أدب الرعب والعام

انتقام شبح عمروش

بقلم : رشيد بوسكورة – هولندا
للتواصل : [email protected]

انتقام شبح عمروش
كان ينظر في اتجاه واحد لايحرك رأسه ..

كان عمار أو عمروش كما كان يحلو لأهل القرية تسميته ، رجلا أبلها لكنه كان ينطق بالحكمة ، لا تفارقه ابتسامته أينما رحل ، كان شخصا محبوبا يساعد كل أهالي القرية في نقل القمح إلى الطاحونة بعربته القديمة وإعادته لهم دقيقا ، عن طريق ذلك كان يربح بعض الدراهم التي يمن عليه بها سكان القرية ليشتري بها السجائر الرخيصة ذات التبغ الأسود ويلتهمها التهاما ، كان يدخن بشراهة ثلاثة سجائر متتابعة وكأنه لم يدخن شيئا .

عمروش هذا كان أيضا محبوبا من طرف الأطفال لأنه كان يحكي لهم قصصا ممتعة ، بحيث عند حلول الليل كانوا يصطفون حوله في شكل حلقة ويستمتعون بما ينسج خيال هذا الحكواتي البارع . كانت حكاياته كلها أشعار وعبر يستفيذ منها الصغار ، كان بالفعل بمثابة مدرسة إلى درجة أنه لم يكن يدخن أمام الصغار رغم إدمانه الكبير . أحيانا كثيرة كان حتى الكبار يتطفلون على مجمع الصغار هذا للإستمتاع بالقصص .

هذه القرية وكأي مكان على الأرض فيه الصالح وفيه الطالح ، في الجانب الآخر كان هناك رجل إسمه حسان لا يعرف للرحمة معنى ، يقسي على الإنسان والحيوان . في صغره كان يرمي الأحجار الكبيرة من أعلى القنطرة لتسقط على الضفادع على جانب الوادي فيقتلها شر قتلة ، كان يبحث عن العصافير الصغيرة في الأعشاش يشويها ويأكلها . حتى في فترة شبابه والتي من المفروض أن يكون عاقلا فيها ، كان يذبح القطط و يجعلها وليمة لبعض اصدقائه مدعيا بأنها أرانب ، فيأخذ من كل واحد منهم قدرا من المال ، يزينها بالبطاطس المقلية والزيتون والفلفل الحار ، ويحضر لهم أيضا مشروبا غازيا ويقول لهم اكلة شهية .

أخذ يوما خروفا مريضا بحيث قال لأمه : إن بقي هذا الخروف سيعدي الخرفان الاخرى . اتجه بالخروف إلى الوادي وهو في قمة الفرح والنشوة ، كيف لا و الضحية الآن من الوزن الثقيل ، ليس بقطة وليس بعصفور .. بدأ برشق الخروف المسكين بالحجارة ، بعد كل ضربة قوية كان الخروف الهزيل يفقد توازنه ويسقط ، تصبب حسان عرقا ، لكن في الأخير بقي الحيوان المريض واقفا ينظر إليه وكأنه في تحدي سافر له الشيء الذي لم يرق لحسان ورمى به في الوادي ، فمات المسكين غرقا .

مرت الأيام وأصبح حسان سائق تاكسي ، ينقل سكان القرية إلى المدينة ويعيدهم . في أحد الأيام وعندما كان راجعا إلى منزله صدمت سيارته رجلا في قارعة الطريق ، و لم يكن هذا الأخير سوى عمروش المسكين ، نزل حسان من سيارته وقال له : هذا أنت أيها المعتوه ، أمثالك أيها الحثالى موتهم أفضل من حياتهم ، فتركه ينزف حتى فارق الحياة . نزل خبر موت عمروش على سكان القرية كالصاعقة ، كان لذلك وقع كبير على الأطفال الذين كانوا في كل ليلة يجتمعون في شكل حلقة وينظرون إلى الوسط في منظر جد مؤثر وكأنهم لا يصدقون موت عمروش صديقهم الغالي .

أما حسان فقد كان ينام وكأنه لم يقترف جرما ، نومه الهادىء هذا لم يدم طويلا ، إذ سرعان ما أصبح يحلم بعمروش كل ليلة ، كان يناديه : ستعذب يا حسان كما عذبت الإنسان و الحيوان …

مرت الأيام والشهور وحسان على هذا الحال ، تحولت أحلامه إلى كوابيس ، أصبح حلمه لعمروش ينغص عليه حياته إلى أن أصبح يفكر فيه في أية لحظة ويتخيله في أي مكان ، خصوصا في جانب الطريق قرب القنطرة ، عندما يكون عائدا في الليل .

في إحدى الليالي الباردة وبينما كان حسان يقود سيارته قرب المكان الذي صدم فيه عمروش ، نظر إلى المرآة الداخلية ليرى شبح عمروش جالسا في المقعد الخلفي ، كان ينظر في اتجاه واحد لايحرك رأسه .

تسمرت قدما حسان وانتصب شعر رأسه ، احس وكأن الدم تجمد في عروقه ، ارتعدت يداه ولم يعد يتحكم في المقود .. إنحرفت به السيارة وسقطت به من أعلى القنطرة في الوادي العميق . أحس حسان بالدوار الشديد وهو في السيارة في قاع الوادي ، كان الظلام حالكا في قعر الماء … حاول فتح نافذة السيارة لكن يبدو وأن نظام السيارة الإلكتروني قد تعطل ، نفس الشيء بالنسبة لمصابيح السيارة ، أصبح تائها ، شبح عمروش وراءه ، والغرق أمامه … لحظة لن يحسده عليها أحد في الكون أجمع …

رمى بيده يتحسس زر الباب اليدوي الاحتياطي ، ضغط عليه لكن الباب لم تفتح لشدة ضغط الماء في الخارج . بدأ الماء يتسلل إلى السيارة تدريجيا من تحت قدميه .. في الأخير اهتدى إلى المصباح اليدوي ، أشعله أولا ليرى هل مازال شبح عمروش وراءه في المقعد الخلفي ، تنفس الصعداء حينما لم يجده ،الشيء الذي أعطاه عزيمة أكثر لتكسير زجاج النافذة بالمصباح اليدوي .

خرج عبر النافذة سابحا نحو سطح الماء ، كان يتهيأ له وكأن شيئا يجره إلى الأسفل … في الأخير صعد بمشقة الأنفس عوما وأمسك بيده بنبات الدوم الموجود في جانب الوادي ، كان منخور القوى لا يستطيع الخروج من الماء ، بقي على هذا الحال يسترجع أنفاسه .

مصيبة حسان لم تتوقف هنا بل القادم أشد قساوة ، إذ بعد دقيقتين تقريبا سقطت حجرة من الفوق من المكان الذي انزلقت منه السيارة فاصابته في كتفه وهشمت جزءً من أضلاعه . أحس بالدماء تنزل منه بغزارة فتذكر عمروش عندما كان ينزف ولم يقدم له يد العون … تذكر عندما كان يرمي الأحجار على الضفادع من فوق القنطرة ويهشم عظامها .. تذكر القطط التي كان يسلخها وينظر إلى ضلوعها … انهار تماما ولم يعد يتحمل مسك نبات الدوم بيده …

بدأ يغرق و يغرق تدريجيا ، تذكر الخروف الذي كان يغرق تدريجيا بعدما أشبعه ضربا بالحجارة وهو مريض … خاطب نفسه : انا عمروش الآن أنزف وأنزف … لا .. لا .. انا لست عمروش ، أنا المعتوه .. أنا الحثالة … أنا حسان الذي مات كما عذب الإنسان والحيوان .

تاريخ النشر : 2015-06-21

مقالات ذات صلة

23 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى