ألغاز تاريخية

الذين ذهبوا .. ولم يعودوا

بقلم : يسري وحيد يسري – مصر
للتواصل : [email protected]

حوادث اختفاء اثارت الكثير من اللغط والحيرة
حوادث اختفاء اثارت الكثير من اللغط والحيرة

“كل ضباط السفينة ماتوا… كل طاقم السفينة ماتوا… مات القبطان” ..
“انا اموت” ..

كان ذلك النداء المرعب في يونيو من عام ١٩٤٧ هو السطر الأول في واحدة من أكثر ملاحم البحار رعبا، ملحمة ستبدأ بالرعب و الغموض وستنتهي بالغموض والرعب وما بينهم ألغاز لا حصر لها تكفى لردم خندق ماريانا ..

مرسل النداء كان سفينة الشحن الهولندية (اورانج ميدان) التي كانت تبحر بالقرب من سواحل مدينة ميدان الاندونيسية في طريقها من الصين الي كوستاريكا، هنا التقطت محطات الإرسال الهولندية و البريطانية إضافة إلى بعض السفن المحيطة باورانج ميدان نداء الاستغاثة ، كانت أقرب السفن إليها سفينة الشحن الأمريكية سيلفر ستار (النجمة الفضية) التي انطلقت إليها كالسهم وهناك وجدوها تقف في صمت مهيب.. وسكون ابدي.

لم يضيع بحارة النجمة الفضية الوقت ليقرر قبطانها الصعود الى سطح (اورانج ميدان) لتقصي ما حدث… وهناك كانت تنتظرهم الصاعقة.

blank
لم يكن هناك أي آثار للدماء

على سطح (اورانج ميدان) كانت تنتشر جثث طاقم السفينة بلا استثناء حتى الكلب المرافق لهم وجد ميتا، حتى الشخص الذي ارسل نداءات الاستغاثة وجد ميتا فوق جهاز اللاسلكي، نعم الرسالة كانت صادقة لكن الحقيقة كانت مروعة لم يكن الموت وحده هو العامل المشترك بين طاقم السفينة ثمة شئ اخر… كان رعب هائل يرتسم على الوجوه والعيون جاحظة في فزع ترمق السماء واياديهم مفرودة أمامهم وكأنهم يشيرون الي شيء ما .. حتي الكلب كان الخوف يبدو على ملامحه.

لم يكن هناك أي آثار للدماء… لا وجود لأي عطب في السفينة يمنعها من مواصلة الابحار… لا شئ يدل على القراصنة، كما احس بحارة النجمة الفضية ببرودة شديدة كانت على النقيض من الطقس خارج السفينة الذي كان معتدلا في ذلك اليوم.

إزاء ذلك الموقف الرهيب لم يجد قبطان (النجمة الفضية) سوي سحب (اورانج ميدان) الي المرفأ وهناك يحين وقت البحث عن الإجابات لكل ما واجهوه ، لكن (اورانج ميدان) زينت ما حدث بلغز جديد فلم تمهلهم لفعل شئ سوي الهروب من على متنها فقد اندلع خيط من النار أسفل السفينة فجأة… ومن ثم اشتعلت السفينة ومن ثم انفجرت ومن ثم غاصت الي القاع… الي الأبد.
لكن ذلك لم يمنعها من الابحار مجددا في محيط عظيم من التساؤلات على يد المحقق البريطاني (روى بينتون) الذي يعمل بمجلة Sea breezes فبعد سنوات عدة على غرقها الغامض بدأ (روى) في تحقيقاته… وهنا بدأت المفاجأت تتوالى ففي حين بدأ بحثه في السجلات البحرية، وجد انه لا توجد سفينة اسمها (اورانج ميدان) على الإطلاق بل وهناك من قال ان اسمها ليس (اورانج ميدان) وانها استمدت ذلك الاسم من غرقها امام سواحل مدينة ميدان وتعني كلمة اورانج بالاندونيسية الرجل وان اسمها الحقيقي مجهولا وسيظل كذلك .. كانت تلك نتيجة قاصمة تكفى لدحر جهود الرجل تماما وان يتوقف من حيث بدأ، لكن (روى) لجأ الي حيلة ذكية فقد نشر نداء بمجلة Sea breezes لمن يملك اي معلومات يمكن أن تفيده في القضية لتأتي الحيلة ثمارها فقد ارسل اليه بروفيسور ألماني يدعي (ثيودر سيردوفر) وصف نفسه بأنه موسوعة السفن الغارقة ملفا به مذكرات بحار يدعي (اوتو ميلك) كان يقول في مذكراته انه يعتقد بأن (اورانج ميدان) كان تحمل شحنة من المواد السامة، ليلتقط (روى) هذا الخيط فيبني عليه نظريته، تلك النظرية التي ستزيح القليل من الغموض بينما ستبقى على الكثير… والكثير جدا.

blank
هل كانت السفينة تحمل غازات سامة؟

يعتقد (روى) بأن السفينة كانت تحمل غازات سامة لقمع اضطرابات المسلمين في إندونيسيا التي كانت تحت الاحتلال الهولندي انذاك ونظرا لتوقيع هولندا ضمن ٣٣ دولة على اتفاقية جنيف لحظر استخدام الغازات السامة التي تلت الحرب العالمية الثانية كان لابد من طريقة للهولنديين تتنصل بها من استخدام ذلك السلاح ، ويتمادي قائلا ان ما انتجته الوحدة ٧٣١ اليابانية تحت إشراف العالم شيرو ايشاي وجد طريقه الي يد المستعمر الهولندي خصوصا بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وهنا لجأوا اي الهولنديين الي محو السفينة من سجلات البحرية… تماما.
واثناء ابحارها حدث تسرب من احد البراميل تسبب في اختناق الطاقم ومن بعدها انفجار السفينة.

صحيح هذه النظرية قد تبدو معقولة الي حد كبير وتجيب عن لغز اختفاء السفينة من السجلات البحرية، لكن المنطق هو المنطق… ماذا عن هيئة طاقم السفينة (اورانج ميدان) وقت صعود بحارة (النجمة الفضية)على سطحها؟ لماذا بدا عليهم الرعب وهم ينظرون جميعهم الي السماء واياديهم مفرودة وكأنها تشير الي شئ نعجز عن رؤيته؟ من أين أتت البرودة الشديدة على سطح (اورانج ميدان) على الرغم من اعتدال الجو وقتها خارج السفينة؟
على الأرجح انهم ماتوا بسبب الرعب من شئ ما… وليس بسبب الاختناق.
كم من فرضيات ستساق… وكم من أسئلة ستطرح…
الشئ الوحيد المؤكد ان كل ما يتعلق بما حدث لطاقم اورانج ميدان سواء كان اسمها ام لا…. سيذهب ورائهم…
أولئك الذين ظهروا من العدم…. والذين ذهبوا الي العدم

قرية (سوموتو) قرية من قرى افريقيا تقع في شمال الكونغو، ذلك البلد الذي استنزف الغرب ثرواته… قرية لا يميزها شئ على الإطلاق، لا الفقر.. ولا المرض.. الذين أصبحوا مكون من مكونات البيئة الأفريقية.
لكن كان ذلك قبل أن تصير السماء أرضا والأرض سماءا.. ففي صباح الأول من فبراير عام ٢٠٠١ وصلت احدي بعثات الامم المتحدة الطبية الي القرية وكان كل شئ أمامهم على مايرام.. لا شئ يدعو للريبة.. اطلاقا، بإستثناء شئ واحد فقط…
شئ سيميز تلك القرية من وإلى الأبد…
اختفاء سكان القرية…
كانت البيوت نظيفة… والطرقات خاوية… حتى المواقد مشتعلة وكأن حالة الاختفاء تمت قبل وقت وجيز من وصول البعثة، لا وجود لاثار دماء.. لا وجود لاثار عنف.. مما ينفي وقوع الاختفاء على يد المتمردين إضافة إلى وجود قري مجاورة لسوموتو نفوا وقوع هجمات للمتمردين.
اختفى السكان..لكن علامات الاستفهام حلت مكانهم…

blank
كل شيء على حاله لكن لا اثر للسكان

شئ من هذا حدث في منتصف الخمسينات حيث وردت انباء لحكومة البرازيل بإختفاء ٦٠٠ مزارع من مستعمرة (هولرفيردا) هم كل سكان المستعمرة، ومستعمرة (هولرفيردا) أسستها حكومة البرازيل كجزء من مشروع يهدف الي استيطان الأمازون وأعطت المزارعين اراض مجانية ومزايا اقتصادية أخرى.. قبل ان يحدث ما حدث..
حينها أرسلت الحكومة البرازيلية بعثة لتقصي ماحدث..
لكن لاشئ على الإطلاق…
وكانت تللك الحادثة الغامضة حكما بالإعدام على مشروع استيطان الأمازون… وعلى أي منطق.
ولازالت الاختفاءات الغامضة تؤرق العالم…
الكل يتسابق لوضع تفسير منطقي.. غير عالمين بأن المنطق له حدود مما نملك من العلم والمعرفة…
وما يحدث يتجاوز العلم ويتخطي المعرفة…
كانت تلك قصتين من قصص الذي ذهبوا…ولم يعودوا…
فقط تركوا ورائهم… قصتهم المثيرة…
وشئ من الرهبة… والكثير من الخوف.

لكن حتى الرهبة والخوف لا يمكنهم ان يصفوا ما حدث بعيدا… في المحيط الاطلنطي.
ففي عام ١٩١٨ تم تخصيص السفينة يو اس اس سايكلوبس التي تخدم بالبحرية الأمريكية لخدمات النقل التابعة للبحرية، وكانت مهمتها إعادة تعبئة الوقود للسفن البريطانية المتمركزة بجنوب المحيط الاطلنطي خلال الحرب العالمية الأولى، لتبحر السفينة من ريو دي جانيرو في ١٦ فبراير نحو بالتيمور الأمريكية، تخللت الرحلة استراحة ليوم واحد فقط في باربادوس لتبحر من جديد في ٤ مارس، ليبدأ في ذلك اليوم فصل جديد من ألغاز ما وراء البحار، فبعد الابحار من باربادوس، اختفت سايكلوبس تماما، اختفت في مكان ما من مثلث برمودا، ولم يسمع بها احد بعد ذلك.

blank
سفينة يو اس اس سايكلوبس

السفينة العملاقة التي تبلغ حمولتها ١٢٥٠٠ طن وطولها ٥٤٠ قدما وعرضها ٦٥ قدما، اختفت هكذا.. دون أي أثر للسفينة او الثلاثمائة وتسعة أشخاص الذين كانوا على متنها.

أثارت الحادثة ذهول الجميع، إذ كانت سايكلوبس تبحر في جو مثالي فلا وجود لظواهر طبيعية كالعواصف المدمرة و الأمواج العاتية لتشكل خطرا عليها، ما زاد من الحيرة ان سايكلوبس لم ترسل اي نداء استغاثة، فما الذي حدث للسفينة حتى لا يبعث طاقمها بنداء استغاثة واحد على الاقل؟

حاولت البحرية الأمريكية بشتى الطرق معرفة المصير الذي حل بسايكلوبس..
لكن لاشئ دل على شئ..
حاول البعض تبرير الحادثة بأنه نتيجة هجوم معادي من غواصة ألمانية لكن عدم َوجود اي أثر للحطام دحضها تماما.

وهنا حاول البعض إلصاق ما حدث للقبطان جورج دبليو ورلي حيث ظهرت نظرية تزعم بإن القبطان جورج ولد في ألمانيا بإسم يوهان فريدريك ويخمان وغير اسمه بعد هجرته إلى الولايات المتحدة ولانه كان مؤيدا لألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى فقد حول وجهة السفينة الي ألمانيا، لكن لاشئ دعم تلك النظرية.

لقد كانت تلك الحادثة هي الأكبر في تاريخ البحرية الأمريكية من حيث الخسائر البشرية.
اختفت سايكلوبس لكنها ما زالت تبحر في عقول محبي الماورائيات، لكن ليست سايكلوبس وحدها من تبحر في عقول محبي الماورائيات فالقائمة لازالت تزخر بالكثير والكثير من ضمنها السفينة إلين اوستن.

blank
من اشهر حوادث الاختفاء في مثلث الرعب

بينما كانت إلين اوستن سفينة البضائع الأمريكية تبحر بالقرب من مثلث برمودا الرهيب عثرت على سفينة أخرى مهجورة ولتحري ما حدث لتلك السفينة ارسل قبطان الين اوستن فريقا لاكتشاف السفينة المهجورة لينقطع الإرسال بالفريق بمجرد الهبوط على سطح السفينة وإزاء تلك الحيرة ارسل القبطان فريقا ثانيا ليحدث معه الأمر ذاته… وينقطع الإرسال..
ولم يمض وقت طويل حتى انقطع الإرسال بالسفينة ذاتها… دون أن تترك أدنى أثر.

البعض يحاول تسلق الحقيقة للوصول إلى ماحدث. َهذا ليس منطقيا، فالحقيقة لها رصيد علمي ومعرفي وبما ان مايحدث يتخطى كل الأرصدة العلمية َوالمعرفية والمنطقية، اذن فهناك حلقات… وحلقات مفقودة تفصلنا عن حقيقة ما جري..

اذا كان ما حدث في الكونغو والبرازيل يحمل شئ من الرهبة والكثير من الخوف..
فما حدث للسفينتين سايكلوبس… وإلين اوستن..
اثبت بما يسحق اي ذرة شك..
ان الحقيقة قد تتسع للخرافة…
قد تتسع إليها كثيرا

كلمات مفتاحية :

– The SS Ourang Medan
– Ghost ship
– USS Cyclops

تاريخ النشر : 2021-05-12

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى