قتلة و مجرمون

بيث : لغز فتاة الحقيبة

بقلم : omar35880 – ليبيا
حقيبة وضعت تحت جسر تحوي لغزا دمويا
حقيبة وضعت تحت جسر تحوي لغزا دمويا
نسمع كثيرا أن الجريمة لا تفيد، وأن الحقيقة مهما خفيت فمصيرها أن تظهر. وها قد أتى العلم الحديث في هذه القضية ليثبت صدق هذه العبارة.

قصتنا هنا عن جريمة ظلت دون حل لأربعة عقود، وشغلت أذهان المحققين وهواة الألغاز والجرائم (وأنا من بينهم) لمدى بشاعتها، ذلك أن الضحية هنا كانت فتاة حاملا في شهرها التاسع وقام القاتل بتقطيع جثتها ورماها في مكان نائي قبل أن يهرب دون أن يخلف أثرا. ثم أتى الحل في النهاية بفضل الحمض النووي وعلم الأنساب الجنائي، وبفضله تم التعرف على اسم الضحية وتم تقديم القاتل للعدالة.

مايزال المحققون الآن يحاولون كشف المزيد من ملابسات القضية، إذ لم يمض على حلها الآن سوى ثلاثة أشهر.

القضية

blank
عثرت الشرطة على جثة امرأة وجنينها في حقيبة

بدأت الحكاية قرب مدينة وايت هافن في بنسلفانيا في يوم بارد في أواخر العام 1976، وبالتحديد يوم 20 ديسمبر. كان مراهقان يلعبان على ضفة نهر ليهاي عند الجسر الذي يمر عليه الطريق رقم 80 بين الولايات. وقع على ناظريهما وجود حقيبة مرمية على ضفة النهر، ولاحظا أنها كانت مفتوحة قليلا. دفعهما الفضول ليقتربا منها، فصدمهما ما اكتشفاه: احتوت الحقيبة على رأس فتاة وجنين مكتمل النمو.

تم الاتصال بالشرطة التي عاينت المكان. وجدت الشرطة جثة داخل الحقيبة تخص فتاة. بل أنها كانت حاملا في شهرها التاسع. عثرت الشرطة بعد البحث على حقيبتين على بعد ستة أمتار تخصان نفس الضحية. تم إجراء فحص مبدئي في موقع الجريمة، وتبين أنها تعرضت لاعتداء جنسي وتم خنقها حتى الموت. قام القاتل أيضا بإطلاق رصاصة على عنقها بعد أن فارقت الحياة، ربما ليتأكد من موتها. قام القاتل بعدها بتقطيع الجثة، ويحتمل أنه استعمل أداة بنصل مسنن. لم يكتفي القاتل بهذا بل واصل تمثيله بجثها وقطع أنفها وثدييها وأذنيها. لم تعثر الشرطة على تلك الأجزاء بعد ذلك.

يحتمل أن القاتل قام برمي الحقائب من فوق الجسر لتقع وتغوص في قاع النهر أو يحملها التيار بعيدا، ولكن إحدى الحقيبتين (والتي تحوي الرأس والجنين) وقعت على ضفة النهر، وانفتحت قليلا من أثر الوقعة لتكشف عما بداخلها، والتي عثر عليها الفتيان.

قام القاتل بلفّ جزء من الجثة بقماش سرير وردي، بينما لف أجزاء أخرى بصفحات من صحيفة نيويورك صنداي مؤرخة بيوم 26 سبتمبر 1976. قدم هذا دليلا آخر أن الفتاة (أو القاتل على الأقل) كانت تعيش في مدينة نيويورك أو في مدن منطقة نيويورك العمرانية.

تشريح الجثة

blank
على مر السنين نشرت الشرطة عدة صور متخيلة للضحية رسمت بناء على ملامح الجمجمة

نقلت الجثة إلى مستشفى قريب، وتمت عملية التشريح بعد ثلاثة أيام من العثور عليها. حدد الطبيب الشرعي أنها امرأة بيضاء في أواخر المراهقة أو بداية العشرينات، وأكد على أن سبب الوفاة هو الخنق. كانت بطول يترواح بين 150- 162 سم، وبوزن 63 – 68 كج وذلك بسبب الحمل. لون شعرها بني داكن يصل حتى الكتف.

كانت هناك علامات أخرى مميزة مثل وجود ندبة بطول 5 سم فوق كعبها، ووجود شامتين على وجهها (فوق عينها اليسرى وعلى خذها الأيسر)، وإن يعتقد أنها نشأت حديثا بسبب الحمل.

وجدوا كذلك حروفا وأرقام مكتوبة بقلم حبر جاف على كف يدها اليسرى، وخمنوا أنها كتبتها بنفسها فهذا يوضح أيضا أنها تستخدم يدها اليمنى. وجدوا مكتوبا عليها أحرف WSR ثم رقم 4 أو 5 ويتبعه رقم 4 او 7. لم تفلح محاولات تتبع الحروف ضمن لوحات السيارات. رجح بقاء الحبر على يدها أنها كانت حية قبل فترة بين 8-12 ساعة.

كانت أسنانها بحالة سيئة وتلقت رعاية طبية، وربما كانت تعاني من مرض في الفم. تم نزع ثلاثة أضراس قبل بلوغ سن المراهقة، وهناك عدة حشوات. لكن لا يظهر أنها قابلت طبيب أسنان منذ فترة، حيث كانت تعاني من تسوس شديد في احد أسنانها. كان هناك كسر واضح في إحدى قواطعها، ومن الأرجح أنه سبب لها ألما شديدا. حاول المحققون الاستعانة بسجلات الأسنان ولم يفلح معهم الأمر.

تم فحص مينا السن باستخدام تقنية النظائر المشعة. يعتقد أنها ولدت في أوروبا وأتت إلى الولايات المتحدة في سن المراهقة. تم فحصها مبدئيا من قبل عالم أنثروبولوجيا وخمن أنها من يوغوسلافيا. أجري فحص آخر بالنظائر على شعرها وأسنانها وعظامها، وحدد أنها عاشت في الولايات المتحدة منذ خمس أو عشر سنوات، وأنها على الأرجح عاشت في ولايات الجنوب الشرقي، وأنها حملت بالطفلة هناك.

أطلق المحققون على الفتاة اسما رمزيا هو “بيث” والذي عُرفت به بين الصحافة والمحققين الهواة ومحبي الألغاز. تم دفن جثتها في قبر يحمل اسم بيث في مقبرة وايت هافن، ودفنت طفلتها بجانبها.

البحث عن هويتها

blank
تم دفنها في هذا القبر تحت اسم مستعار كما يفعلون مع الجثث مجهولة الهوية

تم نشر القضية في أنحاء البلاد عل هذا يفضي بخيط يقود لحل اللغز. كما تم نبش رفاتها لإجراء فحوص إضافية عام 1983، ومرة أخرى عام 2007. تم رسم عدة صور لوجهها على مر السنين، وآخرها رسم بالحاسوب أجراه مركز الأطفال المفقودين عام 2015. كانت أهم مشكلة هي فقدانها لأنفها وأذنيها، ما صعّب عليهم تقدير شكل الوجه.

تم جمع ملف كامل عن الضحية يحوي بصماتها وسجلات أسنانها. تمت مقارنتها بسجلات المفقودين في الولايات المتحدة وكندا دون نجاح. كما لم تتطابق بصماتها مع سجل بصمات المباحث الفيديرالية. تم استبعاد أكثر من عشر فتيات من مختلف أنحاء البلاد.

ظهر أمل جديد في سبتمبر 2019، حيث أعلنت شرطة ولاية بنسلفانيا أنها حصلت على خيط قد يحل القضية. ذكرت امرأة لم تكشف عن هويتها أنها تشك باحتمال أن الجثة قد تخص زميلة لها في المدرسة تدعى مادلين كروز، إذ وجدت شبها بين وجه الضحية ومادلين. كانت مادلين تعيش في ولاية ماساتشوستس، وقامت مصلحة الخدمات الاجتماعية بوضعها مع أسرة راعية.

كانت مادلين تعاني من مشاكل في البيت وسبق لها أن هربت عدة مرات من قبل، وكان آخر هروب لها في عام 1974 وهي في السادسة عشرة، ولم يرها أحد بعد ذلك. ذكرت المرأة أن مادلين اتصلت بصديقة بعد سنتين، وبالتحديد في أغسطس 1976 (قبل أربعة أشهر من العثور على الجثة) تقول فيها أنها حامل وأنها بحاجة للمال. كان هذا أخر ما سمعه أصدقاؤها عنها. بحثت الشرطة في هذا الدليل، ولم تصل لحل القضية، ولكن على الأقل عثروا بعد بحث على مادلين كروز وهي ما تزال حية وبخير وتم استبعادها من القضية.

الفرضيات

انتشرت عدة فرضيات عن دوافع هذه الجريمة البشعة، منها ما انتشر بين رواد الإنترنت ومنها ما اعتمده المحققون. هناك ثلاثة فرضيات لقيت قبولا كبيرا بين المهتمين بالقضية.

أول فرضية هي أن بيث كانت ضحية جريمة شرف. رغم التصاق هذه الجرائم بالعرب في الإعلام الغربي، ولكن لها حضور في أماكن أخرى كالهند وتركيا، كما كان لها حضور قديما وإن كان نادرا في جنوب أوروبا وكذلك منطقة البلقان. لقيت هذه النظرية قبولا كبيرا بين رواد الإنترنت، واستندوا في ذلك على أصلها اليوغوسلافي المفترض، وكذلك تمثيله بجثتها وافترضوا أن السبب كان لمعاقبتها على إهانة شرف العائلة. لكن هناك مشكلتان تعارضان هذه الفرضية. أولهما أنها تعرضت لاعتداء جنسي قبل قتلها، في حين أن هذه الجرائم ينفذها في الغالب الأقارب الذكور، كما أن القاتل في الغالب لن ينتظر حتى تكمل الفتاة شهرها التاسع لينفذ جريمته.

الفرضية الثانية هي أن بيث كانت فتاة هاربة أوقعها حظها في طريق سفاح. هذا السيناريو لقي قبولا بين المهتمين بالقضية، خاصة خلال البحث في احتمال مادلين كروز. قد تكون بيث قد هربت من البيت أو تم طردها من قبل أسرتها بعد حملها. ثم بقيت هائمة على وجهها وعرض عليها أحد الرجال المساعدة وهو يبطن نواياه الشريرة في أن يستفرد بها، ثم قتلها ورمى بجثتها. هذه النظرية واقعية وسبق حدوثها بالفعل، ولم يكن ضحاياها دوما من النساء، ففي حالة السفاح لاري إيلر، كان يقوم بتوصيل الشبان ثم يغتصبهم ويقتلهم ثم يدفنهم في مكان نائي.

النظرية الثالثة هي أن يكون القاتل هو والد الطفلة. في هذه الحالة لا يريد الأب الاعتناء بالطفل بينما تصر الأم على ذلك، فيقرر التخلص منها. يرى المحققون أن هذه النظرية أنها الأقرب على افتراض أن القاتل يعتبر نفسه أمام الخيار الأخير للتخلص منها. المشكلة هنا أن أغلب هذا النوع من الجرائم يتم بسرعة وبساطة ولا يكون بهذه الوحشية.

أخيرا .. الحل

blank
ايفيلين كولون

أتى الجواب أخيرا عن طريق الحمض النووي، حيث تم ربطها مع قريب لها أرسل عينة لقواعد بيانات الحمض النووي. وتبين ان اسمها هو إيفلين كولون وهي فتاة في سن الخامسة عشرة اختفت مع صديقها عام 1976. تم القبض على صديقها ويدعى لويس سييرا في مدينة نيويورك.

ولدت إيفلين كولون في يوم 17 أبريل 1961، وهي من أصل بورتوريكي. عاشت في مدينة جيرسي سيتي في أسرة فقيرة. حملت من صديقها والذي يدعى لويس سييرا في عام 1976. كان عليها أن تترك البيت وتعيش مع صديقها، ولكن عائلتها ظلت على اتصال بها.

في أحد الأيام، اتصلت إيفلين بأمها وقالت أنها تحس بالمرض وتطلب منها بعض الحساء، ولكن عندما زارت أمها شقتها اكتشفت أنها رحلت عنها مع صديقها. كان آخر اتصال لهم معها في يناير 1977، حيث أرسلت لهم رسالة بالإسبانية تخبرهم فيها أنهما انتقلا معا إلى نيويورك وسيستقران هناك ثم يتصلان بهم من جديد عندما يتحسن وضعهما. ذكرت أيضا أنها أنجبت ولدا وهو بصحة جيدة.

شك أهل كولون بالرسالة لأن ابنتهم كانت ضعيفة الكتابة بالإسبانية، ولكنهم لم يشكوا بأن مكروها حدث لها وانتظروا حتى تتصل بهم. لم يقدموا بلاغا عنها كمفقودة، ولكنهم سألوا عنها الأصدقاء والأقارب في المنطقة. وحاولوا عبثا البحث عنها مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر. كانوا على أمل أن تتصل بهم، ولم يكن بعلمهم أنها كانت ميتة بالفعل زمن تلقيهم الرسالة.

أتى الحل في النهاية عن طريق ابن أخيها، لويس كولون. سمع لويس عام 2017 بقواعد بيانات الحمض النووي، فأرسل عينة منه إلى شركة 23andme ليتم فحصها وتسجيلها. تم توصيله بالعديد من الأقارب الذي كان يعرفهم ولكن لم يصل لعمته. ثم تغير حظه في شهر مارس من هذا العام. تم الاتصال به لإبلاغه أن حمضه النووي يتماثل مع قضية قديمة عمرها 44 عاما.

blank
لويس سييرا .. صديقها السابق القي القبض عليه ووجهت له تهمة قتلها

بعد ان تم التعرف على اسم الضحية انطلقت الشرطة للبحث عن صديقها. تم القبض على لويس سييرا في حي كوينز في مدينة نيويورك، وهو يبلغ من العمر الآن 63 عاما. أنكر لويس في البداية معرفته بإيفلين، ولكنه اعترف لاحقا أنهما كان يعيشان معا. قال أنه رآها آخر مرة عندما عاد من العمل في أحد الأيام ولم يجدها، ولكنه لم يتمكن من تفسير أمر الرسالة.
الشرطة تعتقد ان لويس هو القاتل وقد تم القاء القبض عليه مؤخرا وسيقدم للمحاكمة بتهمة قتل الجنين ، وقد تضاف لها لاحقا تهمة قتل ايفلين كولون.

بالنسبة لعائلة الضحية يقول لويس كولون : “على الأقل ستحظى عائلتي الآن بشيء من السلام. نحن الآن نعلم أين ذهبت، ونعلم أيضا أنها لم تتركنا بإرادتها”.

كلمات مفتاحية :

– Murder of Evelyn Colon

تاريخ النشر : 2021-07-21

Omar35880

ليبيا

مقالات ذات صلة

27 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى