تجارب ومواقف غريبة

المدرسة المسكونة

بقلم : البسووس – السعودية
للتواصل : [email protected]

كان ذو هيئة رثة ، منحني الظهر ، و حول عينيه لون أحمر و يرتدي فروة بنية مهترئة
كان ذو هيئة رثة ، منحني الظهر ، و حول عينيه لون أحمر و يرتدي فروة بنية مهترئة

العالم مليء بالعجائب والغرائب و الكثير من القصص واقعية أو خيالية ، و قصتي اليوم أبطالها حقيقيون وأنا منهم ، رغم كل تلك السنوات ما زلت إلى الأن أبحث عن حقيقة ما رأيناه و ما عشناه في تلك المدينة القابعة شمال السعودية ، و هي مدينة حائل ، كان والدي قد تم نقله اليها في انتداب عمل لمدة عامين فقط ، و انتقلنا معه إلى هناك ، و قد كان ذلك في عام 1401 هجري ، و قد استأجر لنا منزل شعبي إلى الأن أذكر تفاصيله ، و قد أخبره الجيران الذين يسكنون حوله أن هذا المنزل مهجور منذ زمن  و لا يعلموا أين رحل أهله و من قام بتأجيره ، جار العائلة و كان يسكن مقابل المنزل و بيته قريب منا بخمسة أمتار و يحيطه بمزرعة تابعة له ،

و من الجانب الأخر للمنزل الذي أستأجره أبي منزل ملاصق له لا يفصلهما سوى مترين ، و يشبه تصميم منزلنا و تسكنه أمرأة عجوز يلقبونها بالشقحاء ، لم نرها منذ أن سكنا و حتى يوم رحيلنا ، فقط نسمع صوتها تدعي على هذا و ذاك و تتشاجر حتى مع البهائم في بيتها ، كان بيتنا عبارة عن ساحه داخلية تحيطها غرف و مطبخ و درج جانبي صغير يأخذنا للسطح و كنا ست بنات و أخ بالإضافة لأبي و أمي ، ثلاث منا تم تسجيلهن بالمدرسة و كنت أصغرهم و بقيت أيامنا وحياتنا طبيعية في بدايتها و جميلة إلى حد ما ، حتى جاء ذلك اليوم الذي غيّر كل ذلك الهدوء و لم نجد له تفسيراً حتى كتابة هذه السطور .

 
أثناء عودتنا من مدرستنا مشياً على الأقدام نجر حقائبنا و نتسابق من يصل البيت أولاً ، كان عمري 6 سنوات و أختي التي تكبرني و عمرها 8 سنوات و أختي الكبرى 10 سنوات ، و كان طريق عودتنا للمنزل معروف ومعتاد كل يوم نفس المسار لا يتغير .
 
لكن هذه المرة غيرت أختي الوسطى المسار بعد أن سمعت من صديقاتها بالصف أن هناك مدرسة مهجورة يُسمع منها أصوات مخيفه و لم يدخلها أحد منذ زمن.
 
أنا أصغرهم عمراً و إدراكاً و لم أكن أعي ما الأمر و أين نتجه ، لكن أختي كانت شخصيتها قوية وجريئة و كانت تسير أمامنا بثبات إلى موقع المدرسة المهجورة.
 
أذكر و كأنها الأن أمام عيني ، سور كبير يمتد على مسافة أرضين ، يتوسطه مبنى من طابقين ، لونه أصفر باهت والنوافذ مفقودة و بعضها محطم ، و الساحة من الجهتين بلا أبواب و كمية كراسي و طاولات محطمة هنا وهناك .
 
دخلنا من فتحة الباب الذي يواجهنا و مررنا نسير بتوجس و خوف داخل الساحة ، و بقيت واقفة أنظر و متوجسة من أي حركة ، فيما دخلت أختي داخل الفناء و مرت بالفصول ، و كانت كلها حسب قولها مغلقة ، لكنها حاولت فتح باب أحد الفصول و فجأة سمعت صوت مخيف من داخله يزجرها بعدم الدخول ، كنت واقفة حين رأيت أختي تجري بخوف و تصيح بنا أن نلحق بها و لا نلتفت ، مرت تلك الدقائق و نحن نركض خلفها و أنا أبكي حتى توقفت من التعب ، فسحبتني أختي الكبرى و جرتني خارج سور المدرسة من الجهة الأخرى
 
وصلنا إلى المنزل و أنفاسنا و دموعنا تسبقنا ، لتستقبلنا أمي على باب المنزل بعد أن سمعت صراخ أختي وهي تجري ونحن خلفها.
 
أخبرتها بما حصل و بما شاهدت ، لكن أمي لم تأخذ الأمر على محمل الجد و نهرت أختي لدخولها مكان مهجور لوحدها ، و بقينا كل تلك الأيام ننام و هي تخبرنا بفزع عما رأت داخل الغرفة و تمر الأسابيع و كدنا ننسى تلك الحادثة .
 
حتى جاء ذلك اليوم قبل غروب الشمس بقليل و كنا نلعب بساحة مقابل منزلنا و معنا أصغر أخواتي بعمر السنتين تقريباً ، حين لاحظنا رجل كبير بالعمر يأتي من مدخل الساحة بهدوء و يتجه لأختي الصغرى محاولاً خنقها و نحن نصرخ على أمي لتخرج و كانت تصلي المغرب ، و حين خرجت بعد أن قطعت صلاتها كان قد أختفى من نفس الاتجاه الذي جاء منه ! ركضنا خلفه نحن و أمي لنشاهد أين يذهب ، لكنه أختفى و كأن الأرض أنشقت و ابتلعته.
 
كان ذو هيئة رثة ، منحني الظهر ، و حول عينيه لون أحمر و يرتدي فروة بنية مهترئة و خطواته سريعة بالرغم من مظهره الكبير بالعمر ، و قد تكرر حضوره بنفس الوقت ثلاث مرات ، و كل مرة لا تراه أمي ، فقط نحن الثلاث اللواتي نراه ، أذكر أنهن طلبن من أمي أن تقف خلف الباب و تؤجل صلاتها لتتمكن من رؤيته حين يأتي ، و لكنها كانت أخر مرة نشاهده فيها ، رغم أن كل سكان المنطقة قالوا أنه حقيقي و أنه جني لكن لا يؤذي إلا من يؤذيه !
 
و أظن أن دخولنا إلى تلك المدرسة كان سبب مطاردته لنا بالذات ،  و إلى الأن تحكي لنا أختي عما شاهدته بالغرفة و تقسم أنه حقيقي ، و نقف عاجزين عن تصديق ما رأت و كيف تراه هي و لا يرى ذلك أحد ممن دخل تلك المدرسة ، أم أنه لم يتجرأ أحد لدخولها قبلنا ، و هل الجثث والأطراف المقطوعة كانت فعلاً هناك أم لا ، و هل صوت الأنين و التعذيب الذي سمعته داخل ذلك الفصل كان حقيقي ؟

الأكيد أنني عايشت ذلك الحدث و مررت بتلك القصة و أذكر هيئته و طريقة مشيته و أذكر دموعي و خوفي وأنا أركض خلفهن ،عدنا إلى الرياض و أصبحت تأتيني حالات نوم غريبة و دائماً أرى نفسي أسير و أرتفع بالهواء و أظل أمشي ثم أعود إلى الأرض ، إلى درجة أني عندما أصحو لا أهتم أن تأخرت على مدرستي غداً أم لا لأنني أنتقل لها سيراً بالهواء وأشعر بذلك والناس ينظرون لي من تحت .

 
بقيت على تلك الحالة فترة ثلاث سنوات وهي مرحلة دراستي المتوسطة حتى أختفى ذلك الشعور و لم يعاودني مرة أخرى.
 
فما هو تفسير ذلك و ما الذي حدث معي ؟.

تاريخ النشر : 2021-03-08

مقالات ذات صلة

18 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى