربما ستدعس بجسدها الضخم على صدري حتى تفترق أضلاعي وتغرس أقدامها فيه مفجرة قلبي كبالون بلاستيكي محمل بالدماء، ترى هل حقاً سيصدر صوت فرقعة؟، أو ربما تحمل قطعة خشبية من الألواح هنا وهناك، فتثبت رأسي دافعة الوتد في محجر عيني ببطء فاقعة إياها لتستمر بنفس الوتيرة الشيطانية مستهدفة مخي ، و لن تتوقف حتى أكف عن الصراخ والغرغرة و حتى يتوقف جسدي عن الرعاش و التشنج، و إن كانت حقاً تكرهني كما قرأت من نظرتها فلن ترضى حتى يخرج الوتد الخشبي من الجهة الأخرى لرأسي ، يبدو أنني أملك عقلاً ماسوشياً جداً ،

فبدل أن يفكر في طريقة للنجاة، أو على الأقل يسرد شريط حياتي أمامي الحقير راح يفكر في عدة سيناريوهات لنهايته كأي عقل بسيط ، ثم تذكرت بأنه مصاب بفرط التفكير، فدعوت له بالشفاء في سري ، مال جسد المرأة للأمام متقدمة أكثر، لأسمع صوت الباب يفتح بقوة لكنني لم أره ، التفتت اليه الأخرى مفاجأة ، أحسست بشيء يلتوي على ساقي ، اشتدت قبضته فجأة لأُسحب من قبله و أُجر بلا اكتراث لإصابتي ، وجدت نفسي خارج البيت لأُرمى على التراب و يستكمل جري عليه أكلاً منه ما استطعت ، وصرخات المرأة المزمجرة تلاحقني بكلمة واحدة :

“لا”.

فُتحت البوابة الخارجية على مصرعيها ، لأتحرر من قبضة مختطفي أو ربما منقذي ، تدحرجت خارجاً و قد بدأ وعيي يعود ومعه الألم، جلست بعد وهلة متكأ على جدار حجري صغير محاولاً استيعاب ما جرا لي ، دبت رعشة أخرى بعد أن سمعت صرختها تدوي في جو الليل مجدداً مخبرة إياي بأن كل شيء كان حقيقياً ، عاد إلي الخوف والتوجس وحاولت النهوض بصعوبة، لتهتز أعراف الشجرة المقابلة لي بعنف ثم تهدأ ، ماذا الآن؟.

“ يا كنود، إياك أن ترجع لهذه الأرض مجدداً ، عقدنا مع عبد القادر ابن احمد ابن عيسى قد انتهاء بعد موته “.

تحدث صوت أحرش غليظ ، لم ألمح صاحبه لكنني لمحت الذراعين الطوليتين المتدليتين من الشجرة، لقد كان الخنزير.

“ أنت محظوظ أنها لم تقتلك بعد أن آذيت أختها بشدة، ابتعد قدر ما تستطيع من هنا، فأنا لن أضمن لك أنني سأنقذك منها مرة أخرى بعد أن تبدأ بمطاردتك ”.

لم أعرف كيف وجدت نفسي و أنا أمشي أعرج في الطريق الريفي ، لألمح أضواء سيارة الإسعاف قادمة في الأفق ، حملوني بداخلها و وجوههم تعجب لحالي الدامية و المغبرة ، كنت قد أخبرتهم في اتصالي بهم أنني سقطت من على جرف عال، لذلك لم يكثروا من الأسئلة.

استيقظت على سرير المستشفى لأجد أختي سمية جالسة بجانبي مطأطأة الرأس ، ذكرت اسمها لتقفز من شرودها وهي تسألني عن حالي و ماذا جرى لي ، لقد كانت عيناها حمراوتين من البكاء، و ها هما الآن تترقرقان مجدداً ، ساعدتني على النهوض والجلوس بعد أن بلطت يدي بالجبس، وفي نفس الوقت دخل أخي مراد وهو محمل ببعض الفواكه، ذلك الرجل لا يفكر إلا في بطنه و يعتقد أن الكل مثله، لكنني كنت حقاً جائعاً.

أعطتني سمية حبة موز و بدأت بتقشير التفاح ، بينما وقف مراد على نهاية السرير أمامي ، ثم تحدث وهو يمضغ :

“ لقد قيل لنا أنك سقطت من على جرف يا عزيز، عن أي جرف يتحدثون ؟ “، أجبته مباشرةً بعد أن عادت إلي ذكريات ليلة أمس :
“لقد كنت أكذب”.

توقف صوت التقشير والمضغ في آن واحد، سألت سمية والقلق باد عليها “ما الذي تعنيه ؟” أجبت “أنا لم أغادر المنزل قط البارحة ، لكنكما لن تصدقاني أو ستعتقدان بأن أخاكم الصغير قد جُن”، لمحتهما وهما يتبادلان في صمت نظرة ذات معنى، التفتت إلي سمية وقالت “لا بأس ، أخبرنا بكل شيء”، فسردت عليهم ما حدث حتى وصلت إلى المرأة الطويلة و وصفت لهما شكلها، لتسحب سمية نفساً و واضعت يدها على فمها و يزداد وجه مراد عبوساً ، بدأت بالارتياب منهما فيبدو أنهما يعرفان شيء لم أعلمه ، لكنني أكملت متجاهلاً ردت فعلهما حتى انتهيت و سكت، أنزلت سمية بصرها نحو الأرض ولم تغادر صبغة العبوس وجه مراد ليقول فجأة في سخط “ عليه أن يعرف حقيقة الأرض وحقيقته”، ارتبكت في تلك اللحظة ليس من كلمة “حقيقة الأرض” فقد بات ذلك واضحاً ، ولكن “حقيقته” حقيقتي أنا.

لن أسرد ما جرى لأن الحدث كان مليئاً بالصراخ والدموع ، وسأكتفي بملخص بما قيل لي ، تُرى هل أبدأ بسر الأرض أم بنفسي؟ … سأبدأ بنفسي

أنا لقيط ، و من حدثاني لم يكونا أخواي الحقيقيان بل من الرضاعة ، وهما في الحقيقة أبناء عمي الذي ناديته طيلة حياتي بأبي ، لم يعرفا كيف توفي والداي لأن أباهما لم يفصح لهم بشيء، وصدفة أو هو القدر، كانت زوجة عمي قد أنجبت فتاة لكنها خرجت من رحمها ميتة ، فأتى بي عمي لها وقبلتني ، وخوفاً من العار الذي سيمس أخاه سجلني تحت اسمه ، كنا نعيش في الخلاء تلك الأيام ولم يعرف السر سوى العجوز التي ساعدت زوجته على الإنجاب ، فأجبرها على أن تقسم على المصحف أنها لن تخبر أي نفس عن ما جرى وأهدى لها بقرة حلوب من أبقاره فرضيت.

 هذا عني ، أما عن سر الأرض فقد أخبراني أنهما لم يعرفاه حقاً إلا منذ عهد قريب بعد أن أخبرهم أبي به ، فقد اشتراها قبل أن يرى أي منا النور، و قد عرف من البداية أن بها أهلها ، فآذوه و أشتد أذاهم حتى ركن إلى عون ساحر، والذي ساعده على عقد صفقة معهم ، لم يعرفا ماهيتها ولا ما شروطها ومتطلباتها، لكن سمية قالت أنها لاحظت أن أباها كان كل ليلة سوداء من آخر كل شهر قمري ينزل إلى القبو وهو يحمل كيساً ثقيلاً مجهول الحمل ، و لا تسمع باب القبو يُفتح حتى يقترب الفجر، ثم حكت لي أنه رغم تلك الصفقة كان سكان الأرض الأصليين يظهرون لهم أنفسهم بين الفينة والأخرى لكنهم لم يؤذوهم مباشرةً إطلاقاً ،

واكتفوا بالكوابيس وتخويفهم بين الفينة والأخرى ، و كان أبي يوصيهم بأن يتجاهلوهم ، ثم سألت عن نفسي وكيف أنني لم أرى أي شيء منهم طيلت حياتي معهم ؟ فأجابت سمية “لا أعلم السبب ، لكن ربما لأنك لم تكن من ذرية أبي ، فهم يكرهونه ويكرهوننا حقاً ، كنت أعرف ذلك كلما ظهرت تلك المرأة و رمقتني بوجها الذي امتلأ بالمقت والغيض ، كانت هي الأفعى التي لم تستهدفك بسوء لكنها قتلت قطتي لكي تأذيني أنا، رأيتها في الحلم وهي تعدني بذلك قبل أن حدث ما حدث”.

لن أستطيع التعبير عن شعوري في تلك اللحظة، لقد كانت أحاسيسي خليطاً غير متجانس من الكره والحب والشفقة والرعب الذي ما زال عالقاً منذ ليلة أمس ، لكنني لم استطع أن أمقتهما فهما … فنحن أخوة سواءً بالدم أو لا ، لم أقر لهما بذلك لكن قلبي سامحهما في الحين ، فهما كل ما تبقى لي في هذا العالم .. عائلتي.. وكذا والداي الحقيقيان وأمي وأبي اللذان ربياني مستغفراً لهما أثم تبنيهما لي.

عدت إلى الغربة وقد اتفقنا على بيع الأرض، عرضت حصتي منها بنصف سعرها على الموقع الإلكتروني ، كاتباً في خانة الملاحظات.

ملاحظة : البيت مسكون.

اشتراها مني رجل بكل سرور، تقابلنا و نبهته عن كل ما يحتاج التنبيه مؤكداً على أن يحترم سكانها وأن لا يقتل أي حية حتى ينذرها ويمهلها ثلاث ، و إن أمكن أن يستعين بخدمة راق شرعي في القريب العاجل ، لكن ابتسامته لم تنزل و لو للحظة فهو لم يصدق كلمة مما قلته ، على كل حال أعطيته المفاتيح مرتاحاً من ثقل ذلك البيت الملعون. اشتريت شقة بما كسبته وحصلت على فرصة عمل بعد مدة قصيرة من تخرجي ، و كأي انسان عاقل بدأ عقلي بمحو كل ما حدث ببطء بعد أن انهمكت في حياتي الجديدة وتلاشت الكوابيس اليومية حتى انعدمت.
مر حوالي الستة أشهر، كنت جالساً أمام حاسوبي في أحد الليالي وأنا أتصفح النت، دخلت لأتفقد أخبار البلاد وحالتها ، لأنبهر بصورة بيتنا في احد المقالات الجانبية.
“اختفاء غريب لعائلة بأكملها من دون أثر”.
لم أقرأ المقال ، فأنا أعرف نهايته تماماً.

لقد حذرته.
 
النهاية ……….

ملاحظة : أرجو أن تزوروا الفصل الأول لكي تتضح لكم أحداث هذا الفصل.

تاريخ النشر : 2021-09-14

مقالات ذات صلة

17 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى