ألغاز تاريخية

بوكاهنتس بين الوفاء والخيانة

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

الاميرة الهندية الفاتنة التي فضلت قلبها على شعبها
الاميرة الهندية الفاتنة التي فضلت قلبها على شعبها

خلال فترة عصر التنوير عرف العالم القديم الكثير من الاكتشافات الجغرافية العظمى ولعل اهمها هو اكتشاف كريستوف كولمبوس للعالم الجديد تلك القارة الغامضة التي ظلت مختبئة طيلة قرون مضت ، بقي الناس لايعرفون شيئا عن هذه القارة ولا سكانها فالوصول اليها صعب ومكلف كما ان انتشار الخرافات حول سكانها المتوحشين زاد من غموض هذه القارة لكن ملوك ذلك الزمن لم يأبهوا لهذا بل تسارعت الدول الكبرى في ذلك الوقت الى السيطرة على اكبر قدر من الاراضي وضمها الى ممتلكاتها خاصة بعد اكتشاف معدن الذهب في العالم الجديد.

سارع الانجليز كغيرهم الى ارسال المستكشفين الى امريكا وبدأ ضم الاراضي المكتشفة الى التاج البريطاني ، ومن بين هؤلاء المستكشفين كان الادميرال جون سميث الذي وصل الى مايعرف اليوم بولاية فرجينيا وبدا في استكشاف نهر شيكاهوميني والمناطق المحيطة به لكن في احدى المرات تم القبض عليه من طرف قبائل الهنود الحمر واقتيد الى مقر القبيلة وبعد ان امضى عدة ايام في الاسر تعرف على فتاة هي بطلة قصتنا اليوم انها بوكاهانتس.

ولدت بوكاهانتس عام 1595 وهي احدى بنات الحاكم الموقر (بوهاتان) والذي حكم اكثر من 30 قبيلة ناطقة بلغة ألغونيكان ، كانت بوكاهانتس هي الابنة المفضلة له لأنها كانت مرحة وخفيفة الظل ، سميت عند ولادتها باسم ماتواكا كما دعيت ايضا باسم أمونوت اما اسم بوكاهانتس فهو لقب اطلق عليها واشتهرت به ويعني الفتاة المرحة والمثيرة للمتاعب.

تعرفت بوكاهانتس الى جون سميث وهو في الاسر لكن اسره لم يدم فقد قرر والدها اعدامه وتم تجهيز المراسم القبلية للاعدام حيث يوضع رأس أدم سميث بين صخرتين لكن بوكاهانتس اوقفت هذه المراسم ومنعت اعدام أدم سميث حتى تم اطلاق سراحه.

blank
بوكاهانتس اوقفت ومنعت اعدام أدم سميث

وتبدأ بوكاهانتس بلعب دور الوسيط بين الهنود الحمر والمستعمرة التي اسسها ادام سميث حيث أقر ادام سميث بنشوء قصة حب بينه وبينها وانها كانت تعمل وتدافع عن البيض ، بعد نشوب معارك بين قبائل الهنود الحمر والمستعمرين البيض تم أسر بوكاهانتس وطالب البيض بالفدية من والدها لكن بوكاهانتس رفضت العودة الى قبيلتها وقومها وعاشت مع الانجليز بعد اصابة جون سميث وعودته الى انجلترا.

تزوجت بوكاهانتس من تاجر تبغ واعتنقت المسيحية ودعيت ريبيكا وسافرت مع زوجها الى انجلترا كمثال لتمدن الانسان الهمجي بفضل الرجل الابيض ودعيت الى الحفلات والمناسبات الاجتماعية وقد مثلت نجاح الرجل الابيض في ترويض الهنود الهمج .

blank
سافرت مع زوجها الى انجلترا كمثال لتمدن الانسان الهمجي

هل تعتقدون ان هذه القصة حقيقية انها طبعا ما ذكره جون سميث في مذكراته التي كان يكتبها وفيما بعد انتشرت هذه المذكرات وهذه القصة واصبحت قصة بوكاهانتس نجاحا للثقافة البيضاء فهي انكرت قومها وعشيرتها ورفضت العودة اليهم ، طبعا البيض ساهموا في نشر هذه القصة لكن في العصر الحديث قامت البروفيسورة كاميلا تاونساند بنشر كتاب حول بوكاهنتس بهدف كشف حقيقة هذه الشخصية التي ظلت تتراوح بين الخيانة لشعبها والوفاء لهم.

بدأت كاميلا في اجراء الابحاث وقد ساعدها في ذلك ممثلين عن عشيرة بامونكي وهم احفاد بوكاهنتس وقد اكتشفت ان كل ما الفه جون سميث ما هو الا كلام فارغ فهو لم يفهم تقاليد الهنود الحمر ولا لغتهم فكيف يتحدث باسمهم ، وقد عرفت كاميلا ان هدف جون سميث هو جعل ثقافة البيض مهيمنة وصانعة للحضارة والتمدن وقد نجح في ذلك لعدة قرون لكن كاميلا اعادت كشف الحقيقة والتي سنعرضها الان.

blank
عندما اعتقل جون سميث كانت بوكاهنتس على الارجح طفلة

في الحقيقة بوكاهانتس واسمها الحقيقي ماتواكا كما ذكرنا سابقا حول اسمها ومولدها واصلها كله صحيح لكن عندما اعتقل جون سميث كانت بوكاهنتس في سن 9 أو 11 من العمر ولا يعقل ان تقع في حب شخص يكبرها بسنوات كما ان تفاصيل الاعدام لم تكن في الحقيقة اعداما بل هي مجرد تقاليد تتبعها القبائل وجون سميث اعتقد انه سيعدم، وبوكاهانتس لم تكن حاضرة خلال المراسم لانها كانت صغيرة.

في أيام اسره كان جون سميث يقضي بعض الوقت مع بوكاهانتس فهي رغبت بتعلم لغته فكان يجلسان قرب النهر ويتعلمان الجمل وقد تم حفظ كل الملاحظات التي كتبها جون سميث ، بعد اطلاق سراحه من قبل الهنود اصبح الهنود يرسلون الطعام لمستعمرة جون سميث وكانت بوكاهانتس تذهب معهم في رحلة شاقة الى المستعمرة وهناك تعرفت اليه اكثر ، بعد مدة تدهورت العلاقة بين الهنود والانجليز بسبب قلة الغذاء فالصيد الذي كان يكفي الهنود سابقا لم يعد كافيا للهنود والبيض معا فتفشت المجاعة و المرض عام 1606 فهدد البيض بحرق قبائل الهنود الحمر ، بدا الهنود بالمفاوضات مع البيض لكنها انهارت فقرر زعيم الهنود الحمر اعدام جون سميث ونصب كمين له ، الانجليز قالوا ان بوكاهانتس ركضت الى المستعمرة وحذرت جون سميث لكن الحقيقة غير ذلك فالطريق طويلة وشاقة ولا يمكن لفتاة صغيرة الذهاب لوحدها الى المستعمرة ، في اواخر عام 1609 اصيب جون سميث في احدى المعارك مع الهنود وعاد الى انجلترا اما بوكاهنتس فقد تزوجت من محارب من قبيلتها يدعى كوكوم عام 1910.

تم اسر بوكاهانتس عام 1913 بعد ان تم استدراجها الى سفينة الكابتن صمويل الذي طالب باطلاق سراح السجناء واعطائهم الطعام مقابل اطلاق سراح بوكاهانتس، ارسل والد بوكاهانتس نصف الفدية المطلوبة فقط وخلال اسرها عاشت في مستوطنة للبيض اسمها هنريكوس وهناك تعرفت على تاجر التبغ جون رولف وقررا الزواج في ابريل عام 1614.
وكان هذ الزواج اول زواج مسجل بين هندية وابيض اوروبي وقد عاشت بوكاهانتس مع زوجها في مزرعته للتبغ لمدة عامين وانجبت ابنها توماس ، ورغم كل هذا فهي لم تتنكر لاصلها او خانت قبيلتها بل حاولت مساعدة شعبها الذي لم يكن ندا للبيض المسلحين جيدا والطامعين لسلب اراضي الهنود.

blank
في بلاط الملك جيمس الاول

فيما بعد سافرت بوكاهانتس الى انجلترا عام 1616 مع شقيقتها ماتشنا وزوجها جون رولف وقد كتبت اختها لاحقا عن مغامرتهما في انجلترا وقد وصلوا الى ميناء بلايموث مع مجموعة من الاهالي من السكان الاصليين ، في انجلترا قابلت بوكاهانتس الملك جيمس الاول والملكة آن وقد امتدح جون رولف لانجازه في جلب المسيحية الى القبائل الهندية ، بعدها استقر جون وبوكاهانتس في منطقة برينتفورد الريفية ثم قررت العائلة العودة الى فرجينيا عام 1617 لكن بوكاهانتس لم تنجو من الرحلة الطويلة واضطرت الى النزول الى الشاطئ على احدى الجزر قبل نهاية المحيط الاطلسي وماتت على الشاطئ. وقد قيل انها ماتت بالسل ومنهم من قال انها ماتت بالدزنتاريا ومنهم من قال انها ماتت مسمومة.

كانت بوكاهانتس في 21من العمر عند وفاتها تاركة طفلها توماس مع زوجها.

اذن بوكاهانتس لم تخن قبيلتها فحسب الدراسات التي قامت بها البرفسورة كاميلا تاونساند فان بوكاهانتس حاولت ان تساعد قبيلتها وقومها لكن الظروف لم تساعدها فالمستعمربن البيض لم يتركوا مجالا للهنود الذين اعتقدوا انهم اذا ساعدوا البيض بالطعام والمؤن سيرحلون من حيث اتوا وان زيارتهم لأرضهم لن تطول ولم يعرفوا أنهم جاءوا لسلبهم ارضهم وثرواتهم .

اليوم قصة بوكاهانتس مازالت تتعرض للتشويه ففي كثير من الافلام والرسوم المتحركة مازال يتم تحريف القصة الحقيقية بين من يصورها طفلة ساذجة وبين من يصورها فتاة واميرة هندية تقع في حب جون سميث ورغم اختلاف هذه القصص الا ان قصة بوكاهانتس تبقى تحكي مأساة تعرض اليها شعب الهنود الحمر.

blank
السيدة الاولى اديث ويلسون والنائبة جين شاهين والكولونيل جون بولنغ وغيرهم كثيرين يرجع نسبهم الى بوكاهانتس

ومن بين أهم الشخصيات التي تنحدر من احفاد بوكاهانتس هم السيدة الاولى اديث ويلسون، المغنية واين نيوتن، والكثير من العائلات في فرجينيا التي تعود في اصلها الى توماس ابن بوكاهانتس.

في رأيي الخاص ان بوكاهانتس كانت فتاة بريئة حاولت مساعدة شعبها بطريقة بسيطة وهي اقامة علاقة صداقة مع البيض دون ان تدري نوايا البيض الحقيقية في احتلال ارضها وابادة شعبها وانتم اعزائي القراء مارأيكم في قصة بوكاهانتس ؟

كلمات مفتاحية :

– Pocahontas

تاريخ النشر : 2021-08-04

مقالات ذات صلة

33 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى