أدب الرعب والعام

حتى لو تطلب الامر مئة عام، سأنتظرك!

بقلم : حمرة الغسق

“انها هناك امسكوها !”
صاح احد الجنود مؤشرا علي
وقفت كالبلهاء اؤشر على نفسي “انا؟” ثم اجفلت فاطلقت العنان لقدماي للهرب، قلت بين انفاسي المتسارعة:
“فشلت الخطة ألف، وقت الخطة باء، الهرب من شيم العظماء “.

سرقت رداءً في طريقي من احد الباعة الذي ادهق شتائمه علي والعدد اللامعدود من اولائك الذين يلاحقونني، نجحت في الافلات و ركعت في زاوية ما التقط انفاسي .

“الغريبة ،ماذا تفعلين هنا ؟هل هربت من القصر مجددا؟”.
رفعت بصري برعب لتحتشد نظراتنا
“اشش” غطيت فاهها وانا العن حظي العاثر هربت من جنود ذلك الوغد لاقع بين يدي اكبر فضولية ناشرة للاخبار والفضائح “ايميليا”.

كتفت ذراعيها بنظرة راغبة في الرشوة مقابل التستر عن الموضوع ، تنهدتُ بقلة حيلة مشبعة فضولها “رأيت زوجة بائع الخضار مع احد الجنود خلف احد الدكاكين “.

فغرت الاخيرة فاهها بصدمة وقبل ان تنطق ، سألتُها مغيرة الموضوع “لما تلك العجوز المتصابية تجلس دائما في ذلك المكان؟” صمتتُ برهة ثم استرسلت، “اعني انها تلبس ملابس اصغر بكثير من عمرها ، لا تناسب تجاعيد الدهر ودسائس الزمن المحفورة على وجهها البتة ،كما انها تضع القليل من مساحيق التجميل الدافئة على اجفان عيناها الغائرة ، ملامحها دافئة كأمواج بحر راكدة عاصرت ليالٍ باردة ، وضفيرة بيضاء يققة تختمها ربطة شعر قرمزية بالية ، انها عجوز غريبة !”

تدخلت زوجة بائع الخضار فاصفر وجهي ووجه ايميليا خوفا ان كانت قد سمعت صدفة فضيحتها على ألسنتنا، لكن ارتحنا عندما قالت اخيرا ” انها الارملة العجوز اليزابيث، يالها من مسكينة فقدت زوجها اثر الحرب ولم تتجاوز حينها عامها العشرين بعد، قصة حب حزينة”.

لمعت عيناي انتظر اتمامها للقصة بفضول ، قالت بعدما لاحظت ذلك “لا شيء بدون مقابل ” زفرت بضجر ووعدتها بشراء خضار من متجرها مقابل الحكاية فسردت القصة بسعادة :

شابة ببشرة شاحبة تناثرت خصلات من ضفيرتها الشقراء على وجهها، تحمل سلة ثقيلة على ظهرها آملة بالعودة الى القرية قبل غروب الشمس.
ولكن هيهات فكاحلها التوى ووقعت هي وحمولتها فاحمرت وجنتيها معلنة عن هطول موسم امطار على خديها ، قاطع بكائها صوت رجوليٌ عميق :”اتحتاجين مساعدة يا آنسة؟”
نهضت بخجل ممتعض تلملم حاجياتها ونطقت بين شفاهها جازة على اسنانها “لا اريد يا سيدي ، غادر قبل ان يرانا احد،اخشى الفضيحة”.

قهقه الآخر ساخرا “لا أحد يتجول في الجبال في هذا الوقت غيرك ،كما ان الجبال في الليل خطِرة والحيوانات ضارية كما ان الجو بارد ستكونين لقمة سائغة للذئاب كما ان …”

بلعت ريقها بخوف ووقفَت على عجل : “سارحل بسرعة اذن” فاجئها الم قدمها وفقدت توازنها فاسندها عليه ثم جثا على ركبته طالبا منها الصعود على ظهره فرفضت نافخة خديها .

اعلمها بنبرة جدية : “لم يبقَ على الغروب الا القليل، لا تعاندي “.

مشى بها لمسافة طويلة فاحست هي بتعبه لتسأله محرجة “هل انا ثقيلة ؟” لم تسمع منه ردا فسكتت كان يود قول شيء لكنه في كل مرة يتردد ويصمت ، حتى اوشك الظلام على الحلول والصقيع يشتد شيئا فشيئا ، بدأت ذرات الثلج بالتساقط بهدوء كأنها قطع قطن تغطي جراح قلوبٍ مدميةٍ، همسَت في اذنه “انزلني انت متعب “، ولم تستقبل ردا مجددا احست انها عبئ عليه لكنه محى احساسها بغتة بقوله : “آسف، اعلم انك تشعرين بعدم الارتياح والبرد لذا اصمدي قليلا لم يبقَ الكثير لنصل “.

“هل انت بشر ام ملاك ؟” تبادلا الضحكات وعندما ترائت لها القرية سألها : “اذن اين بيتك؟” اجابته بحنق : “انزلني هنا اخاف الفضيحة”
ففعل وودعها لكنها استوقفته ،كانت ستطلب شيئا لكنها اكتفت بالشكر وغادر كليهما.

بعد ايام وبينما كانت تقطف اعشابا طبية من ذلك الجبل كعادتها، فاجئها صوته مجددا “اتحتاجين مساعدة يا آنسة”

اجابته بخجل عابس مصطنع : ” لا اريد يا سيدي ، غادر قبل ان يرانا احد،اخشى الفضيحة “
ضحك كليهما بشدة ذلك اليوم ، ومن هناك بدأت قصة حبهما ، طلب يدها للزواج فوافقت ولكن سعادتها لم تكتمل عندما استدعي زوجها للحرب ولم يعد، طلب منها أن تنتظره ، اخبرها ان الحرب ستنتهي وينجب رحمها اجمل طفلة، سيحكيان لها قصتهما ، فقط طلب منها انتظاره فاجابته بنبرة واثقة : “سأنتظرك، حتى لو تطلب الامر مئة عام، سأنتظرك” ، ومنذ ذلك الحين وهي تجلس على عتبة ذلك الباب بزينتها لعله يعود، يمد يدها يسألها “تحتاجين مساعدة يا آنسة ؟” فتمد يدها بثرثرتها المعتادة،لتخلدَ قصة حبهما للأبد..”


ملاحظة : هناك بعض الامور المبهمة في القصة، كمن هي البطلة ولما تهرب اصلا وما علاقتها بالعجوز والحرب؟ ، ذلك لأن هذه الاقصوصة هي جزء محذوف من رواية كتبتها ولم اكملها فاحببت نشرها كقصة جانبية.

مقالات ذات صلة

17 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى