قتلة و مجرمون

بيغي جونسون: الفتاة المنسية

بقلم : Omar35880 – ليبيا

غابت 26 سنة ولم يسأل عنها أحد
غابت 26 سنة ولم يسأل عنها أحد

هذا اللغز ظل يشغل أذهان المحققين وهواة حل الجرائم في أمريكا لمدة عشرين عاما. القصة بدأت بالعثور على جثة فتاة مرمية في أحد الحقول، وظهر أنها تعرضت لتعذيب شديد لفترة قبل مماتها.
ظل المحققون يعملون على حل هذه الجريمة لسنوات طويلة وعلى الأغلب لم يكونوا ليتمكنوا من فك اسرارها لولا أن أوقع القاتل بنفسه في النهاية.
هذه قصة بيغي جونسون أو جثة مقاطعة “راسين”.

جثة على قارعة الطريق

blank
تم العثور على الجثة بجوار احد الحقول

في صباح الأربعاء 21 يوليو 1999 كان هناك رجل يقوم بنزهته الصباحية رفقة ابنته ومعهما كلبهما في أحد الطرق الريفية خارج بلدة رايموند في ويسكونسن. أثناء مشيهما بجانب أحد حقول الذرة اكتشفا جثة فتاة ، ولم يكن من رماها في هذا المكان قد تكبد عناء إخفاءها ، بل وضعها في الصفوف الأولى للحقل.
وكانت السماء قد أمطرت في الليلة السابقة فمسحت آثار الفاعل، على أن الطبيب الشرعي رأى أن الوفاة حدثت قبل 12 ساعة على الأقل من العثور على الجثة وقبل هطول المطر. وقد ذكر أحد الشهود أن الجثة لم تكن موجودة عندما مر بالمكان في اليوم السابق.

كانت الجثة تحمل آثار ضرب ، كانت ذراعها اليمنى ملوية خلفها على نحو غير طبيعي. كانت حافية ترتدي قميصا رجاليا رماديا منقوش بأزهار، وسروالا رياضيا أسود. لم تجد الشرطة ملابس أخرى.

تم اخذ الجثة إلى مكتب الطبيب الشرعي في مدينة ميلووكي لفحصها. كانت آثار الضرب واضحة على جميع اجزاء الجثة، يبدو أنها تحملت أسابيع طويلة من الإهمال والتعذيب الجسدي والتعدي الجنسي. كما عانت الضحية من سوء التغذية وكذلك من التهابات في مرفقها الأيسر ولم تتم معالجتها. وكانت مصابة بكسور في أنفها وعدد من أضلاعها، على أن الكسور في الأضلاع حدثت بعد الوفاة. وكانت أذنها مشوهة ومنتفخة من أثر الضرب أو الشد (ما يعرف بالأذن القرنبيطية أو أذن المصارع). ووجدوا آثار ضرب على الرأس، وقد كانت من القوة بأن اخترقت فروة الرأس ولكنها لم تخترق الجمجمة، وحدثت قبل الوفاة بفترة قصيرة.
واستنتج الطبيب الشرعي أن شدة التعذيب زادت في الأيام التي سبقت موت الفتاة. كما وجدوا آثار حروق كيميائية على ربع مساحة جسدها.

أظهر الفحص والتقييم أن الضحية كانت بين 18- 30 سنة، على الأغلب عانت من إعاقة في التعلم. وظهرت على أسنانها آثار الإهمال الشديد، حيث عانت من تسوّسات في العديد منها، بينما كان بعضها الآخر مفقودا، على أن أهم خاصية واضحة هي أن قواطعها الأمامية كانت بارزة. وكان شعرها بنيا محمرا يصل حتى عنقها. ورجحوا أنها كانت ترتدي نظارة مع أنه لم يعثر على واحدة في مسرح الجريمة. كانت نحيفة بطول 172 سم ووزن 54 كج فقط.

حدد الأطباء الشرعيون أن سبب الوفاة هو العدوى والالتهابات التي أصابتها بعد ما تعرضت له من تعنيف وضرب.

بعد انتهاء التشريح وعمليات الفحص الأخرى تم دفن الجثة في مقبرة في مدينة كاليدونيا يوم 27 أكتوبر 1999، وقد حضر جنازتها أكثر من خمسين شخصا، ووضعت في قبر مجهول. وأصبحت معروفة في الإعلام باسم جثة مقاطعة “راسين”، حسب العادة بتسمية الجثث المجهولة على اسم المقاطعة التي اكتشفت بها.

محاولة حل الجريمة

blank
الشرطة وزعت هذه الصورة المرسومة لوجه الفتاة

تم وضع رسومات عديدة لوجه الفتاة على أمل التعرف عليها، أهمها رسم كمبيوتر وضعه المركز الوطني للأطفال المفقودين عام 2012.

رأت الشرطة أن صاحبة الجثة قد تكون من بلد آخر، أو أنها هاربة من البيت. وتمت مقارنتها مع العديد من المفقودين من ويسكونسن والولايات المجاورة، على أن الحمض النووي استبعد جميع المشتبهين.

ربط المحققون بينها وبين فتاة أخرى تدعى ماري كيت تشاميزو، والتي ظلت مجهولة الهوية لفترة من الزمن حتى تم التعرف عليها لاحقا عن طريق الحمض النووي، وكانت قد عانت هي أيضا من سوء التغذية قبل أن تموت ضربا. ووجهت التهم في قتلها لثلاثة أشخاص وأدين أحدهم، قبل أن يتم إخلاء سبيل الثلاثة بعد ظهور أدلة جديدة. لكن لم يجد المحققون ما يربط بين القضيتين.

ظل المحققون يعملون لعشرين سنة في البحث عن أدلة جديدة ، لكن الجريمة ظلت لغزا مبهما حتى جاء الحل بالنهاية عن طريق الحمض النووي ، وكذلك من طريق القاتل نفسه.

في 8 نوفمبر 2019 عقد مكتب مأمور مقاطعة راسين مؤتمرا صحفيا حول القضية، وأعلن فيه هوية الضحية، وكذلك هوية القاتل الذي تم القاء القبض عليه.

تبين ان اسم الضحية هو بيغي لين جونسون، وكانت تبلغ من العمر عند وفاتها 23 عاما، أما القاتلة فهي ممرضة تدعى ليندا سو لا روش كانت في الثالثة والستين من عمرها عند القاء القبض عليها.

تم اعتقال ليندا لا روش يوم 5 نوفمبر 2019 في فلوريدا حيث كانت تعيش هناك منذ عام 2013، وتم تحديد كفالتها بمليون دولار. أهم ما في الأمر أن ليندا أوقعت بنفسها، إذ ذكر عدة أشخاص أنها اعترفت بأنها قتلت أحدا عندما كانت تعيش في إلينوي، وقام أحدهم بإبلاغ الشرطة.

من هي بيغي جونسون؟

blank
بيغي جونسون في طفولتها

ولدت بيغي جونسون في بلدة ماكهنري في إلينوي يوم 4 مارس 1976. كان والدها غائبا عن العائلة، وهو ما جعلها تتخذ اسم عائلة أمها وهو شرودر، وهو الاسم الذي عرفها به رفاقها.

اماندا ريغن ، جارة وصديقة بيغي في طفولتها ومراهقتها تقول عنها : “اطيب فتاة يمكن ان تقابلها ، لم تؤذي في حياتها ذبابة”.

درست الثانوية في بلدة هارفارد القريبة، ويتذكر زملاؤها أنهم شاهدوها آخر مرة في حفلة نهاية السنة الدراسية عام 1994. وفي تلك السنة، توفيت والدتها فأصبحت الفتاة وحيدة ومشردة خصوصا وان والدها كان قد مات منذ سنوات ، وكذلك كان لها شقيق واحد مات أيضا في غرة شبابه.
لم يتم التبليغ أبدا عن فقدان بيغي، على أن عمتها (أو خالتها) وضعت إعلانا شخصيا صغيرا في جريدة عام 1999 تطلب منها أن تتصل بها.

احد زملائها في الثانوية ، راين لي ، يتذكرها قائلا بحزن : “كانت دائما مبتسمة ، لكنها كانت جدا هادئة ونادرا ما تقول شيء .. اعتقد ان الجميع قد خذلوا بيغي ، أمها ماتت ولم تترك لها شيء ، المدرسة خذلتها ، نحن خذلناها كأصدقاء لأنها لم تشعر يوما بأن بأمكانها ان تأتي الينا وتقول انا مشردة وبحاجة للمساعدة .. الجميع مضوا في حياتهم ، تزوجوا واصبح لديهم اطفال .. ونسوا بيغي ، لم يعد احد يتذكرها”.

من هي القاتلة؟

blank
القاتلة ليندا لا روش

نالت لا روش رخصة بالتمريض في عام 1987، وأدارت عيادة تمريض خاصة منذ عام 1997، حيث قدمت الرعاية لعدد من مؤسسات الإصلاح. لم يسجل لها خلال عملها أي تصرف مسيء أو مشكوك به.
التقت جونسون بالممرضة لا روش في مكان عمل الأخيرة، ووافقت على أن تعمل الفتاة عندها في المنزل مقابل الإقامة والغذاء. لم يتأكد المحققون إذا ما إذا كانت اساءة معاملة الفتاة قد بدأت فور إقامتها في البيت، ولكنهم متأكدون أنه استمر على مدى سنوات طويلة. زعم أحد رفاقها أنه قابلها عام 1995 في بيت لا روش وقال أنها بدت سعيدة بحياتها الجديدة.

زعمت لا روش لاحقا أن بيغي كانت تسرق الأشياء من البيت وبالأخص الأدوية، وكانت تأتي بالشباب إلى البيت دون موافقتها، على أن زملاءها قالوا أنها كانت فتاة طيبة وهادئة.

أكد أولاد لا روش أنهم شهدوا بأنفسهم بعض الإساءات من أمهم تجاه الفتاة. ذكر أحد الأبناء للشرطة أن أمه كانت تعنّفها على الدوام بالضرب والشتائم، وأنها ضربتها على رأسها بشوكة ذات مرة، وأنه رأى كدمة كبيرة على عين الفتاة في مرة أخرى.

حققت الشرطة مع زوجها السابق، وقال أنه عاد للبيت في أحد أيام يوليو من عام 1999 ووجد بيغي غائبة عن الوعي، وزعمت ليندا أنها تعرضت لجرعة زائدة. طلبت ليندا من زوجها وأبنائها أن يذهبوا في نزهة ويتركونها لتأخذ الفتاة وتطلب المساعدة، وعندما عادوا لم يجدوا الفتاة ولم يروها بعد ذلك. بعتقد المحققون أن ليندا قادت سيارتها مسافة 47 ميل (76 كم) عبر حدود الولاية ورمت الجثة هناك.

استجوبت الشرطة ليندا بعد اعتقالها، وقالت أن الفتاة استردت وعيها وتركتها عند جدتها، على أن الجدة أنكرت ذلك وقالت انها لم يسبق لها أن قابلت ليندا أو أسرتها. ثم غيرت لا روش قصتها في اليوم التالي فزعمت أنها تركتها وهي حية وسليمة على طريق ريفي في ويسكونسن. وذكرت ليندا في شهادتها عدة مرات أن بيغي كانت تسرق الأدوية وتتعاطاها، وأنها أصيبت بالإغماء يوم وفاتها بسبب جرعة زائدة، ولكن فحص السموم على الجثة لم يتوافق مع هذه القصة.

حتى الآن وجهت إلى ليندا تهمة القتل العمد وإخفاء جثة، وهي بانتظار المحاكمة وقد تواجه عقوبة تتراوح بين عشرين عاما والمؤبد.

تم نقل رفات بيغي ووضعت بجانب قبر أمها في بلدتها الأم.

blank
صورة بيغي في حفل التخرج عام 1994 .. اخر مرة رآها فيها اصدقائها

رحلت بيغي وارتاحت ، كانت وحيدة في درب الحياة ، لا أب لا أم لا اشقاء ، ولا احد يسال عنها ، فتاة طيبة وساذجة ، وقعت بيد امرأة المفترض أنها ملاك رحمة ، لكنها للاسف كانت ابعد ما تكون عن الرحمة .. تم استعباد بيغي كخادمة واستغلالها نفسيا وجسديا وجنسيا من قبل القاتلة ، واحتمال من قبل زوجها ، فهم يعلمون بأنه ليس للفتاة من يدافع ويذب ويسأل عنها ، ولم يتوقفوا عن استغلالها حتى تركوها جثة هامدة … وكم يوجد من امثال بيغي من الضعفاء المساكين الذين لا يملكون سوى رحمة الله .. يتامى مشردون ،  خادمات وعاملات منازل ، مهاجرون وعمال مغتربون ، ابناء هاربون من اضطهاد المنزل ، كنة وحيدة مستضعفة في منزل عائلة زوجها ، اخت عانس اصبحت خادمة لاشقائها واطفالهم الخ ..
في الحقيقة بعض الناس يستسهلون ايذاء الاخرين والتنمر عليهم واستغلالهم واحتقارهم حين يعلمون بضعفهم وانكسارهم وفقرهم وعوزهم …

ما رأيك أنت عزيزي القارئ ، هل الاستقواء على الضعيف سمة من سمات النفس البشرية؟ .. وهل تعرضت يوما للاستقواء والقهر والاستغلال من قبل الاخرين؟ .. اتمنى اسمع ردك.

مصادر :

Murder of Peggy Johnson
Who was Peggy Johnson? And why didn’t anyone say she was missing for 20 years?

تاريخ النشر : 2020-11-25

Omar35880

ليبيا

مقالات ذات صلة

62 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى