منوعات

المتبخرون في اليابان .. بين ماضٍ مؤلم وحاضر مجهول

بقلم : عاشقة الورد – السعودية
للتواصل : [email protected]

هل فكرت يوما ان تترك كل شيء وراء ظهرك و .. تتبخر!
هل فكرت يوما ان تترك كل شيء وراء ظهرك و .. تتبخر!

حياتنا أقدار مكتوبة من قبل أن نوجد على وجه الأرض، لم نمنح حق تقرير مصائرنا ولا الأشخاص الذين سنعيش حياتنا معهم وقد لا تكون تلك الاقدار سعيدة لكنها حتمية، البعض يقنع بها ويُرزق نعمة الرضا وآخر قد يتمرد إن شعر بأن الحياة قد صنعت له نسيجاً ضيقاً حتى خنقته وأن سقف معيشته امتلأ بالثقوب من شدة ضربات القدر لكن هل يمكن أن يصل به حد التمرد على الواقع واعلان العصيان على أعلى مستوى حتى يصل حد محو ماضيه بالكامل والاختفاء تماماً فيتبخر؟

متبخر للأبد

blank
كان منعزلاً وفشل اولئك الذين حوله في فهمه

ناووكي مياموتو عامل بأحد شركات التنظيف في اليابان ومن أسرة تنتمي للطبقة المتوسطة، في يوم حار من شهر اغسطس ٢٠٠٢ ومثل كل يوم ذهب ناووكي للعمل لكنه لم يعد للبيت مرة أخرى، حاولت أسرته عبثاً أن تجده لكنه اختفى تماماً دون أن يترك خلفه أثر أو شكوك بأنه سيقوم بخطوة كهذه.

لا يتذكر شقيق ناووكي الأكبر تايوشي ان أحدا في المنزل كان يسيء معاملة ناووكي ولكنه كان منعزلاً ما يجعل تايوشي يشعر بالذنب ربما لو كان قريباً منه وبذل مجهودا لفهمه ما اختفى شقيقه ذي الأربعة وعشرون عاماً تاركاً له ولوالدته وأبيه حزناً وتساؤلا يأكل صدورهم كل يوم حول مصيره المجهول وكل ما يمنّي تايوشي به نفسه هو اتصال فقط أو رسالة من ناووكي يقول فيها أنه بخير، فكلما تقدم بوالديه السن كانوا اكثر خوفاً بألّا يجمعهم القدر بابنهم مرة ثانية خصوصاً أنهما أصيبا بالخرف وصحتهما لا تساعدهما على الانتظار فلا يجدون السلوى سوى مع العائلات التي تشاطرهم المصيبة ذاتها لكن دون جدوى، وبالرغم من أن الحكومة اليابانية تعتبر من تجاوز على غيابه سبع سنوات متوفي رسمياً إلا أن والدة ناووكي ترفض ذلك وتدخر له مبلغا ماليا كل شهر علّه يظهر لها من جديد .. لكنه لا يظهر إلاّ في أحلامها فقط..

بداية الكارثة

blank
طبيعة المجتمع الياباني تفلاض ضغوطا غلى المرء .. النجاح مطلوب في العمل والدراسة والزواج والاسرة .. والفشل او الاستسلام يعد عارا

في سبعينيات القرن الماضي ظهر مصطلح (Johatsu) أو المتبخرون في اليابان دلالة على أشخاص قرروا الاختفاء مثل البخار وبدء حياة جديدة في مكان آخر في اليابان نفسها ومنذ ذلك الحين ازدادت أعداد المتبخرين حتى وصل اليوم لعشرات الآلاف ، ففي عام ٢٠١٧ وحده أعلنت وكالة الشرطة اليابانية عن وصول عدد المتبخرين لـ ٨٥ الف متبخر اغلبهم تم العثور عليه لكن الخبراء يأكدون ان العدد اكبر من ذلك بكثير ..
وحقيقةً تبقى الأسباب التي تضطر شخص لاتخاذ قرار خطير مثل هذا القرار مجهولة لكن الخبراء يحاولون دراسة وفهم ظاهرة محيرة وجسيمة مثل التبخر واضعين لها عدة اسباب أهمها أسلوب الحياة في اليابان خلال العقود الاخيرة ، فهناك مصطلح متداول في اليابان اسمه (sekenti) يطلق للدلالة على الحضارة المهووسة بالشكليات ، والكثيرين لا يكونون قادرين على مجاراة الوضع والتماشي مع تلك الحياة المبنية على المظاهر ولذلك فإن الشعور بالضغط أحد اهم اسباب التبخر في بيئة عملية لا ترحم ، ولعل قصة تبخر سوجي موتو دليل واضح على ذلك، سوجي ابن لعائلة غنية جدا تمتلك إمبراطورية تجارية لكن منذ صغره كان يشعر بأن أحداً ما يراقبه فهو ابن شخصية معروفة جيداً في مجتمعه وعندما كبُر تولى سوجي إدارة إمبراطورية والده لكن الأمور لم تجرِ على ما يرام وانحدرت تجارة العائلة وخسرت الكثير من أموالها وشعر سوجي بالاختناق من محيطه فقرر الهرب تاركاً وراءه ورقة طلاق لزوجته التي تولت رعاية أبنائهم الثلاثة.

بدأ سوجي حياة جديدة بإمكانيات أقل بكثير من حياته السابقة ولا يعلم سوجي إن كانت حياته الآن أفضل أم لا لكنه رأى أن مكوثه تحت ذلك الضغط سيجبره على إحالة حياة زوجته إلى جحيم خاصة أن علاقتهما لم تكن جيدة.
بعد سنتان من التبخر ذهب سوجي لقسم الشرطة لتجديد رخصته وهناك أخبروه بأن أسرته تبحث عنه، قرر سوجي مراسلة أبناءه والالتقاء بهم في حديقة عامة لكن قرار العودة للمنزل مؤجل لحين شعوره بأنه تجاوز احساس الضغط الواقع عليه بعد فشله في إدارة أموال العائلة..

blank
العنف الاسري احد الاسباب

احد اهم اسباب التبخر هو العنف الأسري حيث تتعرض واحدة من بين كل ثلاث نساء في اليابان للعنف من الزوج او الأب ولا تتجاوز حالات التبليغ عن الجناة ٣٪ من مجمل تلك الحالات خاصة أن قوانين الحماية من العنف الأسري لم تكن بأفضل حال خلال السنوات الماضية مما شجع على تمادي المعنف في ظل غياب قانون رادع له.

سبب اخر لظاهرة هامة مثل التبخر هو انهيار العلاقات الاجتماعية فإحساس الفرد بالاندماج احد اهم الاحتياجات الفردية في مجتمع اليابان لكنه تضاءل مع تقدم الزمن وطغيان الحياة المادية التي لا تهتم للعلاقات الأسرية.

يمكن أيضا ان يتبخر الفرد لأسباب خاصة به مثل تعرضه للتنمر وجرح كرامته او اقترافه عاراً يسبب استحالة العيش في نفس البيئة التي اقترفه فيها وأحياناً قد لا يكون السبب أياً من هذه الأسباب فقد يتبخر الشخص هكذا دون سبب واضح.

ومن الطبيعي أنه بتزايد اعداد المتبخرين ازدادت الشركات التي تختص بتعقب المتبخر والبحث عنه وزبائنها من أفراد أسرته القلقة عليه لكن الغريب أيضا هو ازدياد عدد الشركات التي تساعد على التبخر والاختفاء ، ويوجد لها مواقع رسمية وعملها غير مجرّم وذلك مقابل مبلغ مادي يترواح بين مئات إلى الآلاف من الدولارات في بعض الحالات، تقوم تلك الشركات بنقل المتبخر وحاجياته في حافلة والهرب به إلى المدينة التي يرغب في العيش فيها وتجهيز شقة له والتواصل مع محامي لتجهيز أوراق عمل للمتبخر بهوية جديدة مرخصة من الشرطة التي تتحفظ على بيانات المتبخر وعنوانه الجديد ، فحسب القوانين اليابانية لا يحق لأحد ملاحقة من قرر الهرب طالما ان ذلك حصل بمحض ارادته وطالما لم يرتبك جرما يضعه تحت طائلة المسائلة القانونية ، فالتبخر بالنهاية هو حرية شخصية ولابد من احترامها وحتى البنوك لا تعطي بيانات عن حسابات المتبخرين في حالة أراد أهله معرفة اي شيء عنه مما ساعد على ابقاء المتبخر متخفي عن الانظار.

blank
هناك شركات ووكالات متخصصة في المساعدة على “التبخر”

ميهوستيا مالكة شركة تتخصص في تهريب ضحايا العنف الأسري وتنفي بأن يكون الغرض من انشاء شركتها هو الربح المادي فقط بل لايمانها بقضية أولئك النسوة فقد كانت ضحية مثلهن قبل أن تقرر التبخر والهرب بعيدا عن زوجها الذي اعتاد ضربها واهانتها وتؤكد بأنها لا تشجع على الهروب ولكن قد يكون افضل من حدوث كارثة قد تنتهي بمقتل الضحية او اقدامها على قتل معنفها.

ولا يكون من السهل على المتبخر العودة لعائلته واندماجه معها مجددا وذلك لشعوره بأنانيته والخجل من عائلته التي عرضها للقلق والاحراج فعند اختفاء أحد ما يبدأ الناس في التفكير بأنه تعرض لمشاكل وضغوط من أفراد في أسرته ويبدأ أفراد العائلة في لوم أنفسهم ولا يتحدثون عن ذلك امام العلن ويدخلون تدريجيا في عزلة لتجنب الحرج.
وهناك حالات انتهت بانتحار المتبخر نتيجة الضغوط التي تقع عليه فهو مكلف بتأسيس حياة جديدة من الصفر في بيئة ومحيط جديدين قد لا يتكيف معها ويكون بعيدا عن الأشخاص والاماكن التي ألفها طوال حياته بالإضافة لشعوره الحتمي بالحنين والاشتياق لأفراد عائلته الذين ترك لهم فوضى لن يتخلصوا منها مهما مر عليها الوقت ، ويظل هو متخبطاً في شعوره.

اتذكر صديقة لي مضى على إقامتها في احد الدول الاوروبية ١٥ عاماً لا تزال لليوم تشعر بالضياع وعدم الانتماء وانعدام الأمان والاحساس بأنه مكان جديد مهما حاولت الانسجام فيه شعور يشاركها فيه كثيرون ممن هجروا الأوطان لكنها بقيت بداخلهم مستقرة.

قد تبدو فكرة الهروب من ضغوط جمّة مغرية لكنها بالتأكيد مكلّفة فحتى وان استطاع أحدهم الخروج من مكان فلن يسهل عليه إخراج ذكرياته ومحوها مهما مر عليه من الزمن وانتزاع الجذور سيُخلّف نبتة باهتة قد تشبه تلك التي انتُزعت لكنها بالتأكيد لن تكون كالأصل وستبقى شبه والاحتمال الأكبر بأنها لن تعاود النمو مرة أخرى لأنها ببساطة .. اقتُلِعت .

هوامش :

– هناك ظاهرة في اليابان تسمى بالانيموري وهم أشخاص ينامون في الشارع وعلى الأرصفة او في وسائل المواصلات من شدة التعب والاجهاد في العمل
– في اليابان ازدادت نسبة الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار او يصابون بأمراض القلب والجلطات مما جعل الحكومة تشجع على اخذ إجازات مدفوعة الأجر
– تشير دراسات بأن ما يفوق نسبة ٤٥ ٪ من السكان في اليابان غير متزوجين ولا يقيمون علاقة مع الطرف الآخر بسبب ادمانهم على العمل ومحاولة الوصول إلى التميز الوظيفي
– الدراسة في اليابان للطلاب في المراحل المدرسية المختلفة احد عشر شهرا والشهر الاخير المتبقي عبارة عن دورات تدريبية لاتقان مهن حرفية يدوية تستلزم الحضور

كلمات مفتاحية :

– Jouhatsu

تاريخ النشر : 2021-09-01

عاشقة الورد

السعودية

مقالات ذات صلة

33 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى