أدب الرعب والعام

القلادة الزرقاء

بقلم : اندرو

ما زالت ابتسامتك الجميلة لا تفارق ذكراي ، فروحي قد دُفنت معك و بقي جسدي هنا
ما زالت ابتسامتك الجميلة لا تفارق ذكراي ، فروحي قد دُفنت معك و بقي جسدي هنا

 
تأرجحت على انغام الحزن ، تشبثت بقوة بحبل اليأس ، عبثت مع القدر لتحيك لنفسها ثوب الألم ، و رقصت به متمايلة على أوتار الوجع.
 
١٩٤٩م.
 
أبعدت خصلات شعرها و أضعتها خلف أذنها ، نظرت إلى المرآة بحنك و هي تقفل أزرار قميصها الأزرق الشفاف ، رفعت رأسها ببطء تمثل دور القوة ، و لكن سرعان ما أخفضته ، فعينيها المتفحمة تكشف كل مرة ضعفها ، فتحاشت المرآة حتى لا تطيل النظر فيها ، فحقيقة كونها منهارة لا تطيقها ، أمسكت بصندوق خشبي قاتم اللون ، وغادرت غير مبالية بروحها المتعبة .
 
السابعة مساء ، شارع لاروستير ، مقهى سيلانتل.

رمقته من بعيد كان يجلس قرب نافدة المحل ، ينظر بعينين شاردة إلى الشارع ، يهز رجليه بعنف و يقضم شفتيه ، لم تكن تتوقع و تفاجأت من توتره الكبير ، توجهت اليه بخطوات كبرياء واثقة “محاوله فاشلة منها في إخفاء حزنها ” ، جلست أمامه لتكتشف تلك البقع السوداء تحت عينيه و شحوب لونه ، كانت أثار تعب التفكير و الإرهاق واضحة عليه .
توقف بدوره عن الهز والقضم  و رمق ذلك الصندوق الذي كانت تحمله بيديها ، ثم أشاح بنظره اليها .

– طلبت القهوة.
قدمت الصندوق ناحيته و قالت :
– أنا لست هنا لشرب القهوة معك ، و أيضاً لدي موعد أخر ، تفضل.
أمسك الصندوق و قال و هو يقطب جبينه :
– ما هذا ؟.
– كل أشيائك.
– أشيائي ؟.
– رسائلك .. هداياك … أشعارك لي ، جميعها هنا.
 
نظر إلى عينيها باسئ :
– على الأقل كنتِ احتفظتِ بها كذكرى لوجودي في حياتك يوماً.
 
حاولت إخفاء كسورها :

– تذكرك حتى و لو بعد مئة سنة و كونك كنت جزء من حياتي سيصيبني بالفشل ، و جئنا إلى هنا لننسى بعضنا لا أن نحيي ذكرى بيننا .
و نهضت تتأهب للمغادرة ، فأمسك بيدها فنظرت اليه لتلتقي عينيها بعينيه ، فأشاحت بوجهها مسرعة ، لطالما كانت هذه البؤرتين العسليتين نقطة ضعفها و بحر تتوه فيه.
 
أزاحت بيدها عنه :
– ماذا تريد ؟.
– لكن…
قاطعته :
– أصبحت الصورة واضحة ، لم يبقى هناك شيء لتكمله .
 
غادرت لتشاهد الذكريات الجميلة تتراءى أمامها و تغادر معه ، كانت تريد العودة و إمساكه من قميصه والصراخ به ” لا تتركني أذهب بهذه السهولة ” ، كانت في كل خطوة تبتعد عنه  تلعن كبريائها العنيد الذي جعلها تدوس على كل شيء أمامها .
 
جثى على ركبتيه في غرفته المعتمة ، وضع الصندوق أمامه و لامسه بأطراف أنامله ، متحسساً بصماتها ، فتحه بخفه و بنظره حزن إلى تلك الرسائل و الخاتم الياقوتي ، أحتضن الأشياء بحرقة لعل رائحتها المتبقية في هذه الأشياء تعلق فيه.
 
” لماذا يا جميلتي تركتيني حافياً وسط الطريق ؟ لقد أصبحت جسد بلا روح ، قلبي ما زال معك منذ ذلك الحين ، أنا احتاجه ، قومي بإرجاعه لي ، من أين تعلمتي كل هذه القساوة ؟ عودي إلى ما كنتِ عليه فهذا لا يناسب نقاوة روحك و طيبه قلبك الصافي ، عودي إلي “مارليتا” عودي إلي بقلبي و أحاسيسك الرائعة ، عودي إلي حتى أعود إنساناً .
 
مكالمه هاتفية :

– بحقك ، كيف أستطعتي أن تقومي بأنهاء علاقة دامت لأكثر من ثلاث سنوات ؟.
– ميلندا ، لا استطيع الإكمال معه كلما نظرت إلى وجهه تذكرت والده المجرم ، فأنا إلى الأن لا أصدق أنه قام بقتل أبي ، و كل هذا  لأجل جشعه و حبه للمال وللاستيلاء على الشركة لتصبح ملكه ، و ماذا عن صداقتهما الطويلة و شراكتهما في العمل ، ألم يحرك ذلك مشاعره بشيء ؟ مسكين والدي لم يكن يعلم بحقيقة هذا الشيطان.

– أعلم ، لكن أنتِ تظلمين أدريان لمعاقبته على ذنب لم يقترفه.
– ماذا عن الألم الذي سببه والده لي ولوالدتي ، أليس هذا كافياً للابتعاد عن هذه العائلة ؟ و قد ارتحت أخيراً بعد معرفة الشرطة لقاتل أبي الحقيقي.
– أرجو أن يكون ادريان قوياً لتحمل مصيبة أبيه ، من المفترض أن تكوني بجانبه لا أن تبتعدي عنه و تتركيه.
 
متصنعة البرود.

– لا يهم .
– حسناً ، لنتقابل ، أخبريني عندما تفضين ، إلى اللقاء .
 
مركز الشرطة :
 
المكان الخاص بزياره السجناء .
 
تقدم ادريان تجاه والده و خلفه الحارس ، جلس أمام والده الذي كان يعزله عنه حائط شفاف ، التقط الهاتف بيده و وضعه على أذنه و هو يرمقه بنظرات متجهمة .
 
أردف :
– لماذا فعلت ذلك ؟.
 
رد من الجهة الأخرى عبر الهاتف :
– عزيزي ، كل ما فعلته من أجلك .
 
لم يتمالك أعصابه و قال صارخاً :
– من أجلي ؟.
 
لفت انتباه حارس الشرطة و طلب منه الهدوء و قام بإنهاء المقابلة.
 
– لا تفقد أعصابك ، كل ما فعلته من أجل الحفاظ على مستقبلك.
– و هل تحافظ عليه عن طريق الإجرام و القتل والسرقة ؟.
 
بهدوء شديد من ما جعل ادريان يثور مجدداً.
– هكذا هي المنافسة إما غالب أو مغلوب.
– لقد أنهيت حياتي و مستقبلي الذي تحافظ عليه بفعلتك ، و أنهيت علاقتي بامارليتا أيها المجرم ، قتلت والدها ، صديقك و شريكك ، و من الصعب أن يغتفر لك.
 
قاطعه بعصبية
– تلك الفتاة ، لقد أمرتك بنسيانها منذ زمن . أسمعني ، عليك الأن بتوكيل محامي  لي للخروج من هنا.
 
نهض من على الكرسي و قال بحزم :
– بل أريدك أن تتعفن في هذا السجن حتى يقتلك تأنيب الضمير ، و أشك أن يأنبك ضميرك الميت .
 
على حائط أحد الأزقة البائسة أستند ادريان و راح يشرب بنهم من زجاجة البيرة ، اختلطت مشاعره و أفكاره المبعثرة ، فتمر صورة مارليتا أمامه و صورة أيامه و مستقبله بدونها ، و صورة أبيه المجرم و والدته المصدومة ، ايقظ شروده المرهق صوت هاتفه ، أمسك هاتفه بتعب ليظهر اسم صديقه مارك على الشاشة.
– نعم.
-ادريان… أين أنت ؟.
– ما الذي تريده ؟.
 
يعاتبه بشدة :
– والدتك سيُغمى عليها من خوفها عليك ، لقد تأخر الوقت و أنت ما زلت تتسكع.
– أرجوكم دعوني ، أخبرها أني بخير و لا داعي للقلق.
 
باهتمام :
– ألا تريد أن تقول لي أين أنت ؟.
 
بتعب.
– أريد البقاء لوحدي قليلاً .
 
الساعة ٧ صباحاً.
– هي…. ادريان استيقظ.
 
فتح ادريان عينيه ببطء و تعب شديد .
 
-ادريان استيقظ ، يا لك من مجنون ! كيف استطعت أن تنام هنا في هذا الجو البارد ؟.
امسك مارك بيده ليساعده على النهوض ، و ما أن جلس حتى سعل بقوة.
 
– هل أنت بخير ؟.
– أجل …..، تسارعت أنفاسه أكثر و راح يسعل بشدة.
-دم !  بقلق ، أنت تسعل دم ، علينا الذهاب للمستشفى.
– أنا بخير.
– و الدم الذي بكف يدك ، هل يدل على أنك بخير؟.
 
ضربه على كتفه بخفة و أبتسم محاولاً تخفيف خوفه.
– لا داعي للقلق ، قم بإيصالي إلى المنزل و حسب..
 
في مقهى شتنايل.
 
ابتسامة عريضة.
– أخيراً خصصتي قليلاً من وقتك للخروج معي .
بادلتها الابتسامة.
– أنا أيضاً اشتقت لك.
– كيف كان أسبوعك ؟
– رائع.
 
رمقتها بطرف عينيها.
– رائع ؟ لكن شكلك لا يوحي أنه كان رائع .
 
رفعت مارليتا حاجبيها.
-ماذا تقصدين ؟.
– أنتِ مرهقة للغاية.
 
تحاشت النضر اليها و راحت تلعب بخاتم أصبعها.
– طبيعة عملي تجعلني مرهقة.
– أنتِ تعملين في هذا العمل منذ زمن و لم تكوني يوماً بهذا الشكل ، لا تكابري  ، أنتِ تفتقدي إلى ادريان.
 
تأففت.
– لا تجعليني أندم على خروجي معك.
– صدقيني ادريان متعب ، لقد تحدث معي في الهاتف قبل أيام و كان صوته على غير طبيعته.
 
نظرت اليها ببرود :
– و إن قلت لك أني لا أهتم.
 
رفعت أحد حاجبيها :
– حسناً يا صاحبة القلب القاسي ألن نطلب شيء ؟.
 
” لا أحد يعلم كم تألمت برحيلك ، أزداد آلمي ألماً ،
و تبعثر كل ما في داخلي ، أصبحت حياتي بلا لون و أيامي بلا مشاعر ، نظرت بعينين أخرى  قد تغيرت الألوان و أصبحت لا تحمل أي معنى للأشراف ، فأنا بدونك تأهه في عالم كبير “.
 
توقفت سيارة مارك أمام منزل صديقه ، نظر بحزن إلى ادريان النائم بتعب شديد في المقعد الأمامي للسيارة.
– لقد وصلنا ، أستيقظ.
-لا .. لا تذهبي مارليتا .
– هيا ، ما الذي تهدي به ؟ استيقظ نحن أمام منزلك .
ليستيقظ بعد ثواني قليلة صارخاً باسم مارليتا ،
سأل بخوف :

– هل أنت على ما يُرام ؟.
يشيح ادريان بوجهه لمارك ليتفاجأ بعينيه الغارقتان في الدموع ..ومالبث حتى راح يبكي في حضن صديقه المستآء لحالته
 
بعد مرورر اسبوعين
 
وقفت امام ميلندا تبتسم بسخرية.
-ميلندا انتي تفعلين المستحيل لكي اعود لأدريان ….، كفي عن هذا الهراء والمزاح الثقيل
 
انسابت من عيني ميلندا الدموع.
– أنا لا أمزح مارليتا.
صدمت مارليتا ميلندا بصفعة قوية.
– و أيضا تمثلين ، أن أستمريتي بفعل هذه الحركات سأنسى أن لدي صديقة تُدعى ميلندا ، تنهدت بعمق
، لقد عكرتي صفو يومي.
 
جثت ميلندا على ركبتيها و راحت تبكي بشدة.
– أرجوك مارليتا ، أنا لا أكذب ، أخبرني مارك قبل أيام أن حالته تأزمت و أصبح يسعل دماً ، و أيضاً طلب مني إخبارك أن ادريان يطلب رؤيتك ، و عندما أخبرتك سخرتي مني و قلتي فليكف عن التمثيل علاقتنا قد انتهت و لم تصدقيني ، و الأن مات و هو يردد باسمك مارليتا و يطلب منك مسامحته عن كل ما فعله والده.
 
صرخت بأعلى صوتها
– كفى ، ألم أقل لكِ أن تكفي عن هذا الهراء ، أنتِ تكذبين ، أدريان في المنزل و سأذهب اليه حالاً لأصفعه ليكف عن هذه المحاولات السخيفة.
ازداد نحيب ميلندا و راحت تهز رأسها لمارليتا بالنفي .
اقتربت منها مارليتا و شدتها من ذراعها.

– انهضي الأن أيتها الممثلة المخادعة البارعة ، انهضي حتى أصفعك أنتِ وادريان و مارك أيضاً لمحاولتكم التلاعب بأعصابي.
نهضت ميلندا و هي تمسح عن دموعها.
-حسناً ، لنذهب ما دمتي لا تصدقيني .
 
توقفت سيارة مارليتا الحمراء أمام منزل ادريان ، خرجت مسرعة لتلحقها ميلندا ، بعيون متلألأة بالدموع أيقنت الحقيقة ، اقتربت ببطء لترى عائلته مجتمعه حوله في حديقة المنزل والجميع منهار حينها ، نظرت اليه من بعيد ، كان نائم بعمق في ذلك السرير الأبيض ، تنحنحت و هي تمشي باتجاهه فقدميها لم تعد تستطيع حملها ، تقدم مارك نحوها ليعانقها فتسقطت منهارة في حضنه ، هرعت ميلندا و مارك لمساعدتها في النهوض و الوقوف على قدميها.

صرخت بأعلى صوتها
– أبتعدا.

و بخطى سريعة منها جثت بجانبه و راحت تتحسس وجهه بأطراف أناملها ، أخرجت من عنقها قلادة دائريه زرقاء و أمسكتها بقوة.

– ادريان ، أتذكر هذه القلادة ، كانت أول و أغلى هدية منك ؟ أتذكر عندما ألبستني إياها و أخبرتني أن أعدك حينها أن لا أنزعها أبداً ، قلت لي عيديني أن تبقى معك إلى الأبد لتذكرك بلحظاتنا الجميلة اذا فرقنا القدر يوماً ما ، فقلت لك حينها : لا توجد قوة على هذه الأرض تستطيع إبعادنا عن بعضنا . أتذكر ، كيف لم تلاحظ أنها غير موجودة في ذلك الصندوق ؟ اذا انتبهت كنت ستعلم حينها بأني ما زلت أحبك و لكني أكابر ، أخبرني كيف لم تلاحظ كيف؟.
 
و بيديها المرتعشتين اقتربت لتضع القلادة على عنقه و دنت لتقبل جبينه بحرارة ، و كان الجميع يراقب بصمت حزين.
 
بعد مرور ثلاثة أيام ، الساعة الثانية صباحاً .
 
فتح مارك باب غرفه مارليتا بأقصى قوته  بعد أن قامت بالاتصال اليه و إلى ميلندا ، و كانت كلماتها الغريبة وصوتها الذي يثير الشك جعل الصديقين يهرعون اليها.
 
صُدمت ميلندا عندما رأتها ملقاه على الأرض و بجانبها علب أدوية ، انهارت بجانبها لتنساب الدموع من عينيها بحرقة ، و كان مارك يحاول التماسك و مساعدة ميلندا ، فلفت انتباهه ورقة بيضاء موضوعة على سريرها ، جلس على السرير و أخد يقرأها.
 
” ما زالت ابتسامتك الجميلة لا تفارق ذكراي ، فروحي قد دُفنت معك و بقي جسدي هنا ليقتله و يهلكه النكران ، لم تعد الحياة تسعني و لم يعد لي مكاناً فيها بعد رحيلك ، فكل ما أتمناه الأن لحاقك والالتقاء بك في عالم الأموات ، صوتك الذي يرن في مسمعي كأنه مزمار ، يعطيني الشجاعة والقوة الدافعة لفكره الانتحار ، فأن بقيت هنا فلا محاله من استسلامي و موتي للألآم التي تغدو روحي ، فلعلنا نجتمع تحت سماء ذلك العالم دون ألم أو حتى فراق ، فلقد فات الأوان لأقول لك أنني أسفة ، و لم يعد للندم الأن مكان “.
 

النهاية……

تاريخ النشر : 2021-04-16

مقالات ذات صلة

29 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى