أدب الرعب والعام

الحطاب – الجزء الثاني

بقلم : عطعوط – اليمن

أنت تعرف أني صاحب العقد الكهرمان
أنت تعرف أني صاحب العقد الكهرمان

 
4

بعد أن استعاد الأمانة من شيخ القبيلة اشترى الضياع و شيد القلاع فسعد و أسعد و أنفق وتصدق و خلّف الأولاد و ذاع صيته في البلاد.

مرت السنين فأضحى طوق الحطاب كهل ، أبيض شعره و تقوس ظهره ، أحس بانقضاء عمره و دنو أجله ، ذات مساء تبادل الحديث مع صباح و أخبرها بما يجول بخاطره و أنه أشتاق إلى زيارة قبر أبيه و أمه في مسقط رأسه.
طلبت صباح مرافقته مع بعض الأولاد .

قال : الطريق طويل و شاق و يزداد صعوبة بوجود الرفاق ، لذلك سأذهب بمفردي و تبقي مع الأولاد تنتظري عودتي.
عزم على السفر فأعدت صباح خيل ركوب  وزاد و بعض الثياب ، في الصباح أخذ فأسه ومعوله و خلع نعله و تجرد من ثيابه ، عدى سترة تستره بين ركبتيه والسرة ، فكان شبه عاري الجسد حافي القدمين.

ذُهلت صباح لحالته التي رأته عليها ، فقالت: ما هذا الذي أنت عليه ؟ تركت الخيل و نزعت الثياب و خلعت الخفين .
قال: أليس هذا حالي الذي رأيتيني عليه أول مرة يا صباح ؟ أحب أن أعود إلى أهلي بالحالة التي بها أتيت ، بمعولي و الفأس والحبل .
و دعته صباح بحضور الأولاد و بعض الأسياد.
فسلك الطريق التي منها آتى ، ينتعل الحفاء و ينام في العراء.

بعد عدة أيام و في المساء ساقته الأقدار إلى نفس الكهف الذي بات فيه ليلته الأولى بعد مغادرته مسقط رأسه ، دخل و في احدى زواياه أنزوى ، فتذكر ما دار في هذا الكهف و ما جرى ، حل الظلام فوضع رأسه كي ينام ، فلمح على الشفق ظل على باب الكهف استقام ، استل فأسه والمعول و أستعد للقتال ، فبادر المارد بالكلام : لا تسألني يا طوق من أكون و لا تطيل الكلام ، فأنت تعرف أني صاحب العقد الكهرمان ، لقد استعدته بعد أن أضعته ، أنا التاجر الذي اشتراه فأعدته إلى موضعه بعد أن منحتك ثمنه كي تنعم به .
أخبرني يا طوق ما الذي أعادك بعد طول غيابك ؟.
قال : انتابني شوق لزيارة قبر أبي و أمي و مسقط رأسي .
قال : الكوخ منصوب عامر بسكانه ، والكنز مدفون في مكانه.
و طُمر القبرين بالأعشاب والأشجار و أندثرت عنهما الأثار.
اختفى المارد و بقي طوق في الكهف ، بات ليله بفارغ الصبر منتظر صباحه ، بقي بينه و بين الكوخ رحلة.

أطل على التلال و الهضاب والشعاب فاستعاد ذكريات شبابه ، أحس بأوراق الأشجار تحييه و جداول الماء تناديه ، و صخور البازلت الصماء الملساء تبتسم لقدومه ، و تروغ التربة تحت قدماه مرحبة ، و كلما اقترب من الكوخ زادت سعادته .

شعر أنه ولد من جديد و أن هذا اليوم يوم فريد ، وصل باب الكوخ قبل المغيب فوجده كما عهده لم يطرأ عليه جديد ، وجده مبني قائم القوائم بعد أن هده و تركه خراب.
فظهر على باب الكوخ رجل يشبه أباه فناداه : هلم ، وطأت أهلاً و نزلت سهلاً.
فتقدم وأخذ منه المعول و الفأس والحبل .

و قال : افتقدت هذه الأدوات من زمان ، احتاج اليها في جُل الأحيان .
ادخله الكوخ فبادر طوق بالنظر إلى مكان الكنز المدفون الذي استخرج منه عقد الكهرمان زمان و الذي اخبره المار بأنه أعاده إلى نفس المكان.
أجلسه و نادى على زوجته وقال: لدينا ضيف ، أجلبي له حليب الضأن ، شرب و نظر إلى المرآة فإذا بها شبيهه بإمة شبه تام.
أضافاه ثلاثة أيام داخل الكوخ دون أن يسمحا له بالخروج ، بعدها سألاه عن أسمه و وجهته و سبب قدومه ؟.
حكى لهما قصته و أخفى عليهما قصة عقد الكهرمان ، ثم وجه لهما السؤال : من قام ببنا الكوخ بعد أن هدمته ؟.

قالا : تهنا السبيل بعد فرارنا من ظلم وقع علينا من ظالم أخذ حلالنا و نهب أموالنا و قتل أبنائنا ، فنجونا بأنفسنا و لمحنا هذا الكوخ من بعيد ، فأتيناه فوجدناه كما تراه الأن ، فيه كل الأثاث و أبريق الماء وأدوات الطبخ ، و فيه بعض الزاد والغذاء ، فظننا أصحابه في المرعى أو خرجوا لأمرٍ ماء ، فانتظرنا قدومهم كي نحل ضيوف عليهم ، حل المساء فلم يأتي أحد ، فأكلنا بعض الطعام و بتنا فيه نيام ، خرجنا من الكوخ الصباح و حوله طفنا و إلى الضياع القريبة ذهبنا علنا نأنس بأحد ، فعثرنا على قبرين حديثين ، اعتقدنا أنهما أصحاب الكوخ ، و لكن تسألنا عن من قام بدفنهما ؟.

فغلب علينا الظن أنه حدث لهم ظلم مثل الذي حدث لنا فدفنوا قتلاهم و فر الباقون ، فخطر لنا سؤال أخر اذا كان الأمر كذلك فأين هم المعتدون الظالمون ؟.

فتجاهلنا الأمر و عدنا نحو الكوخ ، و قبل وصولنا شاهدنا نمر أتي من فج الوادي حاملاً في فمه غزال ، خشيناه واختفينا خلف شجرة و راقبناه ، فوصل باب الكهف و حط الغزال وعاد من حيث أتى ، فوصلنا و وجدنا الغزال لا زال ينبض بالحياة ، فذبحناه و سلخناه و على النار أنضجناه ، فكان غداءنا و عشاءنا ، فاستمر على هذا المنوال في كل يومان يأتينا بغزال ، فطاب مقامنا في هذا المكان و فيه أنجبنا أبننا هذا ، يجمع الحطب و يذهب بها إلى مفترق الطرق فيبيعه للمارة.

نظر طوق إلى الأبن و طلب منه أن يصحبه إلى قبر أبيه و أمه.
فأوصله إلى المكان ، فأزاح الأعشاب و الأشجار و أعاد ترتيب الأحجار ، ثم استلقى على ظهره بين القبرين بعد أن أبتهل إلى المولى بالدعاء ، فوضع يده اليمين على قبر أبيه و اليسرى على قبر أمه ، فاغمض عينيه ، انتظر الابن قيامه فطال انتظاره ، فناداه : حان وقت العودة و دنت الشمس على المغيب ، فلم يجيب ، أقترب و وخز قدمه بعود حطب فوجد جسده قد تصلب ، رفع رأسه و جس أنفاسه و نبضه فوجده قد فارق الحياة.
 
تركه و عاد مسرعاً إلى أبويه ، فحضرا و حملاه إلى الكوخ و غسلاه و كفناه و إلى جوار أمه و أباه دفناه .
رحمت الله تغشاه ، هكذا سنة الحياة. 
رعى الله من قرأ و أثاب من علق و أحسن إلى من نشر و دقق ، و سلم من سلم الناس لسانه و يده ، و غفر لمن سمى و أستسمى و على النبي صلى.
 
ملاحظة : الحلقة المفقودة من قصة الحطاب
التاجر الذي اشترى عقد الكهرمان
 

تاريخ النشر : 2020-11-30

عطعوط

اليمن

مقالات ذات صلة

5 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى