أدب الرعب والعام

بــــلا عـــنــوان (الجزء الاخير)

بقلم :جمال -سوريا

للتواصل : [email protected]

صمت جان عاجزاً عن ايجاد إجابة مناسبة لسؤال مادلين ، كما الكثير من كلامها الذي يعجز عن الرد عليه .
-سأفترض أنك قلت اجل ، سأقابلك في غرفتك في الفندق ، الأمر خاص ويحتاج إلى مكان خاص ، وغمزت مادلين جان بعد ان فرغت من عبارتها وانسحبت مسرعة متذرعة بانشغالها .
لم يكن لدى جان الكثير من الاهتمام حول تلك المحادثة القصيرة ، لكنه أدرك أن مادلين باتت تلفت نظره ، ولم يعد باستطاعته تجاهلها كما كان يفعل بسهولة سابقاً ،إلا انه للأن لم يستطع فهم ما تريده انثى ثلاثينية ذات ثقافة ومنصب من شاب تعيس يصغرها بسنوات مثله .
اخذ شهيقاً عميقاً وطأطئ رأسه الى ان دفن وجهه بين راحتيه :
“منتصف الأسبوع المقبل هذا كثير .. كثير جداً علي “
استمر جان على تلك الوضعية وذلك الحال ثابتا صامتاً غارق بالتفكير بين لورا ومادلين إلى أن سمع صوت الجرس ، فنتفض من مكانه وقد بدا على وجهه أمارات اتخاذ قرار صارم لا رجعة فيه .

-9-
اندفع الطلبة خارج ابواب المدرسة مع انتهاء يومهم الدراسي بشكل أمواج متتابعة ، بينما دلف هو إلى رواق المدرسين حيث خزانته وعلى عجل وضع بعض الأشياء فيها وهمَّ مغادراً .
كان جان في ذلك الوقت قد قرر الذهاب للقاء لورا ، معلناً لنفسه بهذا القرار عن عجزه الانتظار حتى منتصف الاسبوع المقبل ، عاد إلى ذهنه موعده مع مادلين عند صعوده الى مقصورة الترام ، لكنه لم يلوي على تذكره لذلك الامر للحظة ، فما يهمه هو رؤية لورا والحديث معها ، عن رسائلها الجافة وعن موعدهما المؤجل ، أراد لقاءاً يبعث فيه من جديد تلك الروح الغرامية بينهما ، أن يحس باندفاعها المتهور حين تعانقه و ان يراها مغتاظة حين يمرر دعابة سخيفة من دعاباته ، أراد ان يصل باكراً جداً ويستمر في انتظارها حتى تلوح إليه مدركة انه ينتظرها منذ زمن فتسخر بحب منه .
لكن الطريق فجأة اصبح أكثر طولاً واحس بأنه ذاهب في رحلة بين مشرق الأرض ومغربها ، وبينما انهمر عليه الضيق وسخي بالتذمر وجد نفسه أخيرا أمام باب غرفتها في الفندق حيث تقيم .
“طرقة …. اثنتان …. ثلاث … القليل من الانتظار ، ثم اعادة الكرّة ..طرقة اخرى .. لا إجابة “
اضطربت نبضات قلبه واُضرمت النيران في جوفه وضاقت عليه الدنيا بما رحبت ، الاف الظنون تدفقت إلى عقله ، أين هي وأين يمكن أن تكون وإلى أين قد تذهب وقد فرغت من دوامها ..
مضت ساعة أخرى زرع جان فيها نفسه على مقعد خشبي أمام باب الفندق منتظراً محبوبته ، لقد نسي جميع الهواجس التي احاطت به عندما طرق بابها ولم يجدها ، وبات همه وتفكيره وشغله الشاغل إن كانت ستعود أصلاً وهل سيراها اليوم أو أنه هل سيراها مجدداً ! ، بدت انفاسه تخرج مختنقة وهو يفكر إن كانت لورا قد تخلت عنه ، وطفق يربط عدم وجودها بالتأجيل الذي أرادته في رسالتها له ثم هزَّ رأسه بهيستيرية وقد قاده تفكيره لمكروه قد اصابها، لكن ..مع انقضاء ساعة إضافية دون أن تظهر ، بات متيقناً أن شيئا ما ليس جيداً قد حصل ، إنما لم يكن بوسعه فعل شيء سوى الإنتظار.
-جان !…ما الذي تفعله هنا !
رفع جان رأسه المغمور بين ساعديه وانتفض من مكانه ، لم يكن ليخطئ صوتها حتى لو سمعه من بين الف صوت.
رد بلهفة :
-لورا..لورا.. اين انت ِ لقد قتلني هذا الانتظار المر اللعين ، بحق الإله ، ما الذي يجري ، ما الذي يحصل . اجيبيني بحق السماء بحق كل شيء .
ثم تحولت نبرته إلى حزينة واتبع :
-اشتقت لك ، لن يمكنني الانتظار حتى منتصف الاسبوع المقبل .
وانهى تلك العبارة بتنهيدة طويلة لم ينبس بعدها .
تأملت لورا جان الذي لم تره طيلة علاقتها به على هذه الحال ، لم تستطع ان تخف عنه الحزن الذي اعتصرها عندما رأته ينتظرها بتلك اللهفة والشوق ، ولم تجد أي رد عليه سوى أن انقضت عليه مندفعة بين ذراعيه ، جعلت تلك المباغتة منه يتراجع عدة خطوات للخلف بينما لا تزال متمسكة به .
-وماذا قد يكون أيها الأحمق ، لكنك تبدوا كطفل ضائع عن أمه ..
قالت له لورا وقد وضعت كامل ثقلها عليه ثم اتبعت وقد انهمرت دموعها :
-لقد اشتقت لك أيضاً .


اخبرت لورا جان أن بعض اعمالها المستعجلة والهامة ، اجبرتها على طلب تأجيل لقاءهما المعتاد ، لكنه لم يفهم طريقة ترتيب حوارها التي تحججت له به ، و لم يعر للأمر أهمية طالما انه الان بجانب محبوبته التي تجهد في اغداق عبارات الحب والغزل عليه ، وبناءا على هذا قرر عدم الخوض معها في ذلك الحديث الذي جاء لها من أجله .
-جان …
-أنا بجانبك و ليس معنا احد في هذه الغرفة ، لماذا تناديني .
-يا لك من مفسد للحظات الجميلة
-تريدين إخباري بتأخر الوقت ووجوب ذهابي إذن ؟
-ما رأيك أن تكُفَّ عن نزاقتك الان … أردت سؤالك عن مادلين ..
اعتدل جان في جلسته وبدا بوضوح ان الامر اثار انتباهه ، ثم سأل وهو يدعو ان يكون الموضوع عابراً وأن لورا لم تعلم عن تقاربه معها :
-وما بها الآنسة مادلين ! ، ما الذي جعلها تحضر الان؟
طأطأت لورا رأسها وجعلت من صوتها اكثر انسيابية :
-في ذلك اليوم عندما احرجتنا بوصفنا بالخليلين اتذكر ؟
-اجل ، ماذا في الأمر ؟
-لم نكن يومها خليلان ، لكني أريد ان نكون …
جعلت تلك الجملة ترعد فرائص جان ونظر باندهاش إلى لورا محاولا فهم ما ترمي إليه :
-عزيزي جان ، انت لا تعلم كم جعلني هذا البعد عنك بحاجة ماسة إليك ، كنت سأطلب منك الأمر ذاته لو التقينا دون أن نؤجل ذلك الموعد ، لقد قررت تأجيله حتى انسى هذه الفكرة ، لكنك أتيت اليوم .. وأنا لازلت لم اتخلى عنها ، أريد أن ننتقل إلى رابطة اعمق ، تجعلنا لا نهتم لبعد ومسافة ، الان وفي هذه اللحظة لنستجب لدعوة جميع الشياطين ولنفعلها ، أنت لن تعلم كم سيكون الأمر كارثياً لو رددتني بعدما طلبتك .
-١٠-
ارتمى جان على سريره منهكاً ، كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف إلا خمس دقائق ، اخذ يفكر في تلك الساعات الحمراء التي قضاها مع لورا ، تارة بنهم وتارة بندم ، ولم يدرِ ما هو الشعور الأنسب لحالته ولكنه ، اطمئن على علاقته معها فقد وجدها تشتاق له كما يشتاق لها لدرجة ان تقدم على خطوة حميمية كهذه ، ومع تفكيره ان لورا قد اقدمت على طلبها ذلك لتكفر إهمالها له اخذ على عاتقه الشعور بالندم لمطاوعته لها ، لكن سلسلة سلسلة افكاره انقطعت على إيقاع طرقات الباب من جديد .
لم تكن الرابطة الروحية بين السيد شراود وجان والتي لطالما كان يتغنى بها مع نفسه بتلك الحفاوة التي توقعها عندما تجدد اللقاء بين الأستاذ وتلميذه ، صحيح ان السيد شراود قد استقبله وقدم له ما لم يحلم به الكثير ، ولكن جان كان يشعر ان هذا العطاء ما هو إلا رد لدين قطعه شراود على نفسه عندما وجد جان بجانبه في تلك القرية السحيقة والذي كان بمثابة بوصلته فيها ، لكن في تلك الليلة وجد التلميذ معلمه أمام بابه على غير العادة .
سارت مجريات الزيارة بوتيرة عادية هادئة جدا ، تخللها القهقهة بين فينة واخرى ، اختار السيد شراود حديثه عن الذكريات القديمة التي بثت في الغرفة شعور الحنين حينما كانت تخرج كلماته بصوته العجائزي المتحشرح ، ومع الوقت انتاب جان شعور بأن السيد شراود يخفي كلاماً بين شفاهه ، وبعد أن تردد عدة مرات بسؤاله مباشرة ، كان ذلك الشعور أكثر وضوحا وقوّة ، نعم .. السيد شراود يريد قول شيء ما ، الامر الذي دفعه اخيرا لسؤال استاذه أمامه :
-المعذرة.، ابتي العزيز ، هناك شعور يخالجني بوجود شيء تريد قوله ، فهل أنا مخطئ ؟
حاول شراود الابتسام لكنها ضاعت بين تجاعيد وجهه فيما استمر جان بانتظار رده متأهباً ،:
-هذا ما قصدت جعله واضحاً من البداية بني ، لكنك تأخرت جداً في ادراك ذلك .
-آمل ان يكون الأمر جيداً … تفضل ، انا اسمعك .
-الأمر ينطوي عليك انت ومادلين ..
صمت جان لبرهة عندما عاد ليتذكر موعده الفائت مع مادلين اليوم ، ثم عاد للسيد شراود الذي استأنف قائلا:
-بعيداً عن بعض الهمز واللمز من قبل بعض الاساتذة والطلبة عليكما في المدرسة ، اخبرني ماذا يجري !
رد جان منفغلاً:
-وماذا قد يجري ! ، وعلى أي شيء هذا الغمز و اللمز !
-ربما لتفضيلها الدائم لك على حساب بقية المدرسين ، أو لترافقكما إيابا متشابكي الأيدي ، او على رقصة لك معها في مكتبها اختلسها احد الطلبة عبر الصدفة … هل اكمل ؟
-ماذا في الأمر إن كنت صديقها المقرب ، كل الذي ذكرته انفا ، ماهي الا تصرفات عفوية بين الاصدقاء .
انفعل شراود وزمجر بحزم :
-خارج المدرسة ، خارجها بني ..
ثم اخفض حول نبرنه إلى الناصحة واتبع :
-لقد جعلتني اخرج عمّا كنت اريد قوله لك ، اسمع بني جان ، الحياة لن تعطيك اكثر من فرصة واحدة فقط ، عليك استغلالها بكل جوارحك ، انا اعرف مادلين جيداً ، لم تستطع حتى بعض الشخصيات المهمة الظفر بها ، لربما تظنني بعيداً ، لكني اعلم كل شيء ، مادلين تحبك وهي من اخبرتني بهذا ، هذه فرصتك لتخطو درجة أعلى ، حتى وإن فكرت أن الارتباط بأنثى تكبرك بأعوام ، هي فكرة غير جيدة، لكن المصلحة احيانا تقتضي . إنها مستعدة للزواج منك ، الحبل بين يديك بني ، إما أن تجذبه أو اقطعه ، وبكلا الحالتين لا تعبث به في المدرسة. …بالمناسبة … هل ما يصدك عن مادلين هي لورا !
جان منصعقاً :
-وما علاقة لورا الان !
-هل انتما حبيبان !!
-هل الانسة مادلين من اخبرك بشيء كهذا !
-لا ولكنني اسأل لربما كانت السبب في صدك لمادلين رغم انك لا ترى مشكلة في مسايرتها .
فكر جان ان كان سيخبر السيد شراود بالحقيقة ومدى استحقار استاذه المستقيم له إن أجابه بنعم وقد تناوش مع مادلين في مواقف اصبحت مفضوحة بالنسبة للسيد شراود .
-لا … انها صديقة عزيزة ليس إلا
-هل هذه الحقيقة جان !
-بالتأكيد .
-11-

“عزيزي جان ، كيف حالك ، أنا بخير عدا عن كوني منشغلة طوال اليوم بسبب حصولي على فصول إضافية ” اتمنى انك تحظى بوقت جيد ” لورا
كانت المرة الأولى التي يمزق فيها جان رسالة من لورا ، مزقها لتزداد في جوفه كمية الغضب والاستياء ، و على عكس ما توقع لم يكن الحال بينهما افضل من الحال الذي كانا عليه قبل ذلك اللقاء الذي قد مضى عليه ستة اشهر ، اللقاء الذي اعلنا فيه عن حبهما روحاً وجسداً وبدل من أن يعطي دفعة تعيد شحن المشاعر بينهما ، كان قد استنفذهما دفعة واحدة ، بل باتت علاقتهما تنحدر شيئاً فشيئاً ، ومع أن هذا الانحدار والفتور كان جليّاً واضحا لكلا العاشقين إلا أن أحدا منهما لم يندفع لكبح تلك العلاقة عن ذلك المنحدر ، فقل عدد الرسائل بينهما و باتت لقاءات اخر الشهر تتأجل باستمرار ، انشغال لورا الدائم حتى في رسائلها القليلة إليه ، وايجاده لبديل استشرى بداخله فوجد ما يعوضه في مادلين وبات اقرب لها اكثر من أي وقت مضى .
في تلك الليلة كانت مادلين أجمل من أي مرة نظر إليها فيها ، دخلت غرفته بفستان أزرق هادئ طغى عليه قوامها المشتعل ، نظر إليها جان متأملاً ايماءاتها وتعابير وجهها وكأنه يراها من جديد ، واسهب معها بمقلتيه وهو يتتبعها تتنقل في غرفته ، تعبث ببعض الأوراق ، ومن ثم تنتقل إلى صمدية المحارب “هارك” تتأمله وتعبث به ثم تعيده ..عاد جان بذاكرته إلى كلام شراود ، الفرصة تأتِ مرة واحدة فقط ، وبدأ يسأل نفسه ‘”هل هذه هي فرصتي حقاً”” ، لكن لورا سرعان ما زاحمت تفكيره ، لقد فكر بمدى حبه لها ، ومدى شوقه إليها ، تمنى في تلك اللحظة انهما لم يأتيا إلى هذه المدينة وظل محتفظا محافظا عليها ، رمق مادلين بنظرة سريعة ، لازالت منشغلة بالاستكشاف ومسهبة بالحديث ، ثم عاد ليفكر عن حجم الجفاء الحاصل بينه وبين لورا ، تنهد بحزن عميقاً ثم سرعان ما تبدلت ملامحه وهو يفكر بلورا التي لم تفعل اي شيء ، ولم تقدم على أي خطوة من شأنها إصلاح الحال بينهما ، دائما ما كان المبادر ، دائما ما كان يقدم على الانابة و المصارحة ، لكن ماذا قد فعلت هي !
-جان ! هل انت معي ، لا تقل لي انك كنت شارداً
-يا الهي يبدو انني بالفعل كنت هكذا .
-وبالطبع لن تخفي عني سبب شرودك هذا
-كنت افكر كم انتِ جميلة ، غارق بك وبتفاصيلك الساحرة ..
اعتدلت مادلين وقد تمايل جسدها ببراعة وخبث ثم انحنت نحوه وقد اصبح وجهها مقابل لوجهه وأردفت بصوت هادئ ممتلئ بالخباثة :
-انت احمق لدرجة أنك لم ترى هذا حتى الان ، كان عليك من البداية ان تقدر النعمة التي منحتها إليك عندما وقعت في حبك .
احس جان بأنفاس مادلين على وجهه فانسحب ببطء للخلف ، لم تكن حركة تدل على صده للورا ، بل انها ابتسمت وهي ترقب ما سيفعله بعدها ..
أما هو فقد اثر الصمت برهة ثم عاد إلى حيث كان وأردف :
-مادلين … هل تتزوجين بي ؟
انطلقت ضحكة قوية حادة من مادلين و ابتسامة خجولة من جان ، مدت مادلين يدها لتمسك بيده وجلست بجانبه ثم اجابت :
موافقة … لكن بشرط صغير جداً .


تدرجت بروية وهدوء من محطة الترام والتي كانت مكتظة في ذلك الاحد ، لطالما كان يوم العطلة هو اليوم الانسب للقاء خاصة اذا كان هذا اللقاء استثنائي وغير عادي ، حملت الى جانب هدوءها ابتسامة خفيفة على شفاهها وخامرها بعض الحنين عندما مرت من خلال ساحة” دوليان الاكبر” ، ثم انعطفت بتأنٍ باتجاه فندق “باراداييس”
في ذلك الصباح كان جان قد فرغ من كتابة العديد من الاسطر الطويلة، والتي قضى عليها جهدا ووقتاً واستهلكت منه وفرة من الآهات و الحسرات ، وعلى عجل وضع الوقة في مغلف وهمّ ليفتح الباب مغادراً مشتت الذهن منغص البال ، لكنه تسمر في مكانه عندما اصطدم بلورا واقفة امامه . لم يستطع في تلك اللحظة تذكر متى رآها اخر مرة ، ولم يستطع تذكر ما تكلما حيناها وما فعلاه ، ولم يعد يذكر ما طبيعة علاقتهما وكيف اضحت بعد هذا الفتور الذي امتد لأشهر ، هل يزالان حبيبان عاشقان ؟ ، أم حبيبان سابقان ، أم سابقان فقط .. لكنه يذكر تماماً أنها كانت ولازالت الانثى الوحيدة التي تهز كيانه .
-صباح الخير …. جان
التقت عيناه بعيناها ،وثبت قدماه بقوة لوهلة ، ظنَّ أنها ستندفع إليه كما كانت تفعل كل مرة ، أو أنه ستنهال عليه بقبضتها الرقيقة مشاكسة إياه ، لكنه تأكد بأن أياً من هذا لن يحدث ، فملامحها وهي ماثلة أمامه الآن بعيدة كل البعد عن تلك الملامح التي عهدها عليها.
-صباح الخير ، من الجيد انك لازلتِ تستطيعين تذكري وزيارتي .
قالها جان ساخراً وقد اخفى المغلف بيده وعاد ادراجه لداخل الغرفة :
ردت لورا وهي تدخل بهدوء نحو الداخل :
-لا أريد الشجار ، هلّا سمعتني جان .

سنغادر هذه المدينة أنا وأنتِ ، لورا ، لازال بإمكاننا فعل هذا ، دعي المعاتبات الان جانبا ..اجيبيني .
ردت لورا ببرود :
-لا ، لن اقبل ، لم يعد الامر بهذه السهولة ، لقد مللت من كل هذا الهراء وسئمت منه ، جئت اليك لنسوي هذا الامر ونعلن صراحة عن نهاية قصتنا سوية .
صمتت لورا متوقعة انفعالا عنيفا من جان الذي استمر صامتاً فاتبعت :
-لقد اسديت لك ثمن هذه اللحظة منذ ذلك اليوم ، لقد قدمت لك نفسي كثمن وقد قبلت انت ، لا تنظر إلي هكذا وكأني الفتاة الخائنة ، لكن لا فرصة لمستقبلي معك ، لقد فتحت الحياة هنا بصيرتي على العالم ، ولن يساعدني شاب ريفي بمرتب ألفان كورنية على بلوغ أي شيء فيه ، لا اريد ان اكون قاسية ، لقد احببتك ولازلت ، لكن ….
قاطعها جان بتهكم :
-شخص نكرة مثلي لن يوصلك لأي شيئ !
-اجل .
-ما الذي ستفعلينه إذن !
-سأتزوج نهاية الاسبوع المقبل .
حاول جان أن يتصنع عدم اللامبالاة لكنه فشل في اخفاء رجفه صوته وهو يسألها ،:
-أهو غني إلى هذه الدرجة !
-انه المدير ويليام .
رفع جان رأسه وقد جحظت عيناه ، لقد كان صعباً عليه تصديق ما سمعته اذنه لتوها ، وجزم سريعا جزما قاطعاً أنه اخطأ في سماعها .
-من ؟
-كفى يا جان ، لقد سمعتني جيداً ، إنه ويليام ، اجل ويليام شراود ، ولهذا جئت إليك ، إنه رجل طيب القلب ، ولم يكن لديه ادنى فكرة عن علاقتنا ، أنا من أغويته وجررته إلى هذا اثناء مناوباته هناك ، إن كنت سأطلب منك شيئا اخيرا ، سأطلب الا تتوجه إليه بأي حركة او فعل مسيئ ، وأرجوا أن تدعني وشأني ، حتى وإن كنت تريد الرحيل عن هنا ، هذا لا يهمني ، فقط ارجوك واطلب منك ان تدع هذا الامر يسير على ما يرام .
تقدمت لورا باتجاه جان الذي استمر مطأطأً رأسه غارقاً في صدمته ثم وضعت يدها على كتفه وهزّته قائلة :
-جان ، انا هنا ، افعل ما شئت بي ، سأكون راضية بأي شيء تقرره ، خذ ثأرك مني إن شعرت بأن لك ثأراً عندي .
رد جان بعد فترة صمت :
-لا اريد شيء ، انتهى الامر لورا ، اخرجي فقط
-جان ارجـــ….
-اخرجي ، اغربي عن وجهي ، اذهبي لأقرب جحيم تجمعك مع شياطينك التي جعلتك تنالين مني بهذه الطريقة البشعة الرخيصة ، من بين جميع البشر تختارين ابي ! ، يا لك من ساقطة .
-12-
“بني العزيز جان ، من المفترض أن تكون هذه الكلمات حديثا حارا بيننا ولكن اعذرني ، لربما لن استطيع ان اطلب منك الأمر بجرأة كما افعل الان ، لقد قررت أن اتزوج ، ياللعجوز الهرم التي لازالت نفسه توّاقة ، هذا ما تحدث به نفسك الان صحيح ! ، لربما غصّتي الوحيدة في هذه الحياة هي عدم تكويني لأسرة ، وربما لو فعلت لم أكن لأصبح ما أنا عليه الآن ، بكل الاحوال ، فقد مضى قطار العمر بي ومن ثم جاءتني فرصة ، إنها زميلتك لورا ، لا اخفيك بني ، زواجي هذا مبني على المصلحة البحتة ، إنها تريد الافضل وأنا أريد قسطا من الحياة ، إنه أمر وجداني جداً . بكل الاحوال اشعر الان بالخجل الشديد واستسخف نفسي عندما افكر بأني سأتزوج من شابة صغيرة مثلها بعد كل هذي السنون ، ربما لم تخبرك حتى الان ، وربما قد اخبرتك ، وربما أيضاً قد نصحتها بالعدل عن هذا الزواج ، هل تراني اكتب كالمراهقين ؟ ، ام أنك مسرور لأجلي ، أم أنك تظنني جشعا شريرا حتى اقدم على قطف وردة ببراعم غضّة ، لقد اخبرتك عن الفرصة الواحدة قبلاً ولورا قد صنعت فرصتها بنفسها واختارت ، و انت أيضا بني العزيز استغل فرصتك . نهاية هذا الاسبوع سنعقد هذا الزواج ، من عادات هذه المدينة وجود الشخص المانح من ذوي قرابة الدم ، لكن لورا لا تملك احدا هنا ، إنه اجراء شكلي لذا لقد اصرت على ان تكون انت هذا الشخص ، هي صديقتك المقربة ، لقد اخبرتني بهذا ذلك اليوم ، لذا بالتأكيد لن ترفض طلبي هذا ، وأنا متأكد أنك ستكون سندا لي بهذه الخطوة ، بصفتك بني الوحيد العزيز. ستطلعك مادلين عن الزمان والمكان ، وبعض التفاصيل الاخرى ، اراك بجانبي جان ، قريبا جداً . ويليام رايان شراود .

-اوه .. جان هل لا تزال تعيد قراءة الرسالة حتى الان ، هل تفكر بالرد عليها وانت متجه الى مراسم الزفاف!
عَفَسَ جان الورقة بيده حتى تحولت لكرة ورقية صغيرة ثم رماها لجانب الطريق ، وزلق يده من يد مادلين بجانبه
-هلّا اخبرتني ما بك الان ! انت على علم بكل شيء منذ اسبوع تقريباً ، لا ترتكب اي حماقة .
-وماذا عساي افعل ، هي من اختارت هذا الدرب ، والسيد ويليام ليس له ذنب
-هل قابلته خلال الاسبوع ؟
-لا … قصدته عدة مرات ولم أجده ، حتى أنه لم يداوم في المدرسة .
-ولورا ؟ ، قابلتها !
-مادلين لا تصطنعي الجهل ، انتِ على دراية بكل شيء
توقفت مادلين عن السير بينما تقدم جان بضع خطوات قبل أن يتوقف :
-لكنك الان معي ، لذا لا تظهر علامات الحزن هذه ، هذا يشعرني بالضيق .
-اعلم ما ترمين اليه ، هل تريدين القول اني خنتها قبل ان تخونني ! ، اعلم هذا ، وأعلم أنني كنت على وشك المبادرة بإنهاء كل شيء بيننا لاحقق لك شرطك ، لكن ما حصل قد حصل ، ولهذا انا هادئ نوعاً ما .

-انت لم تخنها ، انت اخترت الأصح والافضل ، والان وقد حصل كل هذا ، انه عملك هنا سريعاً ولنعد سريعاً .
طوق جان بذراعه خصر مادلين التي اطلقت ضحكة مدوية ثم مالت إليه بثقلها، وأكملا مسيرهما نحو قاعة المدينة ، هناك حيث ستتم مراسم الزواج .
كان جان مدرك تماما لحجم الغباء الذي يقوم به ، والجسارة المصطنعة التي يمثلها ، لقد جاء الى قاعة عقد الزواج ليمنح حبيبته إلى أبيه ، ابتسم ساخرا وهو يفكر بالأمر ، قبل ان تلوح له لورا والسيد شراود من بعيد .
كانت المرة الاولى التي يرى فيها استاذه الوقور بهذا التشتت و الخجل ، لم يستطع حتى إلقاء التحية بالشكل الصحيح ، لكن بريق السعادة كان واضحاً من بين التجاعيد التي طوقت محاجر عيناه.، ولهذا اخذ جان على عاتقه وفي سبيل سعادة معلمه ان يمضي لما جاء إليه بأقصى درجات هدوءه ، اقتربت مادلين منه واصرت على جعل ذراعه حول خصرها ، اما لورا فقد انتبذت لنفسها مكانا بعيدا عن الحضور عندما خرجت إلى حديقة القاعة .
تقدّم الكاهن بزيّه الطويل بوقار يبعث راحة للناظر إليه وطلب ببشاشة البدء في المراسم .
-يبدوا ان لورا متوترة قليلاً ، عزيزي جان علا جئت بها إلى هنا ّ
قالها شراود وقد وضع يده على كتف جان الذي شعر باستعار جسده كأنَّ قدر ماء مغلي قد سكب عليه .

-يطلبون منك العودة للقاعة للبدء بالمراسم .
ردت لورا شعرها المنسكب عن وجهها واردفت :
-لطالما تخيّلت هذا الموقف ،دائما ما دخلت معك بخيالي إلى هذه القاعة ، حيث سنعقد رباطنا الأبدي ، دعنا نجرب حتى ولو ام نكن المقصودين .
ابتسم جان رادّاَ
-تعالي لنسرق هذا الزفاف ونهرب بعيداً ، امنحيني نفسك أمام الكاهن ولنجري إلى المجهول .
-لقد منحتك نفسي مسبقاً ، كيف لك أن تأخذني وأنا معك .
-انتِ مختلفة عن ذلك اليوم ، بات الشك يتسرب لقلبي إن كنت لا استطيع فهمك .
-انا كما انا لا ولم ولن اتغير ، المواقف هي من تتغير . الفرصة تأتِ مرة واحدة
-الجميع اخبروني بهذا ، ربما هذه هي فرصتي الوحيدة الان .
-وماذا ستفعل !
-سأخبرك كم بتًّ اكرهك لورا ، انا ابغضكِ جداً ، ولا اريد رؤيتك مرة اخرى بعد اليوم .
استدار جان مرتجف الأوصال وعاد ادراجه الى مقابل شراود و الكاهن وبعد لحظات انضمت لورا بهدوء شديد إليهم .

” لقد منحتك هذه الروح ، أمام كتاب الإله المقدس ، ليشهد على شرعية هذه الرابطة ، فكن على عهد الاله واحفظ هبته التي امنحها لك بكل جوارحك “

“ليبارك لنا الاله بمنحته ، وليسعدنا بعهده الذي وهبه إلينا ، اعهد بحفظها وحمايتها ، حتى اليوم الاخير عندما يفترق نور الحياة عن ناظراي “
بهذه الصيغة انهى جان وشراود المراسم وسارع الكاهن بتهنئتهما ، فيما كنت مادلين تراقب من بعيد نافثة دخان سيجارتها. خرجت لورا مسرعة الى خارج القاعة .
كانت السيارة تبتعد حاملة كل من لورا وويليام نحو الافق ، وكان كل من مادلين وجان يطالعانها بمشاعر مختلفة ، اخبرته مادلين ان المدير سيقضي إجازة زفافه في المدينة الملكية على الساحل ، ولكنها احست بأن الأمر لم يعد مهما له فامتنعت عن اتمام الحديث .
استمر جان شارداً بمراقبة الافق ، بينما جذبته مادلين إليه دلالة منها على وجوب التحرك .
-هيا جان ، لقد اختارت حياتها ، فالنعش حياتنا أيضاً
-مادلين هل تكرهينها اقصد لورا .. هل تكرهين لورا ؟
-لا انكر اني احببتك منذ التقيتك اول مرة ، لكن من المستحيل ان اكرهها لذلك ، لقد فعلت ما هو صحيح .
-تقصدين هذا الغباء ! ، تباً لها
-على رسلك ، فهي صديقتي ، لقد زرتها مرات عديدة ، اعلم أنها تحبك جداً ولازالت ، لكن اكرر لك ، لقد فعلت ما هو صحيح بالنسبة لظروفها .
-ظروف ! ، أية ظروف .
-لقد ظننتها مادية استغلالية في البداية ، لكنها اخبرتني عن زواج امها ، وبعدها عن تسلطه عليها ، وعن معاناة والدتها الشديد معه ، حتى وصل به الحال للمقامرة عليها ، لذا احتاجت اكبر قدر من المال لترسله لها ، لقد اخبرتها بأن تطلب المساعدة من ويليام ، إنه قادر على ذلك بنفوذه كما تعلم ، لكن ثمن مساعدته لها كان هذا الزواج ، ولم يكن لديها خيار سوى الموافقة …
-وماذا عن تلك الرسالة التي اردتني ايصالها لها !
الامر بسيط عزيزي جان ، انا اريدك ، وهي تريد الخلاص ، وويليام يريدها ، وكل فرد ساعد الاخر بالحصول على ما يريد ، لماذا نتعب ادمغتنا الان ، ما حصل قد حصل وانت الان تريدني انا .
-لكنها لم تخبرني بشيء عن كل هذا ، لم تلمح لي حتى ، لقد كانت لورا مختلفة عن التي عهدتها عليه .. مادلين هل تكذبين علي الان !
-لقد فعلت هذا عن قصد لتكرهها ، لقد ارادت ان تجعلك ترتاح بتركها .
رويدا رويدا بدأ جان يشعر وكأنه بدأ يستفيق من غيبوبة طويلة ، احسَّ متأخراً جداً على غير عادته بزلزال يضعضع جوارحه ، لقد كان مخطئاً في كل شيء ، لقد ظنَّ أنه اقرب شخص لها ، ولكنه يدرك الان مدى بعده عنها ، هل كانت تبرز كل ذاك الانشغال لأسألها ، لقد كنت ذاهب لسؤالها في ذاك اليوم ، لكن …….
صرخ وقد امسك بلورا وجذبها بعنف ،:
-ولماذا لم تخبريني ! ، لماذا لم تشرحي لي أي شيء ، لماذا لم…….
قطعت لورا صراخه واجابته ناهرة إياه :
-ومن تظن نفسك حتى حتى تخلف موعدي ! ، لقد اردت مصارحتك بكل ما يحدث ذلك اليوم ، لكنك تجاهلتني بصفاقة ، ومن هنا اثرت الصمت .

خرج صوت جان متحشرجا مختنقاً ، ادرك في هذه اللحظة انه فقد لورا ، وطفى بأحشاءه ألم كان قد كبته لفترة طويلة :
-لا لا يمكن هذا ، يجب ان اصحح كل شيء يجب ان اعيد كل شيء لما كان عليه .. عودي لورا ، اتوسل إليكِ .

-كف عن هذا جان ، لا تبكِ كالأطفال ، تعال الي انت بحاجة للراحة …
ظل واقفا متسمرا في مكانه ، محترقاً بدموعه وندمه وما لبث إلا ان تحول ذاك الهمس المختنق إلى صراخ منتفض محترق . عادت مادلين تحاول احتواءه ، لكنه اندفع بعيداً راكضاً منادياً باسم محبوبته ، ركض كالمختل نحو الافق هناك حيث اختفت تلك السيارة التي حملت معها حبه الوحيد ، وعلى أعين الجميع استمر في صراخه حتى تلاشى صوته ، واستنفذ قواه ، وفي النهاية وجد نفسه امام سيارة طرحته أرضاً .

-13-

رن جرس المدرسة ، اندفع الطلبة نحو الخارج بأمواج مندفعة ، بات السيد شراود لا يزور مدرسته إلا نادراً ، أما مادلين فقد أوكل إليها إدارة المدرسة وباتت اكثر شموخ وعنجهية ، على قارعة الطريق سمع صوت عرافة غجرية ، وعلى ذات القارعة ، افترش شاب بهيئة مزرية ذلك الرصيف ، لم يكن لأحد من المارة أن يعلم أن هذا الشاب ذو الثياب الرثة المتسخة ، كان يوماً شعلة من الحب و العطاء ، لكن جذوته انطفأت مع تلك السيارة التي صدمته ، ففقد نفسه وعقله ، ونسي كل شيء ، لكنه استمر بترديد اسمها مرارا وتكرارا ، في كل يوم وليلة ، ينادي أمام باب المدرسة وهو يبكي عليها ، يطرده الحارس و يشتمه احد المارة ، يذهب بعيدا ، يفترش قارعة الطريق ، على امل ان تعود إليه .
مرت العرافة بجانبه تنادي بجانبه ، لم تذكره ، ولكنها تذكر ذلك اليوم الذي قالت فيه لشخص ما تهكم عليها :
“أراك ثانية وقد فقدت نفسك “
لقد فقد نفسه وتخلى عنه الجميع ، حتى مادلين التي كانت تواجهه في ذهابها وإيابها ، لقد صرفت نظرها كلياً عنه ، فما حاجتها بمختل عقلي في حباتها ، لكنها تمنّت لو أنه لازال جان الذي عرفته ، على الاقل ما كانت لتتقزز منه كما تفعل الان . لقد ادرك ذلك المختل متأخراً جدا ، وبعد فوات الاوان أن الحب و الوفاء لا يمكن إيجادهما بسهولة ، ليس لهما درب وليس لكليهما عنوان .

تــــــمــــت…

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
46 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
46
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x