أدب الرعب والعام

الساحرة

بقلم : حوريه الحديدي – مصر

شعرت بالقوة تسري في عروقي وتندفع من أناملي، وتشكل حاجزًا شفافًا أمامي
شعرت بالقوة تسري في عروقي وتندفع من أناملي، وتشكل حاجزًا شفافًا أمامي

سمعت سابقًا أن أصعب ما يشعر به الإنسان هو الحب والكره؛ فهم يعتبرونها أقوى المشاعر التي تُهلك الروح، وتلتصق بالإنسان ولا تفارقه إلا بموته، ولكن يبدو أنهم لا يعرفون شيئًا عن حياة أمثالي؛ فبالنسبة لي أصعب شعور على الإطلاق هو أن تتجرد من هويتك وتتجاهلها وتتخذ من هوية أخرى ثوبًا لك، و المعاناة الحقيقية تكمن في كون هذه الهوية المزيفة سطحية سهلة الكسر؛ فمهما حاولت الاحتفاظ بها أجد ذاتي تنظر من وراء الستار الذي صنعته ليحجبها، وفي النهاية الخطأ حتمي والحقيقة كالشمس لا يمكنك تخبئتها لوقت طويل.

أتذكر أن حكيمًا قد قال يومًا أن ثلاثة أشياء دائمًا ما يظهروا للعلن: الشمس، والقمر، والحقيقة. الحقيقة قد ظهرت، ولكن على عكس كل ما تخيلت وتوقعت لم يبدأ اليوم بالعواصف والغيوم أو الصراخ والنحيب، بل كان يومًا لطيفًا جميلًا، حيث ذهبت برفقة أخي إلى السوق للتسوق و التنزه قليلًا خارج المنزل.

تركني في إحدى المتاجر أشتري ما أريد وذهب ليقابل رفاقه، وأخبرني أين سأجده حين أنتهي. وأنا من ظننت أنه أراد أن يأخذني للتنزه! اتضح أنه يريد رؤية رفاقه، ولا يريدني أن أبقى وحدي بالمنزل. في النهاية كان يمكنني أن أبقى برفقة المربية أو الطاهية، لابد أنه أراد أن نمضي ولو قليلًا من الوقت سويًا.

انتهيت من التسوق، وذهبت إليه. كان يجلس مع رفاقه على سطح منزل أحدهم. وصلت إلى المنزل، وقبل أن أدلف للداخل نظرت للسطح المائل الذي يجلسون عليه، وكان أخي يجلس على الحافة، لم يعجبني الأمر؛ فلا يعلم أحد ما قد يحدث وربما يسقط أو شئ من هذا القبيل، فعقدت عقلي أن أحدثه بهذا الشأن مساءًا.

كدت أدق الباب، ولكن صرخة لصوت أعرفه شقت السلام الذي كان يعتريني. وجدت أخي يترنح من المبنى، ويكاد يسقط عنه إلى هاوية الموت، ولا يمنع هذا المصير الأسود سوى يداه المتشبثتان بخشب السطح. لم يمسك أحد من رفاقه بيده، ولم يساعده أحد ليصعد، بل وجدتهم ينزلون وتعلو وجوههم نظرات واجمة، ما الذي أنزل هؤلاء؟ هل سيتركونه ليموت؟

ركضت إليهم وصرخت بهم “ساعدوه بالله عليكم. لا تدعوه يسقط، لا أعرف عائلة سواه” ربتوا على كتفي بوجوه عابسة ولكن لم يحركوا ساكنًا، سوى انتظار الفراش السميك الذي أرسلوا أحدًا ليجلبه. حاولت دخول المنزل لعلي التقط يداه قبل أن تسقطا عن الحافة، ولكن أوقفوني ولم يسمحوا لي بحجة أن المنزل أصبح خطرًا، فكيف سيدخلونني إليه وقد أخرجوا جميع ساكنيه. وقفت عاجزة لا أعرف ما أفعل لا يسعني سوى البكاء والصراخ، وجسدي يرتجف خوفاً؛ فليس لي سواه ولا أحتمل فراقه، هو العائلة الوحيدة التي حظيت بها، والرفقة الوحيدة التي وثقت بها، وإن لم يكن لأجله لرحلت لمكان لا بشر فيه أبدًا.

  مرت دقائق معدودة ومازالت يداه تتحملانه ولا تتخليان عنه، أما الآخرين فيحاولون جلب شيئًا لينًا لا يكسر عظامه. لم تعد ي اه تتحملانه، وقبل أن يحضروا هذا الشئ كانتا قد أفلتتا الحافة وقد سقط إلى ما يبدو موتًا حتميًا

كانت الثواني تمر ببطئ، وكأن سقوطه يأخذ سنوات وشعرت بقلبي يحترق فيها، ودون أن أدرك ما أفعل وجدت يداي ترتفعان وتشيران إليه وشفتاي تتمتمان بكلمات قليلة بخفوت، وقد وضعت كل ما لدي من قوة وإرادة في الكلمات القليلة التي نطقت بها. فتجمد في مكانه قبل أن يصل للأرض، وقد أنزلته إليها بهدوء وبطئ، وركزت قوتي ألا يسقط ويصطدم بعنف بالأرض حتى لا تتلقاه هاوية الموت. حين اطمأن قلبي أنه وصل بسلام أفلته وانطلقت إليه أعانقه بقوة وكأنها آخر مرة أعانقه.

شعرت بألم قلبي يهدأ ودقاته تعتدل وأنا أحيطه بذراعاي، وأشعر بقلبه ينبض بقوة داخل صدره. ولكنني كنت كالنائمة التي لا تعي ما يدور حولها، وما فعله أو بالأحرى ما لم يفعله قد كان بمثابة صفعة حادة أفاقتني من حالة الخدر وغياب الوعي التي كنت أمر بها. لم يبادلني أخي العناق.

ابتعدت عنه رويدًا ونظرت إليه. لم أعرف نظرته إلي، ولم تُسكن عينيه قلقي كما كانت العادة؛ لأن لأول مرة كان يحدق في بهذه النظرة كأني مخلوقًا غريبًا لا يفهمه، كأني لست شقيقته الصغرى التي كثيرًا ما أخبرني كيف وعد أبي على فراش موته أن يهتم بها، كان ينظر إلي كأني أمرًا لا يدركه أبدًا.

“كايتلين، ما هذا الذي حدث؟” سألني وقد أصبحت عيناه تشبه عينا الثعلب المكار، وهذه نظرة أعرفها جيدًا، فهي تعتلي وجهه حين ينوي أن يحصل على شئ ما لنفسه. أصابني الرعب مجددًا، وقد تمنيت أن يكون ما أظن خاطئًا

ابتعدت عنه بضعة خطوات، ولاحظت أن الجميع حولي ينظرون إلي، وقد بدأت تُستبدل النظرات الدافئة الهادئة بأخرى باردة يكسوها الكره وتغلب عليها القسوة. ولاحظت كيف تتحرك إيديهم ببطئ خلف ظهورهم، ثم تلمع بما يبدو أدوات حادة كسكين المطبخ والخناجر.

شعرت فجأة بغصة الإدراك في حلقي، وقد أُثقل كاهلي بالسنوات الطويلة التي اختبأت فيها عن أعينهم أمامهم، وحاولت أن أتحكم بهذا السحر قدر الإمكان، فقوتي كانت تزداد يوما بعد يوم وكان هذا يصيبني بالرعب والفزع، فأنا أعي جيدًا ما يفعلون بمثلي من الساحرات: يقيدوهن ويحرقوهن على الأوتاد، ولكن أقسم أنا لم أؤذ أحدًا قط لينتهي بي المطاف هكذا.

بالرغم من أن الكره كان يملأ أعينهم، فالصدمة كانت تغزوها كذلك، فلم يظن أحدًا أن كايتلين الصغيرة يمكن أن تخبئ سرًا كهذا، ولكنهم من أجبروني على هذا الأمر، و مازالوا يجبرونني أن أفعل أشياء تزعجني ولولاهم ما أقدمت عليها قط.

تركت لقدماي العنان تجاه الغابة الشرقية التي كثيرًا ما كنت أحاول أن أتدرب فيها على التحكم بسحري، ولكن في النهاية كانت جهودي تنتج فائدة ضئيلة لا تتناسب مع مقدار المجهود قط، فلو أجدت استخدام السحر ما احتجت للركض على قدماي بينما رجال البلدة بأجمعها يطاردونني ويرمونني بالسهام التي لا أدري كيف لا تصيبني.

استطعت أن أختبئ وأجعلهم يفقدون أثري و يعودون خائبين بسهولة؛ فلا يعرف أحد هذه الغابة أكثر مني بأشجارها المجوفة لصنع الكهوف والمخابئ، و الكهوف التي تكاد أرض الغابة تبتلعها حتى لا يظهر منها فوق الأرض شيئا؛ لأنني كثيرًا ما تجولت بها، وبين أشجارها علمني أخي كيف اهرب من أي عدو مهمن كان، وكنا دائمًا نتسابق بين أشجارها العالية.

حين رحلوا استطعت التمهل والإبطاء قليلا في تقدمي، فقد اخترت العبور إلى آخر الغابة؛ فيوجد هناك كهف قد يأويني بضعة أيام حتى أجد طريقة تمكنني من العودة للبلدة دون أن أكون مطاردة. علي أن استميلهم إلي بشكل ما وأجعلهم يصفحون عني؛ فلا أستطيع الذهاب من هنا وترك أخي أبدًا.

أعلم جيدًا أنه لن يخرج منها ولو طاردوه نفسه، فلا يريد ترك منزلنا أو الأرض التي نملكها، فنحن لا نملك غيرهما يساعداننا على المعيشة، وبدونهما لا نملك شيئًا يحمينا من العالم. إن كان يطيعني و يرافقني إلى غيرها لأدرت ظهري وما نظرت إليها مجددًا

وقفت جوار إحدى الأشجار، وأفرغت حقيبتي من الجوارب و القفازات التي اشتريتهم من السوق، وبدأت في قطف التفاح و الثمار التي على الأشجار ووضعهم في حقيبتي، وقد وضعتني عملية القطف في حالة استرخاء من التوتر والقلق اللذان أصابنني، كأن عقلي قد اختار أن ينسى الكارثة التي وضعتني بها، فقد تذكرت تجولنا في الغابة لأيام متواصلة والنوم في خيمة قماشية في الليل، حينها كنا نأكل الثمار التي تتدلى من الأشجار والحيوانات التي نصطادها.

وصل استرخائي لأني بدأت أغني بكلمات قد ألفناها سويًا، حتى أني لم ألحظ وجود أحدهم بين الأشجار، أو السهم الذي أطلقه تجاهي وتفاجئت به يخدش وجهي قبل أن يصطدم بالشجرة التي أقف جوارها. بتلقائية وجدت نفسي استدر خلف الشجرة بعيدًا عن قناصي والتقط السهم الذي كاد يصيبني من الشجرة.

انتزعته من الشجرة فربما أجد به شيئًا يخبرني هوية هذا القناص، دون أن أجازف واخرج رأسي من خلفها. انتظرت عدة ثوان أستمع بإنصات إلى أصوات الغابة، لم أسمع قدميه تتحركان في أي مكان، أي أنه ينتظرني أمد رأسي إليه لأعرفه أو أراه أو حتى أتأكد من مكانه ليصوبني مجددًا. نظرت إلى السهم ووجدت شعارًا منقوشًا عليه، شعارًا كنت قد رسمته لأول مرة بنفسي.

شعرت بالدماء تتجمد في عروقي من الصدمة، ولوهلة شعرت أن عقلي توقف عن العمل، وتبددت من أمامي الحياة بأكملها، ولم يبق إلا أنا وهذا السهم ومن قذفني به. كنت أحدق في الشعار المنقوش في السهم كأنني أريد التأكد مما أرى، وبالفعل لابد أن هناك خطأ ما فهذا أشبه بالمستحيل.

حدث ما يريد هذا الرجل بالضبط، بل حدث أكثر مما كان يتمنى، فلا آبه بالأسهم التي يمكن أن يصيبني بها، فلو كان ما أظنه حقيقة فالسهم قد أصاب قلبي بالفعل وأرداني صريعة. خرجت من خلف الشجرة ووقفت أمامه أحدق به ولا أستطيع إدراك ما ما تراه عيناي، كيف يُعقل هذا؟

“أخي؟ مارسيل هل هذا أنت؟” كان صوتي خافتًا، حتى ظننت أنه لم يسمعني، ولكن صوته العالي قد وصلني “أجل، لِم تبدين متفاجئة؟ اليوم هذا دوري فأنا من اكتشف أن شقيقته الذي عاش برفقتها خمسة عشر عامًا تخفي عنه سر كهذا”.

بالتأكيد يشعر بالغضب فأنا أخفيت هذا الأمر حتى عنه، إنه يشعر بالإهانة لأنني لم أثق به فحسب. لابد أنه قصد ألا يصيبني. بالطبع لم يفعل، فأخي رامي سهام جيد لو أراد قتلي لكنت ميتة بالفعل.

اقتربت منه، وقد تبدد قلقي قليلًا، وقلت رجفة جسدي، وقد ابتلعت غصة في حلقي كانت تخبرني أن الأمر ليس كما أظنه فتخلصت منها، “أعلم أنك غاضب، لك كل الحق في هذا، ولكن أنا لم أرد أن أثقل كاهليك بعبئ هذا السر؛ فلا تعلم كم يصعب أن أخفي أمرًا كهذا” كان صوتي مرتجفًا متوترًا وكلما تقدمت في حديثي زاد توتري مجددًا، فعينيه مازالتا تنظران إلي بطريقة لا تشبه مارسيل أبدًا.

“هل حقًا لهذا السبب أخفيتي هذا الأمر عني، أم لتخفي ما كان أعظم؟ أخبريني كيف اكتشفتي أن هذا السحر يجري في دمك؟ كم شخصا قتلتي وانت تتدربين حتى تستطيعين تقديم عرضًا بهذه القوة؟”، شعرت بحلقي يجف، وصرت غير قادرة على الحديث. لا يصدر مني غير اهتزاز رأسي يمينًا ويسارًا رفضًا ما يقول.

شعرت بالدموع تتجمع في مقلتاي، وحاولت تجاهلهم؛ فهذا ليس وقت البكاء، بل يجب أن يعلم أني لم أخطئ قط.” لا.. انا.. انا لم أفعل قط.. قط.. ثم.. ثم أنك رأيت بنفسك..صحيح؟..ألم تفعل؟ أنا ساعدتك لم أؤذك ولم أؤذ أحدًا” كنت أتلعثم لا أدري ماذا أقول أو كيف أقوله؛ فلم أظن قط أنني سأحتاج أن أدافع عن نفسي عن هذا الأمر أمامه.

“ربما، وربما انت تكذبين وتخفين المصائب التي تسببتي بها، نحن لن نعلم أبدًا لذا يجب أن نتوخي الحذر” سحب سهم آخر من حقيبة الأسهم المعلقة بظهره. جفلت لحديثه، وتراجعت للوراء وقد وضعت يداي أمامي تلقائيًا في وضع الدفاع، “مارسيل، إنه انا كايتلين، هل حقا تريد قتلي؟ كيف وانا عائلتك الوحيدة؟ أنا أختك”.

” ربما، وربما لا فلا نعرف أبدًا سبب امتلاككم لتلك القوى. ربما لأنكم لستم بشرا مثلًا؟ من يعلم؟ يمكن ألا تكوني شقيقتي في النهاية، فوالداي كانا من البشر حتمًا وانت لا تشبهيننا فأنت ساحرة”

” ما الذي تقوله هذا مارسيل؟ أنا شقيقتك، هل تدير ظهرك إلى؟”

” ثم لِم تضعين يديك هكذا؟ هل حتى تُجرين سحرك علي؟ “
أخفضت يداي سريعًا، وقبل أن أتمكن من الرد وجدته يضع السهم في القوس استعدادًا لإطلاقه، فوجدت نفسي أركض مجددا بين الأشجار ودموعي تبلل وجنتاي، ولا أستطيع أن أتوقف عن الصراخ كلما مر سهم من جانبي.

هذه الأشجار كثيرًا ما شهدت ركضه خلفي، وأنا أصرخ بدلال وأضحك من بين صرخاتي حين يمسك بي، ونسقط كلانا على الأرض، ولا نستطيع أن نتوقف عن الضحك أو استعادة وتيرة تنفسنا إلا بعد دقائق. وشهدت أحاديثنا الطويلة التي كنا نقوم بها بينما نسند ظهرينا إلى الأشجار، ربما هذه الشجرة التي أمر بها، أو تلك التي تمسكت بها ألهث غير قادرة على التنفس حتى جاء سهمه سريعًا متجهًا إلي، مما دفعني للركض مجددًا بحثًا عن النجاة.

مازلت أرى خطى أقدامنا منذ المرة السابقة التي كنا بها هنا في الغابة، ومازال صوت ضحكاتي يرن في أذناي جالبًا حسرة إلى قلبي تكاد تقتلني، فقد أصبحت ضحكاتي سمًا تذكرني بالحلم الجميل الذي كنت أعيشه قبل أن أستيقظ لأجد هذا الكابوس يحيط بي.

فجأة لم أعد أسمع خطواته قط، كأنه توقف عن اللحاق بي، فتوقفت في مكاني استمع إلى أصوات الغابة أحاول التقاط كل الأصوات، هل رحل حقًا؟ أو ربما فعل شيئًا ما حتى لا أسمع وقع قدميه؟ آثرت أن أتابع الركض حتى أكون بأمان ولكن بمجرد أن استدرت وجدته خلفي يقفز ويوقعني أرضًا ويقع فوقي. كيف حدث هذا؟! سحقًا!

“،حسنا انت لا تريدني هنا، لقد فهمت هذا جيدًا. سأذهب إذًا فقط اتركني وسأذهب” تحدثت بينما أحكم قبضته على يداي بيديه. “واتركك تفلتين؟ ابدًا، لن يحدث ابدًا” ضحك باستهزاء كأنني أمزح. “لِم؟ لِم لا تتركني أذهب في حال سبيلي فحسب. ألاتشفق علي بعد كل السنين التي قضيناها سويًا! “.

” ربما تكونين خطيرة، أو تعودين لاحقًا تؤذيننا” كان يتحدث كأن هذا أكثر شئ واضح في الوجود. “كلا أبدًا. أنت تعرف أنني بقيت في هذه البلدة من أجلك فقط، وتعلم أني لن أجازف بأذيتك، لقد جازفت لأحميك، ولهذا خاطرت بمطاردتي ولم تقتلني بعد” كأن عقلي بدأ العمل مجددًا، لم يقتلني بعد لأنه يعلم أني لا أمثل خطرا أبدًا، إذا لِم قد يريد مطاردتي وقتلي؟ إن كان من أجل الجائزة فاللعنة عليه وعلي وعلى حياتي بأكملها.

” لِم تلاحقني مارسيل؟ هل من أجل الجائزة التي يضعونها فوق رؤوسنا؟ ” نظرت إلى عينيه مباشرة أحاول أن أجد الحقيقة بداخلها، وللمرة الأخيرة أتمنى أن أجد بداخلهم ما يفتح لي هذا الباب الموصد مرة أخرى، ولكني لم أفعل، بل وُضع قفلا جديدًا يغلقها حين وجدته يضحك ويقول “أنت ذكية كايت، ولكن يجب ألا تظلميني، إنه مبلغ كبير لا بأس به إطلاقًا لرأس ساحرة، وفي النهاية الساحرات لا تجلبن إلا الخراب والموت”.

رأيت إحدى يداه وقد أفلتت يدي وسحبت نصلًا من ظهره، وكاد أن يضعه في بطني. يريدني حية لأحرق على الوتد إذًا؟ حتى لا يريدني أن أحظي بموت سريع! وجدت يدي تلقائيًا للمرة الثانية تمتد وشفاهي تقول نفس الكلمات التي تفوهت بها منذ قليل – وقد فتحت أبواب جهنم لتبتلعني- وبكل ما تبقى لدي من قوة علقت يده في الهواء لدقائق قليلة، حتى تمكنت من تحرير جسدي، والركض قليلًا. وسمعته يلاحقني مرة أخرى.

اقتربت من حافة الغابة، ويجب أن يفقد أثري الآن، وألا يلاحقني خارجها مطلقًا. حاولت التفكير في خدعة أقوم بها تشتت ذهنه وتجعلني أتخلص منه ولكن عقلي بالكاد يعمل الآن.

سمعته من خلفي يناديني “هيا كايت، لا يمكنك الاختباء والركض للأبد. سأجدك مجددًا وسأفوز وأحصل على الجائزة، ليس لأنك ساحرة، بل لأنك ساذجة ولن تستطيعين هزيمتي قط، فأنا أخيك مارسيل” شعرت بالدماء تغلى في عروقي، فهل يتخذ حبي له سبيلًا لينتصر كرهه؟! إذًا فليذهب إلى الجحيم. أنا لن أعيد نفس الخطأ مجددًا لقد فضلته على نفسي المرة السابقة والآن أدفع الثمن، أما هذه المرة فليذهب هو وبلدته اللعينة إلى الجحيم، وأذهب أنا إلى الحياة التي تنتظرني خارج حدود البلدة.

وقفت ورفعت يداي في الهواء واغمضت عيناي وتمتمت بالكلمات التي تعلمتها منذ بضعة أيام فحسب. شعرت بالقوة تسري في عروقي وتندفع من أناملي، وتشكل حاجزًا شفافًا أمامي يخفى عن من وراؤه من أمامه. الآن لن يراني أبدًا ولن يرى إلى أي اتجاه ذهبت؛ فعندما يتبدد هذا الحاجز سيكون قد فات الآوان وسأكون في منزلي الجديد.

تاريخ النشر : 2020-09-27

مقالات ذات صلة

5 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى